English

 

الاثنين. أكتوبر. 30, 2000

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » الأردن

 
أهم الأخبار  

ذكرى المعاهدة الأردنية- الإسرائيلية .. مناسبة غير سعيدة

سميح المعاطية

Image
قبل ست سنوات، وتحديداً في السادس والعشرين من شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 1994، كانت منطقة وادي عربة الحدودية بين الأردن وإسرائيل تشهد احتفال توقيع معاهدة السلام الأردنية- الإسرائيلية، وعندما وقّع رئيسا وزراء البلدين د. "عبد السلام المجالي" و"إسحق رابين" –رئيس الوزراء الإسرائيلى صفّق الحضور وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي "بيل كلينتون" و"الملك الحسين" والرئيس الإسرائيلي "عيزرا وايزمان"، معلنين دخول العلاقات مرحلة جديدة قائمة على العلنية بعد عقود طويلة من العلاقات السرية بين القيادتين السياسيتين.

وقد سبق التوقيع على المعاهدة عمليتا توقيع: الأول على اتفاق مبادئ تم في 14/9/1993 بعد يوم واحد من توقيع اتفاق أوسلو، والثاني في 25/7/1994 فيما سُمي إعلان واشنطن، وجاءت المعاهدة لتتوج المسار الأردني- الإسرائيلي، وتفتح الباب أمام علاقة ذات سمات خاصة.

وخلال تلك المرحلة بذل المسؤولون الأردنيون جهوداً غير عادية لمواجهة قناعات المواطن ومواقفه التاريخية من إسرائيل، وللرد على المعارضة، وفي مقدمتها الحركة الإسلامية ذات الموقف العقائدي الرافض للتفاوض والصلح مع إسرائيل والاعتراف لها بالحق في الوجود على الأرض العربية. واستعمل المسؤولون أساليب الترغيب والترويج لأحلام الرخاء والرفاه، وأن السلام سيكون المفتاح لكل مشكلات الأردن الاقتصادية، أو على الأقل المساهمة في حلها.

ونتيجة المبالغة في الترويج الرسمي والاستقبال من قبل عامة الناس، تعاظمت الآمال لدى فئات  من المواطنين بأن البطالة والفقر والمديونية ستأخذ  طريقها للزوال، وساهم هذا الترويج في تهوين حجة المعارضين أحياناً أمام حاجة المواطن وعوزه وفقره.

ولم يمض وقت طويل قبل أن يكتشف الناس أن وعود المسؤولين ليست أكثر من أمنيات من جهة، أو أدوات ترويج من جهة أخرى. ودارت الأيام، وعُقدت المؤتمرات الاقتصادية في القاهرة وعمان والدوحة ولم تحدث الطفرة أو "الانتفاضة" الاقتصادية، وكانت النتائج الاقتصادية أقل من أن تساهم في إحداث هذه الطفرة، ولم تتحول إلى حالة يلمسها المواطن في مستوى معيشته، حتى وإن ساهمت في تحسين أداء الاقتصاد الأردني في بنيته.

 

محددات التعامل الأردني مع عملية التسوية

ولعل من أهم محددات التعامل الأردني مع عملية التسوية الحرص على أن تكون التسوية على المسار الفلسطيني متقدمة على المسار الأردني؛ لهذا كانت انطلاقة المسار الأردني الحقيقية بعد يوم واحد من توقيع اتفاق أوسلو. فالأردن وعبر عقود الصراع ظل يخشى تهمة الحل المنفرد، وبلد بحجم الأردن وإمكاناته ومواقفه لا يمكنه الخروج عن الموقف العربي حتى لو كانت قناعات قيادته عكسه.

وحتى بعد عقد المعاهدة الأردنية- الإسرائيلية، فإن تطورات المسار الفلسطيني ظلت تمثل شأناً أردنياً شبه داخلي، فالأردن يتأثر بحكم تركيبته السكانية وقربه الجغرافي والسياسي مع القضية الفلسطينية بكل التطورات، وكان تعميق العلاقات الأردنية- الإسرائيلية عبر التطبيع يصطدم بشكل مباشر أو غير مباشر مع ما يحدث على المسار الفلسطيني، وهذا يفسر الجهد غير العادي الذي بذلته القيادة الأردنية في أوقات الأزمات بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ سواء في اتفاق الخليل أو اتفاق واي ريفر الذي حضر توقيعه الملك الحسين، حتى وهو في حالة المرض الذي توفي منه.

ويعود هذا الموقف في أحد أبعاده الاستراتيجية إلى قناعة القيادة الأردنية بأن وجود دولة فلسطينية ذات مواصفات حقيقية تمثل مصلحة أردنية داخلية، فهذه الدولة تعني تجنب الأردن لمخاطر استمرار الصراع مثل عمليات التهجير أو طروحات الفيدرالية والكونفدرالية التي تحاول بعض الدوائر الغربية والإٍسرائيلية ترويجها باعتبارها حلاً للمشكلة الإسرائيلية، وأن الفيدرالية- الأردنية الفلسطينية ستكون إطارًا يضمن للفلسطينيين ممارسة حقوقهم السياسية والوطنية على حساب الأردن وليس على حساب إسرائيل.

وازداد هذا الموقف الأردني رسوخاً بعدما حزمت القيادة الأردنية الجديدة أمرها بدفن كل الطموحات والأحلام باستعادة الضفة الغربية تحت الحكم الأردني، وأصبح الموقف الأردني واضحاً جداً بدعم السلطة الفلسطينية لاستعادة الحقوق وإقامة الدولة الفلسطينية ليس من باب التضامن والمساندة فقط، وإنما حفاظاً على المصالح الأردنية.

 

المعاهدة تتعرض لمحنة حقيقية

المعاهدة الأردنية- الإسرائيلية في عامها السادس ستتعرض لمحنة حقيقية، فالجماهير الأردنية المنظمة في أحزاب وهيئات، أو غير المنظمة، رفعت شعار إلغاء المعاهدة وطرد السفير الإٍسرائيلي من عمان وإعادة  السفير الأردني من تل أبيب، ولم يكن هذا المطلب محلياً بل كان حاضراً في كثير من العواصم التي خرجت فيها الجماهير غاضبة من الإجرام الصهيوني تطالب بإلغاء المعاهدات التي تربط مصر والأردن مع إسرائيل.

ولم يكن الإحراج للأردن نابعاً من المطالبة الشعبية بالدرجة الأولى، بل من استمرار إسرائيل في سياساتها القمعية، وتزايد أعمال القتل والتعنت والقصف، فأمام هذه السياسة لا يمكن الدفاع عن استمرار العلاقة مع إسرائيل، ويجد المسؤولون الأردنيون أنفسهم في حرج كبير أمام المطالبات بإغلاق السفارة.

وليس سراً القول إن القمة العربية كان يمكن أن تتحول إلى عبء غير عادي على الأردن ومصر، لكن قمة شرم الشيخ- رغم عدم نجاحها بشكل كبير- والتحركات التي دارت في الكواليس، ساهمت بشكل كبير في إبعاد التركيز عن العلاقات الأردنية والمصرية مع إسرائيل باتجاه العلاقات التي نشأت بين الدول العربية التي لا ترتبط بمعاهدات مع إسرائيل، مثل: عُمان، تونس، قطر، وموريتانيا.

لكن تلاشي عبء القمة لم يكن كافياً؛ فاستمرار أعمال القمع الإسرائيلية يُبقي المطالبة بقطع العلاقات قائمة؛ لهذا فإن الأردن يعمل بكل إمكاناته لإعادة الهدوء إلى الأراضي الفلسطينية.

 

إسرائيل لا تبالي بوضع الحكومات العربية

وللإنصاف، فإن القيادة الأردنية- ورغم حرصها على استثمار علاقاتها مع إسرائيل لصالح عملية التسوية- لم تتردد في إعلان موقفها الرافض للإجراءات الإسرائيلية، وبخلاف ما كان يُروِّج البعض، فقد حرص الأردن على أن يُمثل مع مصر إسناداً قوياً وحقيقياً للسلطة الفلسطينية في قمة شرم الشيخ الأخيرة. فالقناعة أن سياسة حكومة باراك لا تعبأ إلا بمصالحها، وتمارس الخضوع للحسابات الداخلية الإٍسرائيلية على حساب عملية  السلام وعلاقاتها مع جيرانها العرب، ودون أي اعتبار للضغوط التي تتعرض لها الحكومات العربية من شعوبها.

المصادر المطلعة تتحدث عن أن القيادة الأردنية تحدثت بوضوح وصراحة مع الرئيس كلينتون وباراك، بأن استمرار الأوضاع الحالية وإدارة باراك ظهره للعقلانية لمصلحة القمع واستخدام العنف، قد يفرض على الأردن إعادة النظر بأسلوب تعامله مع العلاقة الأردنية- الإسرائيلية، وقد تخضع هذه العلاقة للتقييم ليس على قاعدة تراجع الأردن عن خيار التسوية، وإنما حفاظاً على مصالح الأردن، وعلاقة الحكومة مع مواطنيها، وعدم الاصطدام بالمسار العام للشارع الأردني.

ورغم هذا، فإن قناعة المسؤولين الأردنيين والعديد من الفعاليات التي تتبنى الموقف الرسمي أن علاقات الأردن مع إسرائيل لم تعد أمراً طارئاً يُمكن تجاوزه، فهناك سلسلة مصالح اقتصادية وسياسية للحكم في الأردن أصبحت مرتبطة بشكل كبير بالموقف الأردني من عملية التسوية ودور الأردن في دفعها.

كما أن غياب كثير من عوامل الثقة في النظام السياسي العربي تجعل أي طرف متحفظاً إزاء أي خطوة كبيرة وضارة بمصالحه تُقدم لحساب طرف أخر، ولا ننسى أن قيادة السلطة الفلسطينية تركت في أذهان قيادات دول عربية عديدة صوراً غير سليمة، وكان آخرها مباحثات قمة كامب ديفيد الثانية التي عقدت في واشنطن في شهر تموز الماضي، حيث عبر الأردن أكثر من مرة عن استيائه من عملية إخفاء المعلومات عنه من قبل أطراف القمة بما فيهم قيادة السلطة، رغم أن للأردن مصالح حيوية في قضايا الحل  النهائي.

 

مناسبة غير سعيدة

ستة أعوام على توقيع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية مناسبة غير سعيدة للمتحمسين للتسوية، فالتطبيع الرسمي أصبح محرجاً للحكومة، أما التطبيع الذي يمارسه أشخاص أو هيئات فقد أصبح "عيباً" يختبئ أصحابه منه ولا يستطيعون الدفاع عنه، وتعززت لغة وموقف المعارضين والمقاومين للتطبيع، وتعرضت محاولات إزالة العداء والترويج للإسرائيليين كشريك يصلح للتعايش إلى انتكاسة حقيقية إن لم تكن فشلاً ذريعاً، وحتى لو تحسنت الظروف السياسية واستعاد الفلسطينيون والإسرائيليون مواقعهم على طاولة المفاوضات، فإن هذا لا يعني أن عمليات التطبيع ستعود إلى سابق عهدها، وستبقى صورة القمع الصهيوني أقوى من عمليات الترويج والتسويق للتعايش والسلام.


كاتب أردني

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات