|
| صدامات بالإسكندرية بين أنصار الوطنى وأنصار الإخوان |
مع أن جماعة الإخوان المسلمين فازت (عمليًّا) في انتخابات برلمان 2005 بعد إيصالها 65% من مرشحيها إلى البرلمان، وخسرت (فعليًّا)؛ لأنها لم تستحوذ ومعها أحزاب المعارضة على ثلث المقاعد البرلمانية (151 مقعدًا) ومع أن الحزب الوطني الحاكم فاز بثلثي عدد المقاعد بعد انضمام المستقلين، وخسر (فعليًّا)؛ لأنه خرج من المعركة مفككًا وجريحًا وبأغلبيةٍ "مصنوعة"، فإن المستقبل يشير إلى أن تحديات الفوز والخسارة للطرفين ستكون أصعب.
ورغم أن تحديات فوز الإخوان هي الأكثر حساسية؛ لأنهم مطالبون بدرء الشبهات حول ملف التعايش مع الحزب الوطني، وإثبات حسن النية لدى كل من الأقباط والغرب، إضافة إلى العديد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية، إلا أن تحديات الحزب الوطني بلغت حد توارد الأنباء عن "تفكير" لدى مؤسسة الحكم في تشكيل حزب سياسي جديد (المستقبل) غير (الحزب الوطني) بعدما سقط الحزب بجدارة في الانتخابات نتيجة حالة الكراهية والغضب الشعبي من "الوطني" بسبب ما يثار عن فساد وانقسام وصراعات مصالح داخل الحزب.
تحديات الإخوان
|
|
|
مجموعة من الناخبين المصريين فى إحدى دوائر الدقهلية يسعون للوصول لمركز الاقتراع
|
ويمكن بشكل عام التركيز على أهم التحديات التي ستواجه جماعة الإخوان في عدة نقاط على النحو التالي:
(أولا: تحديات أمنية): وتتعلق بتصاعد الأصوات التي تطالب بالتصدي للظهور العلني لجماعة الإخوان بهذا الشكل، رغم أنها محظورة حكوميًّا، إضافة إلى تصاعد المخاوف الأمنية من تغيير الإخوان أساليب التعامل مع حملات الاعتقالات والقمع، وظهور نمط جديد من التحدي بإعلان هوية الجماعة، وتصعيد سياسة التظاهر. وسيكون على الإخوان هنا السعي لفتح قنوات اتصال أعلى لتنفيذ مطلبهم الخاص بنقل ملف التعامل مع الجماعة من مجرد ملف أمني إلى ملف سياسي.
(ثانيا: تحديات سياسية): وتدور حول قيام الإخوان بطمأنة القوى السياسية المتخوفة من صعودهم السياسي مثل الأقباط والليبراليين والمثقفين العلمانيين. وتعد هذه الطمأنة مسألة ضرورية مع أفول نجم الأحزاب المصرية التي لم تستحوذ إلا على 1% فقط من إجمال مقاعد البرلمان، وضرورية كذلك رغم أن الإخوان لن يكون لهم أثر مطلق في نهاية المطاف على التشريع أو إقرار القوانين داخل البرلمان خاصة ما يرتبط بتعديل الدستور الذي يتطلب موافقة ثلثي عدد نواب البرلمان. وهذا الأمر هو ما يؤكد عليه الأستاذ: ضياء رشوان الخبير بمركز الدراسات السياسية بالأهرام، ود. يحيى الجمل الفقيه الدستوري المعروف، وما يطالب به أيضا د. محمد السيد سعيد نائب رئيس مركز الدراسات السياسية بالأهرام حول ضرورة "وضع ضمانات دستورية تحول دون الانقلاب على الديمقراطية" على اعتبار أن هذا أحد المخاوف التي يجري الحديث عنها فيما يخص التيار الإسلامي.
على أي حال تبرز ملفات "الأقباط، وتفعيل التحالف الوطني المعارض، وملف التوريث" كقضايا تحتاج رسائل طمأنة من الإخوان على النحو التالي:
1- (بالنسبة للأقباط):
هو الملف الأكثر إلحاحًا أمام الإخوان الآن لا سيما أن بعض مثقفي أقباط مصر مثل د. ميلاد حنا وبعض أثرياء الأقباط أعربوا عن تخوفهم من صعود الإخوان. صحيح أن عددًا كبيرًا من المثقفين الأقباط نفوا ما قاله د. حنا عن مغادرة مصر في حالة وصول الإخوان للحكم، وقالوا إن حديث حنا كان "انفعاليا"، خاصة أن وصول الإخوان للحكم غير وارد أصلا، كما أن الحديث عن تدهور الاقتصاد والبورصة بعد فوزهم ثبت أنه غير صحيح، إلا أن حالة القلق القبطي تستوجب تطمينا أكبر من الإخوان، رغم صدور عشرات التصريحات الإخوانية التي تؤكد أن المواطنة هي هدفهم، وأن الأقباط لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ومن ذلك قول د. محمد حبيب: "نعتبرهم إخوة في المواطنة لهم كافة حقوق المواطنة، وشركاء في الوطن والقرار والمصير أيضا.. ومعيار الترشح وتولي المناصب العليا في الدولة يجب أن يعتمد على الكفاءة والقدرة بصرف النظر عن العقيدة أو الجنس، باستثناء منصب رئيس الجمهورية الذي يحدده الدستور".
ولا يزال مثقفو الأقباط يريدون مزيدًا من الطمأنة، فالكاتب سمير مرقص يرى القضية ليست كلامًا، وإنما طرح رؤى وتصورات من الإخوان حول مختلف القضايا ومنها الأقباط بشكل لا يقبل الالتباس. وتطالب د. منى مكرم عبيد التي أشادت بعدم ترشيح الإخوان أيًّا منهم في دائرتها أنهم مطالبون بمزيد من الرسائل التطمينية على رأسها تغيير شعار "الإسلام هو الحل" إلى "الديمقراطية هي الحل".
2- (بالنسبة لملف التحالف المعارض): ثمة مخاوف من جانب تحالف أحزاب المعارضة والقوى السياسية في "التجمع الوطني من أجل التغيير" أن يسعى الإخوان للتحرك مستقبلا منفردين، خاصة بعد الفوز الكبير للإخوان والانهيار غير المتوقع لأحزاب المعارضة خاصة حزب التجمع اليساري.
وقد طرحت في هذا الصدد فكرة تشكيل "هيئة برلمانية مشتركة" للتجمع مع الإخوان داخل البرلمان، أيدها الإخوان وقال د. حبيب ود. عصام العريان: إن الإخوان يؤيدونها، ويبدو أن غالبية أطراف التحالف المعارض -باستثناء حزب التجمع- يوافقون على هذه الفكرة.
وهنا إما أن يسعى الإخوان لاستكمال التحرك منفردين في البرلمان والحياة السياسية ومن ثم تحمل الضربات الأمنية والسياسية وحدهم، أو السعي لتعضيد هذا التجمع المعارض والاستفادة منه في تفعيل القوى المعارضة بحيث تبدو مطالب الإصلاح موحدة للمعارضة، كما تزداد أهمية هذا التنسيق المستقبلي في ضوء التوجه الرسمي لتغيير قانون الانتخابات إلى القوائم الحزبية بهدف التضييق على الإخوان الذي يتردد عزمهم على المشاركة في انتخابات البلديات ومجلس الشورى أيضا، ومن شأن هذا التنسيق أن يدفع باتجاه نزول هذه القوى في قائمة انتخابية موحدة بعدما أثبت الإخوان جدارتهم في الشارع المصري.
3- (بالنسبة للتوريث): يبدو الأمر أكثر تحديًّا للجماعة على اعتبار أنها رفضت التوريث قبل إقرار المادة 76 من الدستور، ثم قبلته بشكل غير مباشر لو جاء بالانتخاب. وهنا تتخوف قوى المعارضة من صفقات بين الإخوان والحكومة يكون عمادها هذا الملف تحديدًا مقابل التهدئة معها خصوصًا أن حديث الإخوان عن رفض "التوريث عن طريق الاستفتاء" يختلف عن قبول التوريث على طريقة الانتخاب.
وقد رد الدكتور عصام العريان القيادي البارز بالجماعة على سؤال لإسلام أون لاين.نت حول موقف الإخوان مما يتردد عن توريث الحكم في مصر، قائلا: "نحن ضد التوريث، وسنسعى إلى تعديل المادة 76 من الدستور ليصبح من حق كل مصري الترشح لرئاسة الجمهورية عبر جمع توقيعات المواطنين".
4- (ثالثا: تحديات اقتصادية): طرح بعض المثقفين الليبراليين واليساريين تساؤلات بعد فوز الإخوان عن كيفية تعاملهم مع ملف الاقتصاد، وبالتحديد فوائد البنوك، وأثيرت شبهات حول احتمالات هرب رأس المال القبطي خارج مصر، وتأثر البورصة خاصة بعد أنباء - نفاها نجيب ساويرس أحد أغنى أغنياء العالم وفق مجلة "فوربس" المالية - عن تأثر التعاملات بها.
وقد نفى ساويرس ومستثمرون أجانب لوكالة رويتر المخاوف بشأن المكاسب الانتخابية التي حققها "الإسلاميون" في مصر، وقال ساويرس إن ذلك "لن يؤثر ذلك على البورصة أو على الذين يقيمون أعمالا أو استثمارات في مصر... لأن الإسلام كدين يتعارض مع ملكية الحكومة، ويدعو للتجارة والأعمال والمشروعات الحرة"، وقال رجال أعمال ومسئولون عن مؤسسات استثمارية إنه حتى إذا زاد نفوذ جماعة الإخوان المسلمين، فإن هذا سيكون لصالح تعزيز القطاع الخاص وسياسات التحرر الاقتصادي.
ومع هذا استمر طرح التساؤلات والشبهات حول مسألة فوائد البنوك تحديدًا، وعدم وجود برنامج اقتصادي لدى الإخوان أو خبرة في هذا المجال، وهو ما يرد عليه د. محمد حبيب نائب مرشد الإخوان بقوله: "الدول المستقرة التي تطبق الديمقراطية هي التي يتمتع فيها الاقتصاد والأمن بالاستقرار وليس العكس، والبورصة المصرية شهدت حالة انتعاش بسبب دخول 210 آلاف مشترك لأول مرة بعد طرح أسهم المصرية للاتصالات، وما يتعلق بالحلال والحرام ليس قاصرًا على وجهة نظر الإخوان، ولكنه سيتم وفق المتعارف عليه فقهيا وبدراسات اللجان الاقتصادية".
تحديات الحزب الوطني
إذا كانت جماعة الإخوان ستواجه بتحدي كيفية التعامل مع حكومة الحزب الوطني الحاكم خلال الدورة البرلمانية القادمة، فالحزب الوطني سيواجه نفس التحدي فيما يخص تعامله مع الجماعة والمعارضة عمومًا، فضلا عن خلافاته الداخلية والصراع بين الحرس الجديد والقديم، والسعي لترميم سمعة الحزب التي أدت لعزوف الناخبين عنه.
ويمكن تلخيص أبرز هذه التحديات فيما يلي:
1- (التعامل مع الإخوان): لن يكون هذا التحدي يسيرًا؛ نظرًا لوجود عدد كبير من نواب الإخوان في البرلمان من جهة، ولأن الجماعة من جهتها حددت جدول أعمال ساخنا لنوابها على رأسه ـكما قال مهدي عاكف مرشد الإخوان- تغيير الدستور وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية وتغيير قوانين الحياة السياسية.
صحيح أن نسبة الثلث والثلثين توجب اطمئنان "الوطني"؛ لأنها تعطي له وحده سلطة تعديل الدستور والقوانين وفق برنامج الحزب الذي وضعه لانتخاب الرئيس مبارك، ولكن قدرة الإخوان -وفق المادة 186 من الدستور- على التقدم بطلب لتعديل الدستور، وقدرتهم -وفق المادة 108 من الدستور- على "محاولة" تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، سوف تثير ضجة إعلامية كبيرة، وتفتح هذه الملفات للنقاش على نطاق واسع داخليا وخارجيا بشكل يمثل ضغطًا علي حكومة الحزب الوطني.
2- (الصراع الداخلي): قبل انتخابات 2005 كان الحديث عن صراع الحرس الجديد والقديم داخل الحزب أمرًا عاديًّا، لكن عقب نتائج الانتخابات التي كشفت فوز مرشحي الوطني فقط -بدون المستقلين- بنسبة 35% من المرشحين الحقيقيين، أصبح هذا حديث الساعة ومثار صراعات مكشوفة، ليس فقط لأن رموز كلا الطرفين سقطت في الانتخابات، ولكن لأن كل طرف سعى لتحميل الآخر مسئولية الخسارة.
وخطورة هذا الصراع الداخلي أنه وصل لمرحلة الحديث -صحيفة روز اليوسف الحكومية- عن طرح فكرة حزب حكومي جديد يسمي (المستقبل) من جانب الرئيس مبارك وابنه جمال، والتي لوحظ أن نفيها جاء على لسان قادة الحزب من الحرس القديم، ولم ينفها "الجديد"، كما أنها فكرة متداولة نفذها الرئيس الراحل عبد الناصر بالانتقال من "الاتحاد القومي" إلى "الاتحاد الاشتراكي"، ونفذها الرئيس السادات بالانتقال من "حزب مصر" إلى "الحزب الوطني الديمقراطي".
3- (تحدي المستقلين):جرت العادة في سنوات الانتخابات السابقة أن يتم ضم المستقلين -خاصة المنشقين عن الوطني- بصورة عادية بعد الانتخابات، وكانوا يهرولون هم للانضمام، ولكن هذا العام ظهرت مشكلة رفض عدد كبير منهم الانخراط في الوطني ربما كان أبرزهم هشام مصطفى خليل ابن نائب رئيس الحزب الوطني مصطفى خليل، وجمالات رافع، ليس فقط لأن قادة الحزب وجهوا لهم نقدًا شديدًا خلال الانتخابات وتعهدوا بإسقاطهم، وإنما أيضا لإدراكهم أن "واجهة" الحزب أصبحت مكروهة لدى الناخب والأفضل لهم البقاء خارج الحزب.
ومع أن غالبية هؤلاء انضموا (أو في طريقهم)، لحاجتهم بدورهم لتنفيذ خدمات لأبناء دوائرهم من خلال الحكومة، فقد يشكلون تحديا مستقبليا في حالة عدم موافقتهم علي بعض المشاريع الحكومية والانضمام إلى المعارضة في رفضها، وهنا منبع خطورتهم الحقيقية خاصة أن هذه الظاهرة برزت في البرلمان الأخير بصورة مصغرة وربما تزيد في برلمان 2005.
(تحدي أحزاب المعارضة): ويدور هذا التحدي حول قدرة الحزب الوطني على منافسة الإخوان في اجتذاب المعارضة لصفه كما كان يجري في السابق.. فأحد أسباب هزيمة رموز وقيادات أحزاب المعارضة التي أكدها المحللون هي معاقبة الناخبين لهم؛ لأنهم ظهروا بمظهر المساند لفساد وقمع الحكومة للحريات وحقوق الإنسان منذ دخولهم (حوار الأحزاب) مع الحزب الحاكم، ورفضهم ضم الإخوان لهم. وفي ظل سعي كافة قوى المعارضة لتفعيل التجمع المعارض داخل البرلمان وتشكيل هيئة برلمانية مشتركة، فسوف يصعب هذا من مهمة الوطني في إعادة جذب المعارضة إليه مرة أخرى بغرض تهميش قوة الإخوان، وربما الترتيب لضربات مستقبلية لهم لوقف هذا التقدم السياسي بدعوى أنها جماعة محظورة، وربما يكون قانون الانتخابات الجديد الذي يسعى لقوائم نسبية للأحزاب ترفع تمثيلها في البرلمان أحد هذه الرشاوى السياسية التي يلعب عليها الحزب الوطني.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|