English

 

الثلاثاء. مارس. 14, 2006

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » الخليج العربي

 
أهم الأخبار  

حقوق الإنسان في الخليج.. خطوات وتحديات

أشرف محمد كشك

من فاعليات المؤتمر الثاني لمؤسسات حقوق الإنسان بالدوحة 6 ـ 8 مارس 2006
من فاعليات المؤتمر الثاني لمؤسسات حقوق الإنسان بالدوحة 6 ـ 8 مارس 2006
كغيرها من الدول حرصت دول مجلس التعاون الخليجي منذ استقلالها على تضمين قضية حقوق الإنسان في دساتيرها الوطنية، وأنشأت العديد من الآليات التي تسهم في تعزيز وصيانة تلك الحقوق. وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الدول لا تزال هدفًا للتقارير السنوية لبعض المنظمات الحقوقية الدولية، فضلاً عن تقارير وزارة الخارجية الأمريكية السنوية بشأن حقوق الإنسان في العالم؛ الأمر الذي يتطلب التعرف على تجربة الدول الخليجية الست في مجال حقوق الإنسان وما يواجهها من تحديات.

ترى الدول الخليجية أن هناك ثوابت بشأن قضية حقوق الإنسان، فمع التسليم بالاهتمام العالمي بقضية حقوق الإنسان إلى قدر استخدامها كذريعة للتدخل في الشئون الداخلية لبعض الدول، إلا أن ذلك لا ينفي الخصوصية الحضارية لتلك الحقوق، خاصة أن فكرة الخصوصية معترف في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 وغيره من المواثيق الأخرى؛ وهو ما يؤكد عليه المسئولون الخليجيون دومًا من أنه لا يمكن البحث في موضوع حقوق الإنسان بمعزل عن الثقافات المتعلقة بالشعوب المختلفة، وهي رؤية الدول الخليجية لعملية الإصلاح ذاتها التي تعد قضية حقوق الإنسان جزءا أساسيا منها.

وثانيا: ترفض دول الخليج مخالفة ثوابت البيئة الدينية والاجتماعية النابعة من الدين والتقاليد والمورثات الحضارية التي تشكل الهوية وتتصل اتصالاً وثيقًا بقضية الاستقرار والسلم الاجتماعي، وترى أنه من غير الملائم أن تنصب حضارة معينة نفسها حكمًا على سائر الحضارات الإنسانية الأخرى وتطالبها بشهادات حسن سلوك وفقًا لمعاييرها الخاصة.

وثالثا: لا بد من أخذ طبيعة تركيبتها السكانية موضع اعتبار، فهي تضم أعدادًا هائلة من العمالة الوافدة، التي لها عادات وسلوكيات تختلف عن سكان الدول الخليجية الست، فضلاً عن طبيعة تلك الأنظمة وخصوصيتها باعتبارها أنظمة ملكية حديثة الاستقلال.

خطوات خليجية متعددة

وفي ضوء تلك الخصوصية والثوابت التي أعلنتها دول المجلس اتخذت العديد من الإجراءات التي من شأنها أن تسهم في تعزيز حقوق الإنسان، يمكن الإشارة إليها كما يلي:

1- التركيز على البعد المؤسسي من خلال إنشاء اللجان والجمعيات التي تعنى بتلك القضية؛ حيث أصبحت جزءًا من أجهزة الحكومة ولها شرعية قانونية ودستورية. ففي الكويت أصدر وزير الشئون الاجتماعية والعمل قرارًا وزاريا رقم 99 لعام 2005 بشأن إشهار الجمعية الكويتية لمقومات حقوق الإنسان لتكون بذلك الجمعية الثانية من نوعها بعد إشهار الأولى عام 2004، فضلاً عن وجود لجنة لحقوق الإنسان ضمن لجان مجلس الأمة الكويتي، بالإضافة إلى تشكيل لجنة برئاسة وزير العدل لدراسة تقارير حقوق الإنسان الصادرة عن الهيئات والمنظمات الدولية، كما قامت الحكومة الكويتية بتخصيص بعض الأراضي لبناء الكنائس الخاصة بأصحاب الديانة المسيحية، وهو القرار الذي أشادت به لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان في الكويت.

وفي الإمارات أشهرت وزارة الشئون الاجتماعية جمعية الإمارات لحقوق الإنسان كجمعية نفع عام (22-2-2006) يكون مقرها إمارة أبو ظبي، وتستهدف وفقًا لما ورد في ميثاقها الأساسي نشر الوعي بين الأفراد وتوضيح حقوقهم وواجباتهم تجاه المجتمع والدولة.

وفي البحرين أعُلنت الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان رسميا في فبراير 2001 ضمن الإصلاحات التي اتخذتها الحكومة البحرينية في هذا الشأن.

أما في المملكة العربية السعودية، فقد وافق مجلس الوزراء السعودي في 12-9-2005 على إنشاء هيئة حكومية سعودية لحقوق الإنسان تكون مهمتها إصدار تقارير دورية عن مستوى تطبيق حقوق الإنسان ورصد المخالفات، بالإضافة إلى وجود جمعية وطنية لحقوق الإنسان في المملكة، وقد عقدت أول اجتماع لها في فبراير 2004، وجاء في بيان تأسيسها أنها "تأتي بهدف العمل على حماية حقوق الإنسان وفقًا لنظام الحكم الأساسي وما ورد في الإعلانات والمواثيق الخاصة بحقوق الإنسان الصادرة عن المنظمات الدولية والإقليمية، وبما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية".

وفي قطر تم تشكيل لجنة لحقوق الإنسان في 11 نوفمبر 2002، وتتألف من 8 مسئولين يمثلون الوزارات القطرية، إضافة إلى خمسة ناشطين في مجال حقوق الإنسان بينهم جامعيون، وقد تم تحديد هدف اللجنة في تحقيق الأهداف الواردة في الاتفاقيات والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان التي وافقت عليها قطر، ولتقديم المشورة للجهات المعنية في الدولة في المسائل المرتبطة بتلك الحقوق.

2- التصديق على غالبية المواثيق الخاصة بحقوق الإنسان، فقد صادقت السعودية على اتفاقية منع جميع أشكال التمييز ضد المرأة 1979، ومعاهدة الطفل 1989. أما الكويت ففضلاً عن انضمامها لكافة المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، فإنها شكلت لجنة برئاسة وزير العدل لدراسة تقارير حقوق الإنسان الصادرة عن الهيئات والمنظمات الدولية، وتعد الإمارات من الدول الملتزمة سنويا بتقديم تقرير سنوي لاجتماعات الاتفاقية الدولية المتعلقة بإزالة جميع أنواع التمييز العنصري، أما سلطنة عُمان فتؤكد دومًا على التزاماتها بكافة مواثيق حقوق الإنسان الدولية، وهذا ما عكسه بيان السلطنة الذي ألقاه أحد أعضاء الوفد العُماني المشارك في الدورة الستين للجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة.

3ـ تنظيم الدول الخليجية الست المؤتمرات التي تتناول قضية حقوق الإنسان؛ وهو ما يؤكد على الرغبة في تعزيز هذه الحقوق، ومن ذلك استضافة قطر مؤخرًا المؤتمر الإقليمي لمؤسسات حقوق الإنسان في الدول العربية، شاركت فيه 21 دولة، وقد دعا هذا المؤتمر الرؤساء العرب إلى إجراء إصلاحات دستورية فعّالة للنهوض بقضايا الإصلاح السياسي والاجتماعي، وحماية الحقوق الأساسية للإنسان، وتفعيل سيادة القانون..." كذلك استضافت بقية الدول الخليجية مؤتمرات مماثلة.

4ـ سعي الدول الخليجية الست لتضمين حقوق الإنسان ضمن المناهج التعليمية لنشر ما يسمى بـ"ثقافة حقوق الإنسان"، ومن ذلك تشكيل قطر لجنة تنفيذية مسئولة عن تنفيذ خطط وبرامج مشروع نشر ثقافة اتفاقية حقوق الطفل بالمدارس.

إيلاء قضية المرأة اهتماما خاصا نتيجة عدة متغيرات: أولها كون تلك القضية جزءا من الحوار العالمي منذ عدة سنوات، وبروز قضايا عديدة للمرأة مثل التنمية والمرأة والبيئة، والمرأة والمشاركة السياسية، وثانيها: ازدياد نسب التعليم في دول الخليج وبخاصة بين النساء، وثالثها: الانفتاح الإعلامي الخليجي وتناوله لكافـة قضايا المرأة بجرأة شديدة غير معهودة عن ذي قبل. وانطلاقًا مما سبق شاركت المرأة بفاعلية في كافة الانتخابات التي أُجريت في الدول الخليجية سواء كانت تشريعية أو بلدية، وتقلدت مناصب عديدة ابتداءً برئاسة الجامعة والاتحادات المختلفة وانتهاءً بمنصبي السفيرة والوزيرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن كافة الدساتير أو النظم الأساسية الخليجية قد نصت على المساواة بين جميع المواطنين بشأن الحقوق والواجبات؛ ففي قطر تؤكد المادتان 34 و35 من الباب الثالث من الدستور على أن "الناس متساوون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين"، وفي الإمارات تقضي المادة 35 من الدستور الإماراتي على أن "باب الوظائف العامة مفتوح لجميع المواطنين على أساس المساواة بينهم في الظروف ووفقًا لأحكام القانون".

وفي سلطنة عُمان ينص النظام الأساسي في المادة 17 على أن "المواطنين جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة"، أما في دولة الكويت فتنص المادة 29 من الباب الثالث من الدستور على أن "الناس سواسية في الكرامة الإنسانية ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين". وينص الدستور البحريني صراحة على المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين، وفي السعودية تنص المادة 26 من الباب الخامس الخاص بالحقوق والواجبات من النظام الأساسي على أن "تحمي الدولة حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية".

تحديات قائمة

ورغم تلك الإجراءات، فإن هناك عدة تحديات ما زالت تواجه قضية حقوق الإنسان في الدول الخليجية، منها على سبيل المثال لا الحصر:

أولها: إن دول الخليج الست تعاني من خلل في تركيبتها السكانية؛ حيث توجد أعداد هائلة من العمالة الآسيوية للعمل في مختلف القطاعات، وتثار النزاعات بين تلك العمالة وأصحاب الأعمال؛ الأمر الذي يترتب عليه بعض التجاوزات؛ وهو ما أشار إليه تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2005 بعنوان "الاتجار بالبشر"؛ إذ أكد على أن ضحايا الاتجار بالبشر على مستوى العالم حوالي 12 مليون شخص، ويصنف الدول في ثلاث فئات بحسب درجة الجهود المبذولة من الدولة المعنية لمحاربة تلك التجارة، وهناك 14 دولة تأتي في الفئة الثالثة منها 4 دول خليجية، الأمر الذي يتطلب من دول مجلس التعاون الخليجي إيجاد إستراتيجية خليجية موحدة تنظم استقدام هؤلاء الوافدين من ناحية، وتكفل لهم حقوقهم المنصوص عليها دوليا في الوثيقة التي أعدتها منظمة العمل الدولية وأقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1990؛ حيث تتضمن إعطاء العمال المهاجرين حقوقًا أقرب إلى الحقوق السياسية، فضلاً عن حقوق أطفال هؤلاء المهاجرين في الحصول على جنسية الدول التي يولدون على أراضيها، بالإضافة إلى حق العمال المهاجرين في تكوين الجمعيات والنقابات التي يقيمون فيها للدفاع عن حقوقهم.

وثاني هذه التحديات: هو غياب البعد الشعبي؛ لأن إنشاء اللجان المعنية بحقوق الإنسان جاء بمبادرة حكومية -مع الأخذ في الاعتبار وجود لجان شعبية- وبالتالي الأصل في تلك اللجان هو مراقبة أفعال السلطة التنفيذية باعتبارها منظمات مجتمع مدني، ومن هنا فإن اللجان الحكومية قد تنتفي عنها صفة الحيادية والموضوعية وبخاصة إذا كان رئيسها وأعضاؤها هم من أفراد السلطة التنفيذية ذاتها.

أما التحدي الثالث فيكمن في بعض مشكلات "الجنسية" التي تشهدها بعض الدول الخليجية، وهي تعد من الحقوق الأساسية للإنسان. وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى مثالين: الأول قضية البدون "عديمي الجنسية" في الكويت؛ حيث يتجاوز عددهم 120 ألفا، ورغم وضع الحكومة الكويتية خطة لتجنيس من يستحق منهم، فإن بطء الخطوات في هذا الشأن قد جعلهم بندًا ثابتًا في تقارير المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان. والجدير بالذكر أن هؤلاء محرمون من الحقوق الأصلية للمواطنين، وقد جاء في التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان في العالم: "لا تزال هناك مشاكل جدية في سجل الكويت من بينها الوضع القانوني المعلق للبدون؛ حيث إنه منذ منتصف الثمانينيات تمارس الحكومة الكويتية التمييز ضد البدون في مجالات التعليم والتوظيف والرعاية الصحية وحرية التحرك". والمثال الثاني: قيام الحكومة القطرية بسحب جنسية حوالي 5000 فرد، وعممت وزارة الداخلية لائحة بأسمائهم على الوزارات الحكومية؛ وذلك لاتهامهم بتدبير إحدى المحاولات الانقلابية، ويتعارض هذا الإجراء مع ما نص عليه الدستور القطري.

التحدي الرابع: هو وجود بعض العقوبات التي تتضمنها قوانين الصحافة في بعض الدول الخليجية؛ وهو الأمر الذي يتعارض وحرية الرأي والتعبير كحق أساسي من حقوق الإنسان؛ حيث ازدادت أهمية هذا الحق في ظل ثورة الاتصالات الهائلة التي يشهدها العالم.

وأخيرا: فإنه لم نشهد حتى الآن انطلاق أحزاب سياسية بدول الخليج رغم التطور السياسي الملحوظ، ووجود مطالبات عديدة في هذا الشأن. وبالتالي يعد تأخر إعلان الأحزاب انتقاصًا من حق المشاركة السياسية باعتباره أحد أهم الحقوق السياسية المنصوص عليها في الدساتير والنظم الأساسية لتلك الدول.


باحث متخصص في القضايا الخليجية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات