English

 

الأحد. أبريل. 23, 2006

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » الخليج العربي

 
أهم الأخبار  

حتى لا تتحول عمالة الخليج لمشكلة سياسية *

سيمون هندرسون

ترجمة - شيرين حامد فهمي

سيمون هندرسون
سيمون هندرسون
أوضاع العمالة الأجنبية بدول الخليج لا تزال تمثل مشكلة تبحث عن حل ملائم يوازن بين حقوق هؤلاء العمال وفاعلية الدولة الخليجية؛ حتى لا يكون مثل هذا الوضع حجة للتدخل من الولايات المتحدة تحت ذرائع إنسانية، أو حجة بعد ذلك لتدخل من الدول الأصلية لهؤلاء العمال. ومن الواضح أن ثمة تركيزا أمريكيا على هذه المشكلة، وهو ما يتضح عبر سرد هذا المقال الذي نشر على موقع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.

في 21 و22 مارس 2006، قام حوالي 3 آلاف عامل بالتظاهر في إمارة "دبي"، معلنين غضبهم ضد أوضاعهم المعيشية المتدهورة، وأجورهم المتدنية. إنه لأمر مثير حقا، أن تقوم مثل هذه المظاهرة في مكان يشهد بناء أعلى مبنى في العالم (برج دبي). لقد قام المتظاهرون بإتلاف سيارات المصانع التي يعملون بها، ثم قاموا بتحطيم نوافذ المكاتب؛ وخرجوا معلنين مطالبهم بمنتهى الجرأة، وهو أمر يعكس في مجمله الأوضاع المخزية التي بات يعيشها العمال الأجانب ليس في "دبي" وحدها، بل في معظم دول الخليج العربي.

دبي عبر نصف قرن

منذ 50 عاما، كانت "دبي" بلدة تقليدية، لا يزيد عدد سكانها عن 20 ألفا؛ يعيشون على التجارة مع إيران عبر المراكب الخشبية.

أما الآن، فقد تحولت تلك البلدة التقليدية إلى مدينة مركزية في العالم؛ يقطنها حوالي مليون ونصف من السكان الذين ينتمي معظمهم إلى جنسيات غير إماراتية. فامتلأت شوارعها بأبراج ناطحة السحاب التي صُنعت واجهاتها الأمامية من الزجاج، والتي أُسست لكي تكون مكاتب للشركات والبنوك العالمية الكبرى، من أجل ضخ أعمال البيزنس في شتى بقاع المنطقة. بل وأضحت "دبي" من أكبر المزارات السياحية في العالم؛ حيث يرتادها السياح من أوربا وجنوب آسيا، ملتمسين فيها الشواطئ الساحرة، والمشتريات المختلفة والرخيصة في آن واحد. وأضحى فندق "برج العرب" -بفخامته المفرطة- هو أيقونة المدينة-الدولة.

ويعتبر دور الشيخ "محمد بن راشد المكتوم" في الإمارة دورا محوريا ورئيسيا؛ فهو بمثابة الرئة التي ساعدت "دبي" على التنفس، ومن ثم على تحقيق مزيد من النماء. فـ"دبي" وحدها لا تملك من النفط سوى القليل جدا؛ ويكفي القول إن احتياطي النفط الإماراتي -حوالي 10% من احتياطي العالم- يرتكز في إمارة "أبو ظبي". وإذا كانت الأخيرة قد اعتمدت على النفط، فإن "دبي" قد شقت طريقها في التجارة؛ نظرا لموقعها التجاري المتميز ومهاراتها التجارية المتميزة. وإن الخطوط الجوية الإماراتية لهي أكبر دليل على ذلك؛ إذ شهدت تطورا ملحوظا في الآونة الأخيرة، جعلها تحظى بسمعة دولية في مقاييس الخدمة، كي تكون مركزا رئيسيا للنقل الجوي الدولي.

أما "برج دبي" فيعتبر محطة النماء القادمة؛ إذ سيصبح -بعد اكتمال بنائه في عام 2008- أعلى برج في العالم. فعلى الرغم من عدم كشف علوه الحقيقي حتى الآن فإنه من المعتقد أن تصل درجة علوه أكثر من 2300 قدم؛ أي أعلى من "برج الحرية" (1776 قدما) والجاري إنشاؤه في "نيويورك" ليكون بديلا عن برجي التجارة العالمية اللذين تم تفجيرهما في 11 سبتمبر 2001.

عمال الخليج: شكرا على التجاهل!

لقد حدثت المظاهرة المذكورة عند "برج دبي" -في موقع البناء- حيث قام العمال بالاحتجاج على أجورهم الزهيدة: أربعة دولارات يومية العامل؛ و7.60 دولارات يومية العامل المتميز. كذلك كان احتجاجهم على ما يُحذف من أجورهم؛ بسبب قيامهم إلى الصلاة أو إلى دورات المياه. وأخيرا، كان احتجاجهم على قلة ماكينات إدخال بطاقة العمل (9 ماكينات على 3000 عامل)، إذ يتعطل العمال في إدخال بطاقات القدوم في الماكينات المعنية؛ وهو ما يؤدي إلى وجود خصومات في الأجر بدون وجه حق. هذا إضافة إلى كونهم ينقلون يوميا من وإلى مواقع عملهم على حسابهم الخاص؛ الأمر الذي يجعل الأجور في نهاية الشهر تبدو قريبة إلى الصفر.

هذه الظروف، على الرغم من ضراوتها وقسوتها، ليست مفاجئة؛ وذلك لأن معظم تفاصيلها تُنشر سنويا في "تقارير ممارسات حقوق الإنسان" التي تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية. ففي العدد الأخير الصادر في 8 مارس 2005 تم تناول حقوق العمال في الإمارات العربية المتحدة بالتفصيل. وتبعا للتقرير، يشكل عدد العمال الأجانب غير الإماراتيين حوالي 98% من القوة العاملة في القطاع الخاص. ويشير التقرير إلى عدم مراعاة ساعات العمل؛ فبينما تنص قوانين العمل على أن مقياس الساعات اليومية يجب ألا يتعدى ثماني ساعات، وأن مقياس أيام العمل يجب ألا يتعدى ستة أيام أسبوعيا، "فإن هذه المقاييس لا تُطبق".

ويمضي التقرير قائلا: "إن الحكومة لا تضع حدا أدنى للأجر، أو حتى خطوطا عريضة للحد الأدنى". فالعمال الزراعيون يتعاطون أجورا لا تتعدى 109 دولارات في الشهر؛ وعمال البناء يتعاطون أجورا لا تتعدى 164 دولارا في الشهر. هذا فضلا عن الأحوال المعيشية القاحلة التي يتواجد فيها هؤلاء العمال. "فالعمال قليلو المهارات يعيشون دوما في ظروف دون المقاييس المتعارف عليها للحياة الكريمة؛ فالمساكن مزدحمة إلى أقصى حد؛ و"معسكرات العمل" مكدسة بالأمراض والحياة غير الآمنة؛ فلا كهرباء، ولا مياه صالحة للشرب.

ويُكمل التقرير موضحا استفحال المأساة، ولا سيما في عدم وجود اتحادات عمالية تمثل هؤلاء العمال. فعلى الرغم من أن قانون العمل الإماراتي (1980) لا يُحرم العمال من تشكيل اتحاد عمال، فإنه لم يتواجد -حتى هذه اللحظة- أية بادرة لأي اتحاد. وحتى إذا ما تواجدت مثل هذه الاتحادات العمالية، فإنها ستكون "عُرضة للقيود العامة التي تتعلق بحق الرابطة"، كما يُدلي التقرير على لسان وزارة الخارجية الأمريكية. ومن ثم، فإنه ليس من العجيب أن يتم إيقاف دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1995 عن المشاركة في "برامج التأمين الأمريكية لشركات الاستثمار الخاصة عبر البحار" OPIC؛ بسبب عدم توافق الدولة الإماراتية مع المقاييس الدولية لحقوق العمال.

القصص المأساوية لعمال الخليج لا تقتصر فقط على الإمارات العربية المتحدة، بل تمتد إلى بقية دول الخليج العربي؛ من الكويت إلى السعودية إلى البحرين إلى قطر إلى عمان. ويستخدم تقرير وزارة الخارجية الأمريكية تعبيرات عدة لوصف حالة كل دولة. فهو يستخدم "فقر مستحكم" في السعودية؛ ويستخدم "بقاء الإشكاليات الرئيسية، وبروز إشكاليات جديدة" في قطر؛ ويستخدم "بقاء الإشكاليات الرئيسية" في الكويت. ولا شك، أن إقناع هذه الدول بتحسين ظروف العمال ليس بالأمر السهل؛ بل إنه سيأخذ وقتا طويلا من الإدارة الأمريكية. والسبب في ذلك هو اعتماد هذه الدول -بشدة- على العمالة الأجنبية القادمة من الخارج. فهي عمالة تشكل جزءا ضخما وكبيرا جدا من سكان أي دولة خليجية: من 20% في عُمان إلى 75% في قطر.

وعلى الرغم من أن مسلمي جنوب آسيا -خاصة الباكستانيين- يشكلون السواد الأعظم من العمال في كثير من دول الخليج، فإن العمالة يتم اختيارها غالبا من الفئة غير المسلمة؛ الأمر الذي يجعلها لا تحظى بقدر كبير من التأثير سياسيا. ولعل فيلم "سيريانا" كان خير دليل وخير شاهد على ما يعكسه الوضع الراهن للعمالة الأجنبية في الخليج؛ حيث دارت قصة الفيلم حول قيام مجموعة من العمال الأجانب الغاضبين بتخطيط هجوم إرهابي. وقد فطن ملوك وأمراء الخليج إلى مثل هذه الأخطار الممكنة، حتى قبيل عرض هذا الفيلم؛ إلا أنهم لم يُقدموا على أية خطوات إيجابية.

إن احتجاجات العمال في دول الخليج لا تُعد ولا تُحصى؛ فقد أضحت أمرا عاديا. في أثناء العام الماضي امتلأت شوارع "دُبي" بالاحتجاجات العُمالية، وإن كانت على مستوى أقل مما شُهد مؤخرا. وفي خلال الشهور الأخيرة سجلت كل من قطر وعُمان نفس الاحتجاجات. وفي إبريل 2005 اجتاح البنجلاديشيون سفارتهم في الكويت، معلنين غضبهم السافر على أحوالهم المعيشية والعملية، واصفين إياها بحياة العبيد. إلا أنه بالرغم من كل ذلك فإنها لا تُغطى بالمستوى اللائق والمناسب إعلاميا.

كل ما يهم السلطات في "دبي" هو إنهاء "الهرج" الذي أحدثه العمال مؤخرا. وقد تم بالفعل إعادة العمال إلى أشغالهم في 23 مارس 2006؛ أي بعد يومين من اندلاع المظاهرة. وانتهى الأمر بقيام أحد المسئولين بوصف مطالب العمال بأنها "بسيطة"؛ وكذلك بمحاولة وزارة العمل المحلي البت في المشكلة، وإصلاح ذات البين. إلا أنه في نفس الوقت، قام مسئول آخر -لم يذكر اسمه- بالتنبيه قائلا: إنه إذا لجأ العمال إلى العنف ثانية، فإن الترحيل سيكون هو النتيجة الحتمية.

من هنا يمثل الاضطراب في "دبي" مثلا مهما للولايات المتحدة، لكي تتعلم كيف تواجه تلك الدول التي تتجاهل حقوق عمالها. ولعل الاحتجاجات الأخيرة تكون بمثابة المفاجأة لأمير "دبي" (الشيخ محمد)، ومن ثم تصير تحفيزا له على إعادة التفكير في بعض سياساته. ومن المهم ومن المجدي للمسئولين الأمريكيين أن يستخلصوا الدروس المستوحاة من تلك الاحتجاجات الأخيرة.


باحث متخصص في دراسات الخليج والطاقة بـ"واشنطن إنستيتوت"، ومؤلف كتاب The New Pillar: Conservative Arab Gulf States and U.S. Strategy

*مقال نشر على موقع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى يوم 27 مارس 2006 تحت عنوان High Rises and Low Wages: Expatriate Labor in Gulf Arab States.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات