|
| الصوت الإسلامي يسقط في النهاية صريع الخلافات |
انتهت محاولات التوفيق بين مختلف التشكيلات السياسية الإسلامية إلى إخفاق كبير، أدى إلى تشرذم الصوت الإسلامي، فيما لم يتم أي تقارب إلا في إطار مد جسور ظرفية، تستنفد أغراضها بمجرد ظهور بوادر أخرى للتنافس والاختلاف، خصوصا في المواعيد الحاسمة. وربما كانت تلك المناسبات فسحة للتراشق في بعض الأحيان؛ مما ترك مجال البحث عن توافق (تقارب أو ائتلاف) بمثابة حلم غير قابل للتحقيق. لكن في البدء ينبغي العودة إلى أصل الإشكال الذي يرتد إلى عوامل نفسية أكثر منها فكرية؛ وربما كانت الأفكار على تباينها لا تمثل سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد؛ مما خلفته الترسبات السابقة التي تعود إلى ما قبل التعددية.
خلافات على مستويات متعددة
كان الخلاف الكامن في أوساط التيار الإسلامي فيما قبل التعددية خلافا يتداول في أوساط محدودة؛ هي الأقرب إلى كنه التنظيمات التي كانت تنشط في السرية؛ ولم يتسن لها الإعلان عن نفسها بشكل رسمي. وبالرغم من أن تيارات الجزأرة والإخوان والسلفية على تباينها قادرة على إخفاء المسافات الفارقة التي تفرق كل فريق عن الآخر.. فإننا نستطيع أن نميز بين عوامل عدة، كان لها أثرها في توسيع شقة الاختلاف بين الأحزاب الإسلامية والمدارس الفكرية التي تشغل الساحة الإسلامية بالجزائر:
- خلافات مردودة إلى تباين في الأفكار (جزأرة / إخوان).
- خلافات مردودة إلى عوامل نفسية (النهضة سابقا الإصلاح حاليا /حمس).
- خلافات مردودة إلى ممارسات سابقة (النهضة / الإصلاح).
ويمكننا فضلا عن هذا أن نميز أيضا بين جملة من المظاهر الأخرى التي تمثل قوام اختلاف وتمايز على نطاق الفكر والممارسة:
- أحزاب متفقة في مدرسة فكرية واحدة مختلفة في الواقع (النهضة/ الإصلاح/ حمس).
- أحزاب مختلفة في الفكر ومختلفة في الواقع والممارسة أيضا (حمس/ الجبهة الإسلامية للإنقاذ).
- أحزاب متفقة في الفكر والواقع (حمس/ النهضة إلى حد ما).
بقيت نفس المسافة الفارقة تفصل بين رموز التيار الإسلامي وقواعده؛ وربما صدرت القيادات تلك الاختلافات في بعض الأحيان؛ وانتهت دعوات التحالف إلى إعلان لم يلامس الواقع، حتى إن هذا المصطلح (التحالف) ظل بعيدا عن مفردات بعض الأحزاب؛ نتيجة الاعتقاد الراسخ بأحقية حزب ما من الأحزاب في شغل الساحة بمفرده؛ وهي القناعة التي تغذيها التعميمات المبسطة التي تجعل للنص فهما لا يحتمل إلا وجها واحدا؛ وتضع بذلك أكثر من حد لمجال الاجتهاد.
الحزبي على حساب الدعوي
لم تتحقق وحدة التيار الإسلامي على الرغم من النداءات التي عبرت عن نيتها في حصول مثل هذا الأمر، ولو بدرجات مختلفة. وبخلاف كل المحاولات فإنه لم ينجح سوى ذلك التجمع النسوي الضخم الذي تمثل في مسيرة حاشدة إلى مبنى المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) باسم رابطة الدعوة الإسلامية الذي طالب بالاحتفاظ بقانون الأحوال الشخصية (قانون الأسرة).
ولم توفق جهود الشيخ سحنون رحمه الله في كبح جماع النزوع الحزبي على حساب العمل الدعوي المحض الذي شهد انحسارا ملحوظا مع عملية الانفجار الديمقراطي الذي أفسح المجال لحرية الانتظام في الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات المختلفة؛ مما ترك مجال التنافس ينتقل من المنابر السياسية إلى المساجد التي لم تكن بعيدة عن الصبغة الحزبية. وكانت إرهاصات فترة الانفتاح غير كافية لهضم التحولات الجديدة التي شهدت بروز مصطلحات لم تكن متداولة من ذي قبل، وكان لمنطق الانتصار للحزب الصوت المرتفع في هذا المجال؛ فكانت شعبية الحزب كافية لأن ترفده بدعم أقوى، يبرر الفكرة، ويسوغ أنماطا من السلوك هي إلى العمل السياسي يومئذ أقرب منها إلى الديني.
وكان المجال مفتوحا لمساجلات لفظية، أزرت بالبعض، وألحقته بزمرة النظام ورموزه تجاوزا؛ ودفعت بالتجربة إلى حالة من الاندفاع العشوائي الذي يتعجل الثمرة أكثر مما يعي ماهيتها. وانتهى المطاف بالدعوة لتحالف إسلامي وطني إلى التلاشي مع انسحاب حركة النهضة، بعد بروز الأستاذ أحمد بن محمد رئيس حزب "الجزائر المسلمة المعاصرة"، في حين لم تصل مبادرات التحالف إلى شيء يذكر.. وأنى لها أن تصل -وما ينبغي لها- وهي ترى في التيار الوطني مجرد أدوات فساد سياسي، ليس إلا.. لكننا سوف نجد هذا التيار أكثر ميلا إلى الاستعانة برموز وطنية في مناسبات لاحقة. وعموما فإن تلك الفترة -التي تعتبر بمثابة البدايات الأولى لتبلور التيار الإسلامي في تنظيمات سياسية واجتماعية وفكرية أيضا- لم تؤد إلى نتائج تذكر، عدا مراكمة تجارب سابقة، مثل تلك التي حصلت في الأردن بين الإسلاميين والقوميين، مضافا إليها خصوصية الطابع الجزائري المتفرد.
عقدة "الكاريزما" تعوق التحالف الإسلامي
بين الرغبة في التوحد والنزوع إلى التميز الفكري من جهة والجماهيري من جهة أخرى لم يكتب للتحالف الإسلامي أن يتشكل -ولو بشكل جزئي- سوى ما كان استثناء على مستوى القواعد؛ غير أن الصوت الإسلامي استطاع أن يثبت نفسه في كل الفترات، على الرغم من آلة التزوير الرقمية التي لم تتخلف عن شحن الفراغ الصوتي بأرقام فلكية تصب في جراب السلطة، وتعيد ضخ بعض الأنفاس في حزيبات مجهرية تحفظ بها بعض التوازن. إلا أنه مع علو الصوت الإسلامي ووفائه أيضا في الانتخابات السابقة لم تتخلص الأنا الحزبية المغرقة في قالبها التنظيمي من عقدة الزعامة مرة.
ففي عام 1995 كانت المقاطعة خيار جاب الله الوحيد للانصراف عن دعم محفوظ نحناح؛ فيما شهدت تلك الانتخابات الرئاسية دعما ملحوظا من قبل مناضلي جبهة الإنقاذ الإسلامية لمحفوظ نحناح (رحمه الله) على الرغم من اختلاف وجهات النظر. ثم بعدها لم يكن دخول الأحزاب الإسلامية في انتخابات 1997 البرلمانية نشازا، عندما خاض كل حزب معركته الانتخابية وحده؛ بل إن التشرذم قد لاحق التنظيمات الإسلامية بدل أن تخطو خطوات باتجاه التوحد. فقد أسفرت انتخابات الرئاسة لعام 1999 عن انشقاق في صفوف النهضة، أدى إلى ظهور حركة الإصلاح التي لم يختلف خطابها عن خطاب النهضة (سابقا)، غير أن الخلاف تجذر وتعمق في بعض الأحيان بين الحركتين الأخيرتين؛ ولم يحدث تقارب يذكر على مستوى الخطاب أو على مستوى الممارسة، بل إن التراشق والملاسنة كانا سيد الموقف، بالنظر إلى ما أسفرت عنه الصراعات الانتخابية؛ وإن لم نعدم بعض التقارب الشخصي لدى القلة القليلة، لكنه تقارب معزول لا يمكنه التأثير في مسار الأحزاب أو التعديل في تلك الخصوصية.
ويمكننا أن نميز هنا بين ألوان من التقارب، مثل ذلك التقارب الحاصل بين النهضة وحركة حمس، أو بين أشخاص من النهضة وحركة الإصلاح، أو بين أشخاص من حركة حمس وآخرين من حركة الإصلاح، غير أن هذا النزر اليسير لا يشكل قاعدة بالنظر إلى سلوكيات جاءت مصاحبة لأحداث مفصلية مثل ما يلي:
- مطالبة حركة الإصلاح باستعادة مقعد حركة النهضة اليتيم في محافظة قسنطينة في الانتخابات النيابية الأخيرة، بدل الطعن في فوز أحزاب مشكوك في نزاهة مقاعدها؛ لكنها اختارت أن تعز النهضة في الخطاب.
- تحريم دخول الإصلاح على 6 عناصر من النهضة (اذهبوا فأنتم الطلقاء).
- انتهاز فرصة التصريحات الصحفية للرد على هذا الطرف أو ذاك، كما هو الشأن بالنسبة لحركة حمس (النهضة والإصلاح).
- القيام بعملية تشويه منظمة لطرف إسلامي لا غبار عليه لسحق مصداقيته (تصريحات ابن عائشة رئيس حركة النهضة لجريدة الخبر الأسبوعي).
- مد جسور مع أطراف لها مواقف مناقضة للتوجه الإسلامي في الوقت الحاضر على الأقل (تواجد النائب حسن عريبي في مؤتمر جبهة التحرير الوطني الاستثنائي الأخير الذي عقد في أجواء غامضة، واتصالات الشيخ جاب الله مع بن فليس).
- رفض البعض التنسيق على مستوى المجلس الشعبي الوطني على الرغم من التوحد في الهدف (تصريحات لخضر بن خلاف رئيس المجموعة البرلمانية لحركة الإصلاح لجريدة أخبار الأسبوع)، على الرغم من خوض تحالفات مع التجمع الوطني الديمقراطي في مناطق عديدة، مقابل ترحيب بالعملية من قبل عبد الرزاق مقري رئيس كتلة حمس البرلمانية.
- تحفظ بعض الأحزاب الإسلامية من دعوة الشيخ أبو جرة إلى تحالف إسلامي في مؤتمر حركة النهضة الأخير.
- القراءة التي فهمها البعض من ذكر قائد أركان الجيش الجزائري للشيخ جاب الله على أنها ليست تعبيرا عن الإشادة بالضرورة.
حقائق مبشرة.. لا بد من ذكرها
إلا أننا لا نعدم بالمقابل مبادرات جمعية مقرونة بمشاركة التيار الوطني؛ كما في نداء الأمة، مسيرة الحوار من أجل المصالحة الوطنية، اللجة الوطنية لمناهضة التطبيع، التنسيقية الوطنية للمدرسة الأصيلة والمتفتحة. لكنها لا تمثل بالضرورة خطوات باتجاه التوحد؛ وربما كان التصويت الأخير الذي تم على مستوى البرلمان من خلال منع استيراد الخمور بمثابة الصورة الطبيعية التي من المفترض أن تظل قائمة بين التيارات الإسلامية المختلفة؛ بل حافزا لمراجعة الترسبات السابقة.
وعلى خلاف باقي الأحزاب المعتمدة يمكننا أن نسجل تقدما لخطاب الجبهة الإسلامية للإنقاذ باتجاه التعامل الواقعي مع الظروف والمعطيات الحالية. ومن ذلك تصريحات ابن عائشة -المدير السابق للجيش الإسلامي للإنقاذ لمنطقة الغرب الجزائري- لصحيفة السفير الأسبوعية الجزائرية التي رحب فيها بدعم أي طرف إسلامي، بصرف النظر عن موقعه؛ وهو ما من شأنه أن يساعد على إذابة الكثير من الجليد. إضافة إلى هذا يمكن تسجيل تقدم في العلاقة بين الجبهة الإسلامية للإنقاذ وحركة حمس، بعد الزيارة الودية التي قام بها الشيخ علي بلحاج إلى مكتب رئيس حركة مجتمع السلم، والتي تعكس الكثير من نقاط التوافق لا محالة.
وعموما: فإن العلاقة الفاترة التي طبعت الاتصالات الحزبية داخل الصف الإسلامي كانت في أساسها ترتد إلى إشكالات شخصية، تزول بمجرد تجاوز عقدة الكاريزما التي غالبا ما تلقي بظلالها على آفاق التنظيم السياسي الحزبي، ولعله من الخطأ الكبير أن يختصر الكل في الجزء؛ فيرهن كل مسار وحدوي بعلاقة شخصية يدخل في تشكلها المزاج والرغبة الشخصية بالإضافة إلى الترسبات السابقة. غير أن الملاحظ في التحولات التي طبعت مسار الأحزاب السياسية المعتمدة على الأقل هو التخلص من عقدة الزعامة الفردية المعتمدة على الكاريزما، والخروج من شرنقة أنا الفرد إلى نون الجماعة؛ وهو ما من شأنه أن يؤهل تلك الأحزاب لأن تتموضع على الساحة الوطنية، اعتمادا على المؤسسة الحزبية التي تطرح كبديل عن الشخصانية والنزعات الفردية التي توقف الحزب على الشخص، وتختصره في صورة فردية في كل الأحوال.
تأسيسا على ما سبق فإن التسليم بالاختلاف لا ينفي مجهودات بذلت، وإن جاءت محتشمة. لكن عوامل الخلاف وأسبابه بين حزبين على الأقل ما زالت قائمة، ومن هنا فإن الرؤية مستقبلا سوف تحكمها مثل هذه العقد التي تبقى حجر عثرة أمام قيام مشروع توحد إسلامي، حسب ما ينبئ به الواقع. لكن ربما قد يحدث أن يجتمع الحد الأدنى على الأقل حول جملة من المبادئ على أعتاب الاستحقاق الرئاسي القادم الذي يشهد صراعا محتدما داخل الصف الوطني على الأقل.. لكن ألا يكون الحكم على فشل قيام قطب إسلامي سابقا لأوانه في كل الأحوال؟
التعامل مع الانتخابات.. نقطة اختبار
إن نظرة فاحصة لخريطة التوجهات الإسلامية القائمة تقود إلى التسليم بمراهنة كل فارس على قدراته؛ مع هذا يمكن أن نسجل إمكانية حصول ما يلي:
- التوصل إلى شبه إجماع تجاه شخصية إسلامية يراهن عليها لدخول المعترك الانتخابي، تحظى بدعم أغلبية القوى الموجودة على الساحة.
- دخول الانتخابات من طرف أكثر من حزب إسلامي، كل حزب على حدة.
- دخول بعض الأحزاب ومقاطعة البعض الآخر لعدم استئناسه بقواعد اللعبة.
- توحد حد أدنى من الأطراف الإسلامية حول شخصية ما، وخروج حزب أو أكثر عن هذا الاتجاه.
- توزع دعم الأحزاب الإسلامية لأكثر من شخصية وطنية؛ مما يضعف عامل التأثير، ويهدر الصوت الإسلامي.
وعلاوة على ما تقدم فإنه يمكن القول بأن فرضية قيام قطب إسلامي في الوقت الحالي تصطدم على الأقل ببعض الفهوم التي ترى في وجودها الحالي على الساحة بمثابة انتصار لخياراتها الحزبية إلى حد ما؛ ومن الصعب تسجيل تنازل على مستوى اللافتة الحزبية لمصلحة قيام هذا القطب، غير أن يكون هذا باتجاه خدمة الشخصية نفسها مضافا إليها دعم بقية الأحزاب..
وإذا كانت جل الأحزاب الإسلامية ترى في انتخابات الرئاسة فرصة لتجذير التواجد الشعبي ليس إلا، وإذا أخذنا بعين الاعتبار استحالة تربع شخصية إسلامية على كرسي الرئاسة في ظل الظروف الحالية.. فإن المطلوب من الأحزاب الإسلامية ألا تسقط من حساباتها الجوانب الأخرى التي قد يقود التنازل فيها إلى تقريب المسافات الفارقة بين الأحزاب الإسلامية التي ما تزال بعيدة عن تشكيل قطب إسلامي، على الأقل في الوقت الحاضر.
كاتب جزائري
|