|
| مسلمو بريطانيا.. تاريخ عريق |
لندن- قد يُفاجأ الزائر لمدينة "جلاسكو" البريطانية بأنّ المركز الإسلامي والمسجد الجامع لا يبعدان عن قلب المدينة سوى مسافة دقائق معدودة سيرًا على الأقدام، ففي العاصمة الصناعية "أسكتلندة" ترتفع مئذنة رفيعة فوق مسجد عملاق يجمع بين حداثة البناء المتوائم مع المحيط والنمط المعماري التقليدي المُستوحَى من مساجد شبه القارة الهندية.
أمّا الدخول إلى أروقة المسجد- الذي يتسع لأكثر من ألفي مصلٍّ- لا بد وأن يثير الكثير من التساؤلات عن تاريخ المسلمين في هذه المدينة الأسكتلندية الهامة، التي قدّمت في عام 1997 أول نائب مسلم في مجلس العموم البريطاني. وسرعان ما يكتشف المرء أنّ الوجود الإسلامي في جلاسكو يعبِّر بوضوح تام عن وجود المسلمين في بريطانيا.
ففي بدايات الأربعينيات من القرن العشرين، وصلت إلى هذه المدينة الصناعية طلائع المهاجرين المسلمين من شبه القارة الهندية التي خضعت للاستعمار البريطاني، وبادر المسلمون إلى تنظيم أنفسهم في مؤسسة حملت اسم "جمعية اتحاد المسلمين"، والتي تأسست رسميًا في عام 1943. ولم يمض وقت طويل قبل أن يجري افتتاح مسجد صغير في بيت رقم 27 من شارع أكسفورد بالمدينة. كما افتتحت مدرسة صغيرة لتعليم أبناء المسلمين.
ومع مطلع القرن الجديد، كانت التقديرات لعدد مسلمي جلاسكو تفوق العشرين ألف نسمة. ورغم أنّ معظمهم من الشريحة العمالية، فإن كثيرًا منهم يديرون استثمارات محدودة في متاجر صغيرة، بينما تمكَّن عدد من رجال الأعمال المسلمين من تحقيق نجاحات واضحة.
وفي إشارة إلى الوزن المتزايد للمسلمين في جلاسكو، صعَّد المرشح المسلم عن حزب العمال "محمد سروار" إلى مجلس العموم البريطاني في انتخابات عام 1997؛ ليكون أول مسلم يشغل مقعدًا نيابيًّا في تاريخ الحياة السياسية في بريطانيا ككل.
اتصال تاريخي مبكر بين الجزر البريطانية والمسلمين
نشأ بين إنجلترا والعالم الإسلامي اتصال تاريخي مبكر، وخير دليل على هذا الاحتكاك، ضرب عملة ذهبية إنجليزية في القرن الثامن، تحمل في أحد وجهيها عبارات عربية، لم تكن سوى نسخة مطابقة للدينار الإسلامي المضروب في عهد الخليفة العباسي المنصور.
وكان اكتشاف هذه العملة في روما - المعروضة حاليًا في المتحف البريطاني - مثارًا لتكهنات المؤرخين، الذين ذهب بعضهم إلى الاعتقاد بأنّ الملك الإنجلوسكسوني أوفّا- الذي تولى الحكم بين 757 و796 للميلاد- قد اعتنق الإسلام سرًّا.
ورغم أنّ هذا الاستنتاج لا يحظى بموافقة جمهور المؤرخين لاعتبارات عديدة، فإنّ تلك الوحدة النقدية تُفصِح عن ازدهار التواصل التجاري بين الجزر البريطانية والبلدان الإسلامية، خاصة عندما كانت صادرات الشرق الإسلامي مرغوبة على نطاق واسع للطبقة الميسورة في هذه البلاد وعموم أوروبا.
ومن المثير أنّ الملك "أوفّا" كان واحدًا من أقوى الملوك الأنجلوسكسون، ويحظى في الوقت ذاته بتقدير البابا "أدريان الأول"، الذي سمّاه أول ملك لإنجلترا. وبالمقابل فإن أوفّا تعهد بإرسال شحنة من الذهب سنويًّا إلى مقر البابوية في روما.
ومن المرجّح أنّ الاتصال بين المسلمين وبريطانيا بقي قائمًا عبر القرون، وقد انتعش هذا الاتصال في بعض العهود بدوافع تجارية وعسكرية واستعمارية واستشراقية، ومن الصعوبة بمكان إغفال حقبة الحروب الصليبية، وما تركته من انعكاسات سلبية حادة على التفاهم بين مواطني بريطانيا والمسلمين.
وتتحدث مصادر بريطانية عن "جون نيلسون"، الذي وُلد في القرن السادس عشر لأسرة مرموقة، بوصفه "البريطاني المسلم الأول". ومما يبرهن على انتعاش التواصل في القرون الأخيرة بين الجانبين، أنّ عددًا من البحّارة المسلمين استوطنوا مناطق محاذية لمرافئ إنجلترا وأسكتلندة في القرن التاسع عشر، في إطار عملية استيعاب كبرى، قامت بها بريطانيا للعمالة المسلمة في مستعمراتها، خاصة للعمل كبحارة وجنود، بالإضافة إلى الطلاب الذين توافدوا للدراسة في الجامعات البريطانية العريقة. أما الوجود الإسلامي في بريطانيا بصورته الجديدة، فلم ينشأ في واقع الأمر إلاّ ابتداءً من منتصف القرن العشرين.
الاستشراق البريطاني بين الإنصاف والتحامل
كانت الجامعات البريطانية- وما زالت- من أهم مراكز الاستشراق في أوروبا؛ ففي ثلاثينيات القرن السابع عشر أسست جامعتا "أوكسفورد" و"كامبردج" فروعًا للدراسات العربية، في الوقت الذي انتعشت فيه حركة الترجمة عن المؤلفات العربية في مجالات العلوم العديدة.
وكانت أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم من العربية إلى الإنجليزية مباشرة تلك التي أنجزها المستشرق "جورج سيل" المولود في لندن في حدود عام 1697، والمتوفَّى سنة 1736، وظهرت في لندن عام 1734. وسبق ذلك ظهور ترجمة إنجليزية غير مباشرة لمعاني القرآن الكريم، مثل تلك المترجمة عن الفرنسية في عام 1688، وكانت الترجمة الفرنسية المشار إليها قد أنجزها "دي ريير" في عام 1647.
وإذا كان الاستشراق الإنجليزي قد أفاد كثيرًا من المراكز العلمية المنتشرة في أرجاء الإمبراطورية البريطانية التي لفّت العالم، فإنّ تأسيس "الجمعية الملكية الآسيوية" بلندن في عام 1824 يمثِّل نموًّا للاهتمام بالدراسات الشرقية في المملكة المتحدة.
كما أنّ الجامعات البريطانية كانت محطة مفصلية في حياة العديد من المستشرقين الأوروبيين والدارسين من العالم الإسلامي، ولا زالت كذلك. فقد عاش المستشرق النمساوي المولد الشهير "أوليس شبرنغر" (1813- 1893) في بريطانيا، وحمل جنسيتها. أما المستشرق "فرتس كرنكوف" (1872- 1953)، فقد وُلد في ألمانيا، وانتقل إلى بريطانيا، وحمل جنسيتها أيضًا، ومثلهما كُثر.
وبرزت أسماء عديدة من بين المستشرقين الإنجليز، أمثال: "آرثر جون آربري"(1905- 1969)، الذي اختص بالتصوف الإسلامي والأدب الفارسي، والسير "توماس ووكر آرنولد" (1864- 1930)، الذي يُصنّف من بين المنصفين للإسلام. وقد اهتم المستشرق السير "هنري إيليوت" (1808- 1853) بتاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية.
وبينما انصرف "هنري فريدريك أميدروز" (1845- 1917) إلى تحقيق كتب التاريخ الإسلامي، فإنّ سيمون أوكلي (1678- 1720)، الذي سبقه بقرنين من الزمن، قد أبدى اهتمامًا خاصًّا باللغات الشرقية. أما "إدوارد غرانفيل براون" (1862- 1926)، فقد برع في تاريخ الأدب الفارسي.
ومن أوائل من اشتهر من المستشرقين الإنجليز "إدوارد بوكوك" (1604- 1691)، وهو أول أساتذة اللغة العربية في جامعة أكسفورد، بينما كان ابنه، إدوارد أيضًا، مستشرقًا هو الآخر. ويُشار أيضًا إلى المستشرق "همفري بريدو" (1648- 1724)، الذي ذاع صيته من خلال كتابه الشهير "حياة محمد"، والمستشرق "ويليام جونز" (1746-1794) المولود في لندن لأسرة ويلزية، وهو مؤسس "جمعية البنغال الآسيوية" في عام 1784.
ومن المستشرقين الإنجليز المتأخرين "أنطوني أشلي بيفان" (1859-1933)، واللاهوتي "آرثر ستانلي تريتون" (1881- 1973)، فيما لمع من المستشرقين الأسكتلنديين "إيلياس جون ويلكينس جب" (1857- 1901)، المولود في جلاسكو، والذي أفنى عمره في دراسة الأدب التركي، وأتحف المكتبات بكتابه الفريد "تاريخ الشعر العثماني".
وكان المستشرق "دونكان ماكدونالد" (1863- 1943) قد ولد في مدينة جلاسكو الأسكتلندية، وعاش فيها قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ومن المولودين فيها أيضاً المستشرق والمنصِّر المسيحي "ويليام موير" (1819- 1905)، وهو معروف بتعصبه ضد الإسلام، كما يبدو بجلاء في كتبه، مثل: "حياة محمد وتاريخ الإسلام"، و"القرآن؛ تأليفه وتعاليمه"، و"الجدال مع الإسلام"، وغيرها.
كما عُرف المستشرق الإنجليزي "تشارلز دوتي" (1843- 1926) بوصفه رحالة ومستكشفًا لجزيرة العرب، و"تشارلز ليال" (1845- 1920) باهتمامه البالغ بالشعر الجاهلي.
وكان المستشرق الإنجليزي المولود في الإسكندرية "هاملتون ألكسندر روزكين جب" (1895-1971) ممن حققوا شهرة فائقة من بين المتأخرين، والباحث في التصوف الإسلامي "رينولد نيكلسون" (1868- 1945)، علاوة على المثير للجدل بسبب آرائه المتعصبة ضد الإسلام وهو "ديفيد صموئيل مرغوليوث" (1858- 1940).
ومن المؤكد أنّ ازدهار الاستشراق البريطاني لم يكن بعيدًا عن الأطماع التوسعية للتاج البريطاني في الحقبة الاستعمارية؛ فالمستشرق الإنجليزي "إدوارد هنري بالمر" (1840- 1882) كان ممن أسدوا خدمات جليلة للجيش البريطاني، بل وصل به الحدّ إلى التعامل المباشر مع الضباط الإنجليز في البلدان العربية، إلى أن قُتل شر قِتلة على أيدي عدد من البدو في سيناء، خلال مهام تجسسية، كان يقوم بها للتمهيد لاحتلال بريطانيا لمصر.
الوجود الإسلامي وانعكاس العلاقات الاستعمارية
ارتبط الوجود الإسلامي الحديث في الجزر البريطانية بالعلاقات الاستعمارية السابقة، فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت موجات الهجرة المسلمة من شبه القارة الهندية، التي كانت توصف بـ"درّة التاج البريطاني"، بالتوافد إلى هذه البلاد بلا انقطاع.
ووجد هؤلاء المهاجرون متسعًا لائقًا بهم في البلاد الجديدة، التي لم تُنس التزاماتها الأدبية إزاء الشعوب المنضوية في مجموعة الكومنولث، خاصة أنّ الحاجة إلى الأيدي العاملة كانت ظاهرة سادت دول أوروبا الغربية في العقود الأخيرة.
وإلى جانب المهاجرين من شبه القارة الهندية، تدفقت أعداد من المسلمين من ماليزيا وإندونيسيا، ودول إسلامية أخرى. وبينما تميزت الهجرة العربية بالطابع النخبوي والأكاديمي، فإنّ الشغف التقليدي للشعب اليمني بالانطلاق في أرجاء العالم أوصل أعداداً كبيرة من أبنائه إلى بريطانيا منذ أواسط القرن العشرين.
وتعيش في أرجاء هذه البلاد أجيال متعاقبة من المهاجرين من أصل يمني، تصل إلى الجيل الرابع حاليًا، وتتركز في مدن "برمنغهام" و"لندن" و"مانشيستر" و"ليفربول" غالبًا.
ولم يكن المهاجرون المسلمون إلى بريطانيا قوىً عاملة وحسب، بل كانت منهم أعداد غفيرة من العلماء والأكاديميين والمثقفين وكبار الاقتصاديين ورجال الأعمال. وتكفي الإشارة إلى استيطان العالم الهندي المسلم "عبد الله يوسف علي" للندن في عام 1914، وهو صاحب الترجمة ذائعة الصيت لمعاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية.
وقد حمل المهاجرون المسلمون معهم إثراءً لا يمكن إغفاله لجوانب الحياة البريطانية؛ إذ كان منهم: "شيخ الدين محمد"، الذي أنشأ حمامات الاستشفاء الشرقية في مدينتي "كيمبتاون" و"برايتون" في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. وكان من زبائن ذلك المسلم- المولود في باتنا بالهند في عام 1750، والمتوفَّى في برايتون في عام 1851- أبناء الطبقة المخملية البريطانية، وعلى رأسها الملك "جورج الرابع"، ومؤسس حزب المحافظين "روبرت بيل"، الذي تولّى رئاسة الحكومة لدورتين، والمعروف بسياسات التحديث. وكانت هذه الحمامات تُقصَد للاستشفاء من الأمراض؛ كالروماتيزم، وضيق التنفس، ولتجديد الحيوية بالتدليك.
مسلمو بريطانيا اليوم
تتباين التقديرات لعدد المسلمين في بريطانيا، لعدم وجود إحصاء رسمي دقيق يكشف عن ذلك. وتدل المؤشرات على وجود نحو ثلاثة ملايين مسلم حاليًا في الجزر البريطانية، يتركزون أساسًا في العاصمة لندن والمدن الصناعية الكبرى، مثل: برمنغهام، ومانشستر، وبرادفورد، وجلاسكو.
إلاّ أنّ مؤسسة "رانيميد" تذهب إلى القول بأنّ عدد مسلمي بريطانيا بلغ في أواخر القرن العشرين المليون ونصف المليون نسمة، منهم 610 آلاف من أصول باكستانية، و350 ألفاً ينحدرون أساسًا من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، و200 ألف من خلفية بنغالية، و160 ألفاً من أصول هندية، علاوة على 180 ألفاً تعود أصولهم إلى بلدان أخرى، منها: ماليزيا، ونيجيريا.
وتتميز بريطانيا بأنّ الأقلية المسلمة التي تعيش فيها ذات طابع هندوباكستاني. وبالإضافة إلى المسلمين الذين تعود أصولهم إلى باكستان وبنغلادش والهند، هناك مسلمون أتراك ونيجيريون وآخرون من أفارقة الكاريبي، علاوة على مهاجرين من مختلف أرجاء العالم العربي، وخاصة من العراق وبلاد الشام ومصر.
كما حقّق الوجود المغاربي في بريطانيا نمواً ملحوظاً منذ مطلع التسعينيات، بالإضافة إلى أفواج اللاجئين المسلمين من مناطق الأزمات في البلقان والشرق الأوسط والمناطق الكردية والصومال.
ويمثِّل المسلمون نسبة ملحوظة من المتقدمين بطلبات اللجوء في بريطانيا؛ ففي سنة 1999 مثلاً تقدم بهذه الطلبات قرابة ستة آلاف صومالي، وأكثر من ألفي وخمسمائة أفغاني، علاوة على آلاف الباكستانيين والأتراك والأكراد والعرب. وتخضع هذه المعدلات لتضخم كبير في المنعطفات الحادة التي تجتاح البؤر المأزومة والمنكوبة في العالم الإسلامي.
مسيرة إقامة المساجد في بريطانيا
بدأت مسيرة إقامة المساجد في بريطانيا مع حلول العام 1860 على الأرجح، عندما تم تأسيس مسجد في مدينة كاردف، عاصمة مقاطعة ويلز، وذلك في شارع "غلين روندا". وأقيم مسجد آخر باسم "مسجد شاه جيهان" في وكينغ في عام 1889، وكان يتبعه سكن للطلبة.
وفي تطوّر آخر، تم في عام 1891 استئجار بيت في بلدة "براوتون تيراس" الواقعة غربي ديربي وتحويله إلى مصلّى، وذلك بمبادرة من مجموعة من المسلمين في المنطقة، كان على رأسهم "ويليام هنري كيليام"، الذي اعتنق الإسلام في عام 1887، وتَسمّى بـ"الشيخ عبد الله كيليام".
أما على صعيد عاصمة الإمبراطورية لندن، فكانت الخطوة الأهم بعد تشكيل أول جمعية إسلامية فيها في عام 1886، تتمثل في دعوة الناشط الهندي المسلم "سيد أمير علي" إلى تأسيس مسجد فيها؛ إذ عقد "أمير علي" لقاء عامًا في فندق "ريتز" بلندن؛ للدعوة إلى إنشاء صندوق مالي؛ لإقامة أول مسجد في المدينة.
واستغرق الأمر أربع سنوات (بداية من عام 1914)؛ حتى تمّ الشروع في إقامة صلاة الجمعة في الصالات والأفنية المستأجرة بأموال صندوق إقامة المسجد. وفي عام 1916 كتب البريطاني المسلم اللورد "هيدلي" المعروف بـ"الحاج الفاروق" إلى وزارة السير "جوزيف أوستين شمبرلين"، يلتمس إليه تخصيص ميزانية رسمية؛ لتشييد مسجد في لندن؛ تكريماً "لذكرى الجنود المسلمين الذين ماتوا في القتال من أجل الإمبراطورية"، وكان "شمبرلين" قد تولى وزارة الخارجية لاحقاً.
لكن لندن بقيت طوال عقود لاحقة بدون مسجد بارز. وكان "ونستون تشرتشل" قد أقرّ في اجتماع حكومي عقده في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1940، في ظل الحرب العالمية الثانية- فكرة تغطية جانب من نفقات تشييد مسجد في العاصمة بالأموال الرسمية.
وفي العام التالي افتتح السفير المصري الدكتور "حسن نهجت باشا" مسجد شرق لندن والمركز الثقافي الإسلامي، الذي أدارته "جمعية المسلمين"، وأُعيد بناء مسجد شرق لندن الكائن في شارع "دايتشابل" في عام 1975، وهو يتميز بالطراز المعماري الإسلامي، وترتفع منه مئذنة عالية ومئذنتان قصيرتان إلى جانب القبة.
وفي عام 1944 كان الملك "جورج السادس" يزور مسجد لندن المركزي والمركز الثقافي الإسلامي المشيد في "ريجنت بارك"؛ لافتتاحه رسميًا. وجاءت الموافقة على بناء هذا المسجد مقابل بناء كنيسة في القاهرة؛ إذ كان للحكومة المصرية دور فاعل في دفع طلب قيام المسجد في العاصمة البريطانية. وكان أن تبرّعت بريطانيا بثمن الأرض، وباشرت تهيئتها، فيما تشكّل مجلس لأمنائه يضم في عضويته سفراء الدول الإسلامية.
وبعد تزايد الوجود الإسلامي في لندن، تم في عام 1973 هدم مسجد لندن المركزي القديم، ليُعاد بناؤه مجدداً، حسب مخططات المهندس المعماري الإنجليزي "فريدريك جيبرد"، وقد افتُتح بشكله الحالي المتميز بالقبة الذهبية في عام 1977، وهو يتسع لنحو أربعة آلاف مصلٍّ.
وبعد مرور قرابة قرن ونصف القرن على إنشاء أول مسجد في بريطانيا، لا تكاد تخلو مدينة بريطانية اليوم من المساجد التي يزيد عددها في أرجاء البلاد على الألف.
نمو الخارطة المؤسسية لمسلمي بريطانيا
اتجهت اهتمامات مسلمي بريطانيا حتى سبعينيات القرن العشرين إلى افتتاح المساجد والمصليات؛ ليتمكنوا من إقامة الشعائر الإسلامية فيها. وإلى جانب المئات منها كان يجري إقامة مدارس إسلامية صغيرة لاستيعاب أبناء المسلمين، وإن كان كثيراً منها اتصف بالبدائية؛ نظراً للافتقار إلى الإمكانات المادية، وغياب الفرق التعليمية المؤهلة للقيام بالدور المنشود في احتضان النشء المسلم.
وازدهرت "المدارس القرآنية" التي يلتحق بها التلاميذ المسلمون في عطلة نهاية الأسبوع، التي تلبي في العادة طموح أولياء أمورهم في توفير الحد الأدنى من تعليمهم مبادئ الإسلام واللغة العربية في مجتمع مغاير دينًا وثقافة ولغة.
ومع الثمانينيات، أخذت الخارطة المؤسسية لمسلمي بريطانيا في النمو الملحوظ؛ فمئات الجمعيات الإسلامية العاملة في بريطانيا بدأت في إلقاء نظرة أبعد إلى المستقبل، وعرفت تلك المرحلة تطورًا ملموسًا للاهتمامات، وهذا ما انعكس بوضوح على قيام مؤسسات متخصصة في مجالات الرعاية الاجتماعية، والأعمال الخيرية، والتأهيل الثقافي، والنشاط الإعلامي.
ولم يعد الجهد التعليمي مُنصبًّا على المراحل المدرسية الأولى؛ إذ ازدهر عدد من الكليات الجامعية والمعاهد العليا الإسلامية في بريطانيا؛ لتستوعب أفواجًا متزايدة من المسلمين المولودين في الجزر البريطانية غالبًا.
وعندما أصبحت الشبكة المؤسسية الإسلامية تتسم بالتوسع والتخصص، كان لا بد من بروز تجارب تتولى التعريف بها، مثل: "مسلم دايركتوري"، وهو دليل إسلامي يتضمن عرضاً لمؤسسات المسلمين في بريطانيا في مختلف المجالات. واتضح من الدليل- الذي بدأ في الصدور في نهاية التسعينيات، ليحوز منذ ذلك الحين على تقدير كبير- أنّ الاتحادات والجمعيات الإسلامية في بريطانيا تُعد بالآلاف، وتتسم بالتكامل والتنوع إلى حدٍّ مشجع.
قيام المجلس الإسلامي البريطاني
ورغم تنامي أعداد المساجد والمدارس الإسلامية والمؤسسات المتخصصة في صفوف مسلمي بريطانيا، فقد كان غياب إطار تنسيقي شامل يعبِّر عن ثلاثة ملايين مسلم في البلاد نقطة ضعف يصعب تجاهلها.
وفي خطوة غير مسبوقة، تداعى ممثلون عن معظم تجمعات المسلمين إلى تشكيل إطار يجمعهم خلال اجتماع تاريخي عقدوه في مدينة "برادفورد" يوم الثامن من محرّم 1417هـ، وهو ما وافق 25 أيار (مايو) 1996. واتفق المؤتمرون على تشكيل مظلة مؤسسية تنضوي الأقلية المسلمة بكاملها تحتها؛ لتتولى تمثيلها في الحياة العامة البريطانية، وتحقيق مصالحها بالشكل الأمثل.
وهكذا ظهر المجلس الإسلامي البريطاني إلى الوجود؛ ليتمكن في سنواته الأولى من الحصول على مصداقية عالية، وتقدير واضح في صفوف المسلمين، رغم الإمكانات المادية المتواضعة التي وُضعت بين يديه.
ولقي المجلس اهتمامًا كبيرًا من جانب الطبقة السياسية البريطانية، وخاصة من قيادات الأحزاب الثلاثة الكبرى: العمال والمحافظين والديمقراطيين الأحرار. ويضم المجلس الإسلامي البريطاني في عضويته 22 منظمة كبرى عاملة على مستوى بريطانيا ككل، وسبع منظمات على مستوى الأقاليم، بالإضافة إلى 293 منظمة محلية وقطاعية.
لقد جاء تأسيس هذا المجلس بمثابة مؤشر على حالة جديدة من الوعي والتنظيم الذاتي، بدأت تعرفها الساحة الإسلامية في المملكة المتحدة. وبتعبير أدق؛ فقد كان ذلك إسدالاً للستار على مرحلة انحصر فيها الاهتمام بإقامة المساجد، والمصليات، وتوفير اللحم الحلال وحسب.
مسلمو بريطانيا والدفاع عن قضايا أمتهم
للوهلة الأولى تبدو بريطانيا الواقعة في أقصى غرب أوروبا بعيدة عن العالم الإسلامي وهمومه، منطويةً على ذاتها في جزرها المحاطة بالماء من كلِّ جانب، إلاّ أنّ الواقع يخالف هذا الظن، ليس لأنّ البُعد الخارجي يمثل مفصلاً حيويًّا في السياسة البريطانية وحسب؛ وإنما لتبنِّي مسلمي بريطانيا للقضايا الكبرى في الشرق الإسلامي، ودأبهم في الدفاع عنها.
وتعود هذه الحالة من التعايش مع القضايا العادلة في العالم الإسلامي إلى بدايات القرن العشرين، عندما كان المثقفون المسلمون القادمون من شبه القارة الهندية يطالبون بحقوق شعبهم الخاضع لاضطهاد السلطة البريطانية.
وفي عام 1937 قاد العالِم المسلم "عبد الله يوسف علي" حملات واسعة بين مسلمي بريطانيا؛ للتضامن مع قضية فلسطين، والتحذير من المخاطر التي تكتنفها. ويأخذ التعبير عن هذا التعاطف اليوم أشكالاً أكثر تنوعًا؛ فهناك عشرات المنظمات الإنسانية التي تتولى نقل تبرعات مسلمي بريطانيا للمناطق المحتاجة والمنكوبة في العالم الإسلامي، وتنشط في صفوفهم منظمات متخصصة في الدفاع عن حقوق المسلمين في المناطق المحتلة والمأزومة، وخاصة فلسطين وكشمير.
بل كان اندلاع "انتفاضة الأقصى" في فلسطين، ابتداءً من نهاية أيلول (سبتمبر) 2000، مدعاة لتحرك عشرات المظاهرات الحاشدة في المدن البريطانية، انتظم فيها المسلمون من كل الأعراق والألوان واللغات؛ لتشير بقوة إلى الارتباط الوثيق للأقلية المسلمة بأمتها العريضة.
الاعتراف بالمدارس الإسلامية في الطريق
تُعدّ "المدرسة الإسلامية" الواقعة في شارع "سالزبوري" بشمال غرب لندن، من أبرز المدارس التي أنشأها المسلمون في بريطانيا، وكان الناشط المسلم "يوسف إسلام" قد شرع في إقامة هذه المدرسة في عام 1983؛ لترعى أبناء المسلمين وبناتهم، بعد اعتناق مغنِّي البوب العالمي الأسبق للدين الإسلامي، وتخليه عن اسمه الأصلي "كات ستيفنز"، واختياره لاسم "يوسف إسلام".
وقد كافحت هذه المدرسة لسنوات طويلة في سبيل الحصول على دعم رسمي؛ أسوة بالمدارس المسيحية واليهودية، وكان عليها أن تشعر بالغبن قبل أن تقرر حكومة "توني بلير" الوفاء بوعودها الانتخابية للمسلمين، والشروع في منح بعض مدارسهم مساعدات مالية، كان على رأسها "المدرسة الإسلامية" الشهيرة.
وجاءت الخطوة مؤشرًا عمليًّا على التوجه الرسمي؛ للتجاوب مع مطالب المسلمين، الذين أصبحوا محطًّا لاهتمام الأحزاب السياسية أكثر من أي وقت مضى، بالنظر لحضورهم المتزايد في الحياة العامة، وثقلهم التصويتي المشجِّع.
ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد؛ فقد جاء قرار شرطة لندن الصادر في عام 2001، والقاضي بإفساح المجال أمام النساء المسلمات للالتحاق بسلك الشرطة وهنّ يرتدين الحجاب - مثارًا لارتياح الأقلية الإسلامية، بقدر ما عبَّر عن نضوج التعددية في داخل المجتمع البريطاني مع مطلع القرن الحادي والعشرين.
ويعبِّر القبول المتزايد للمسلمين في الحياة العامة البريطانية عن سياسة "الخيمة الكبيرة" التي تستوعب الجميع. وكانت هذه السياسة قد برزت مع صعود العمال بزعامة "توني بلير" في انتخابات عام 1997، وتعزّزت من خلال المواقف الودية التي أبداها ولي العهد البريطاني الأمير "تشارلز" نحو المسلمين ودينهم.
وكان بلير قد أشاد بمسلمي بريطانيا في خطاب ألقاه على مسامع مسئولي المؤسسات الإسلامية في عام 1999، وأكّد أنهم "جزء ثمين من المجتمع الذي تنوي هذه الحكومة بناءه.. مجتمع حديث، متمدن، ومتحرِّر من أيِّ تحامل. مجتمع محكوم بالضوابط"، مشيرًا إلى أنّ المسلمين "جزء ثابت من أمتنا متعددة الأعراق".
متاعب تواجه مسلمي بريطانيا
لم يكن ما خرجت به مؤسسة "رانيميد" البريطانية من نتائج في عام 1997 مفاجئًا للمسلمين، بقدر ما كان إلقاءً لحجر ضخم في البركة الراكدة، فالمؤسسة المذكورة أصدرت في تلك السنة تقريرًا في غاية الأهمية صدّرته بعنوان "الإسلاموفوبيا"، أي الرّهاب الإسلامي، أو (التخويف من الإسلام)؛ لتتحدث فيه ببيانات موثقة عن رصدها لاستهداف المسلمين في الحياة العامة، ووسائل الإعلام بالتناول السلبي المجحف والتصوير المشوّه والعرض المثير للمخاوف.
وجاءت نتائج التقرير لتقرِّر حقيقة تشعر بها الأقلية المسلمة على أرض الواقع، لكنها كانت كفيلة بلفت اهتمام الرأي العام وصانعي القرار إلى جوانب لم يكونوا قد ألقوا لها اعتبارًا. ويبدي الناشطون المسلمون أسفهم؛ لأن تشريعات مكافحة التمييز المعمول بها محليًّا تبدو كأنها تستثني الأقلية الإسلامية، وهو ما يجعل الأخيرة بمعزل عن الحماية القانونية لمكانتها الاعتبارية.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فالظاهرة العنصرية التي أخذت تنال من أطراف المجتمع البريطاني تلقي بظلالها الكئيبة على المسلمين، وتشكّل عامل ضغط يؤرق الأجيال الناشئة في بريطانيا.
ومن المؤكد أنّ المسلمين هم الضحية الأولى في العادة للنزعة العنصرية، فالدراسة الموسعة التي نشرتها وزارة الداخلية مطلع آذار (مارس) 2001 عن "التمييز الديني في إنجلترا وويلز"- تبرهن على هذه الحقيقة. ولاحظت الدراسة، التي أجرتها جامعة "ديربي" بالتعاون مع جامعة "كمبردج"، أنّ المسلمين ضحية للتمييز أكثر من أي مجموعة دينية أخرى في المجتمع البريطاني، وتستنتج الدراسة أنّ التفرقة بحق المسلمين تتم في الأصل بخلفية دينية، ثم يتحول الأمر إلى مبرِّر للتمييز في كافة مناحي الحياة.
وجاء اندلاع اضطرابات عرقية في بعض المدن البريطانية في عام 2001، قبيل جولة الانتخابات العامة، بمثابة إطلاق لصفارات التحذير من حقيقة ما يدور تحت السطح في بؤر التوتر العرقي.
وإلى جانب النزعة العنصرية، فإنه من الواضح أنّ أزمة البطالة التي تفترس أبناء المهاجرين الآسيويين لا تدعو إلى التفاؤل بالنسبة للمربين المسلمين، خاصة مع ضآلة مستوى التعليم في بعض الفئات المسلمة ببريطانيا.
باحث وصحفي مقيم في فيينا.
|