English

 

الثلاثاء. يونيو. 20, 2006

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » الجزائر

 
أهم الأخبار  

تفتح أبوابها لوفود منظمات حقوق الإنسان الدولية

الجزائر تحسن صورتها الحقوقية لخدمة مشروع العفو

ضياء مصطفى

مظاهرة لمجموعة من الصحفيين الجزائريين احتجاجا على تقييد حرية الصحافة
مظاهرة لمجموعة من الصحفيين الجزائريين احتجاجا على تقييد حرية الصحافة
بعد عامين من رفض السلطات الجزائرية طلب العديد من المنظمات الدولية لحقوق الإنسان زيارة الجزائر لتقييم الأوضاع هناك، إذ بالسلطات الجزائرية تصرح رسميا مطلع هذا العام أنه ليس هناك ما تخفيه عن هذه المنظمات، وأن الأبواب مفتوحة ليعرفوا ما يشاءون عن أوضاع حقوق الإنسان التي لا ينكر تحسنها إلا جاحد.

في هذا السياق تأتي زيارة وفد منظمة "هيومان رايتس ووتش" إلى الجزائر في الفترة من 12 إلى 22 يونيو الجاري؛ لتكون الزيارة الثانية هذا العام لمنظمة كبرى تعمل في مجال حقوق الإنسان، بعد زيارة قامت بها منظمة العفو الدولية (أمنستي) في شهر مايو الماضي. وأقرت المنظمة بعد هذه الزيارة بتحسن أوضاع حقوق الإنسان في الجزائر مقارنة بالسنوات الماضية، لكنها أكدت أن هناك غموضا وعدم شفافية يسودان الجزائر إثر تعذر لقاء وفد المنظمة بممثلي وزارتي الداخلية والدفاع، وهو الأمر الذي رد عليه رئيس اللجنة الاستشارية لحماية حقوق الإنسان التابعة لرئاسة الجمهورية "فاروق قسنطيني" بقوله: "لا يمكن لأمنستي أن تقول لم نلتقِ بهم؛ فنحن هيئة تابعة للرئاسة والتقيناهم، وقد التقت بهم وزيرة الأسرة (نوارة جعفر)، وتحدثت عن أوضاع المرأة في الجزائر، كما استقبلهم ممثل وزارة العدل، وأخذوا كل المعلومات التي يبحثون عنها".

ويعترف "قسنطيني" أن ثمة نقصا في مجال حقوق الإنسان، لكن الأوضاع تحسنت، وستتحسن في المستقبل بعد تحسن الوضع الأمني.

الجزائر واستقبال المنظمات الحقوقية

السؤال الذي يطرح نفسه بداية هو: لماذا استقبلت الجزائر هذه المنظمات بعد اتهامها سابقا أنها لا تقدم سوى تقارير سيئة عن الجزائر؟ إن واقع الحال يشير إلى أن توالي زيارات منظمات حقوق الإنسان هذا العام له دلالته الواضحة في ضوء تقديم الرئيس عبد العزيز (بوتفليقة) للشعب الجزائري مشروعه للعفو الشامل والمصالحة الوطنية المتوقع قبل نهاية هذا العام.

لهذا فإن من مصلحة الجزائر -وهي مقبلة على استفتاء على قانون العفو الشامل- أن تقدم على خطوة استقبال منظمات كان سجل الجزائر لديها أسود بالأمس القريب؛ لأنه أيا كانت التحفظات التي قد تبديها هذه المنظمات على أوضاع حقوق الإنسان فلن يمكنها في نهاية المطاف سوى الترحيب بالعفو الشامل من حيث المبدأ على الأقل، وهو ما سيصب في صالح مشروع بوتفليقة.

ويلاحظ في الزيارات السابقة لهاتين المنظمتين أنهما كانتا تبحثان عن حقيقة المجازر الجماعية في بن طلحة وغليزان والرايس، وغيرها من المجازر التي شهدها عقد التسعينيات الدامي، لكنهما لم تعثرا على إجابات ولم تجدا ضالتهما فيما تروجه المعارضة الجزائرية في الخارج من تورط قوات الجيش بتلك المجازر، أو ما صدر من بعض الكتب مثل كتاب "الحرب القذرة" لضابط بالمخابرات الجزائرية هو "حبيب سمراني"، ومن ثم اعتبرت السلطات الجزائرية غير متعاونة؛ بل إنها تكتمت على حقائق تلك المجازر.

أما الآن.. فقد تم تهيئة الأوضاع نسبيا بالجزائر بعد نجاح "بوتفليقة" في إحداث الوئام المدني والتخلص من خصومه من مناهضي المصالحة الوطنية؛ بحيث أصبح بوسعه الترويج للمصالحة التاريخية التي تتضمن العفو الشامل، والمصالحة الشاملة التي بدأت أولى خطواتها العملية في 19 يونيو من العام الماضي بعد إلغاء هذا اليوم من قائمة الأعياد الوطنية، وهو اليوم الذي شهد في عام 1965 انقلاب الرئيس هواري بومدين على نظام الرئيس "بن بله" الذي يرأس الآن "مؤتمر لجنة العفو الشامل"؛ الأمر الذي أثنت عليه أحزاب التحالف الرئاسي والأحزاب الموالية للسلطة؛ لأنه لا يمكن لبلد يدعي الديمقراطية أن يمجد الانقلابات العسكرية ويجعل من تواريخها عيدا قوميا.

وطبقا لهذه الاعتبارات فإن أبرز الموضوعات المطروحة على جدول زيارة "هيومان رايتس ووتش" الجارية هي معرفة محتوى العفو الشامل وقضية سير العدالة.

وفي هذا السياق قامت الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان -غير الحكومية- التي يرأسها المحامي "بوجمعة غشير" بطرح موضوعات أخرى تعتبرها هامة، وهي قضية المفقودين وموضوع الحريات العامة وحرية الصحافة، على اعتبار أن الصحفيين يتابعون قضائيا، ويحكم على بعضهم بالسجن كل أسبوع تقريبا، بما تثيره هذه الأحكام من ردود فعل دولية.

وكما تنوعت الموضوعات المثارة فقد تنوعت أيضا لقاءات وفد "هيومان رايتس ووتش" بين المسئولين الحكوميين وعلى رأسهم المحامي "فاروق قسنطيني" ممثلا عن وزارة العدل، ومنظمات غير حكومية مثل جمعيات عائلات المفقودين، والرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان التي يرأسها المحامي "علي يحيى عبد النور"، والرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان.

الاختلاف حول موضوع العفو الشامل

لقد رمى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة حجرا في مياه راكدة عندما أعلن في إبريل الماضي عن عزمه استشارة الشعب الجزائري حول العفو الشامل. ويحق لرئيس الجمهورية دستوريا إصدار القوانين ثم يصدق عليها البرلمان، ومن ثم يستفتي الشعب الجزائري عليه كما فعل عام 1999 -وفق صلاحياته الدستورية- بإصدار قانون الوئام المدني الذي عفا بموجبه عن 6000 مسلح بينهم أعضاء بالجناح العسكري للجبهة الإسلامية للإنقاذ.

وفي غياب النص القانوني للعفو الشامل اختلفت الرؤى حوله؛ حيث يرى "فاروق قسنطيني" رئيس اللجنة الاستشارية لحماية حقوق الإنسان "أن العفو الشامل هو الحل لخروج الجزائر من دوامة العنف، والالتفات إلى قضايا أكثر إلحاحا؛ مثل البطالة والسكن والصحة وغيرها؛ فالجزائر تأخرت كثيرا بسبب سنوات الإرهاب في مجالات الزراعة والصناعة وكل شيء.. فالعفو الشامل تليه المصالحة الوطنية، وإعادة الاعتبار لضحايا تجاوزات أعوان الدولة وتعويض ذويهم؛ وهو ما يطوي هذه الصفحة الدامية".

لكن هناك عقبة أساسية لا يزال يجري النقاش حولها في إطار هذا العفو الشامل؛ فعائلات المفقودين تطالب بالحقيقة والعدالة لمعرفة مصير ذويهم الذين اختفوا قسرا -حسب زعمهم- على أيدي قوات الأمن خلال سنوات 1996-1998. وتقول "نصيرة تيدور" الناشطة في مجال حقوق الإنسان: "لا نريد التعويض، نريد أن نعرف أين أبناؤنا؛ فطلبنا من رئيس الجمهورية هو تشكيل لجنة وطنية من شخصيات جزائرية لتقصي الحقائق عن مصير المفقودين، وبعدما نعرف الحقيقة والعدالة نعفو، ولكن الحقيقة والعدالة أولا". وهكذا تطالب العديد من أمهات المفقودين في تلك الفترة، وتطالب به أيضا جمعيات حقوق الإنسان الجزائرية غير الحكومية، ومنظمتي العفو الدولية و"هيومان رايتس ووتش".

أما المحامي "جمعة غشير" فيشير إلى أنه لا يمكن أن تعرف الحقيقة المطلقة خلال سنوات 1994-1996 على وجه الخصوص؛ حيث لم يكن هناك دولة؛ فالشكل الأمني كان هو السائد، لكن من حق الجزائريين أن يعرفوا من تسبب بالأزمة، ومن تورط في أعمال العنف، وما الأضرار الاقتصادية والاجتماعية التي لحقت بالجزائريين. نحن لا نحصر الحقيقة بالمفقودين فقط؛ فهم جزء من حقائق أوسع، بعد كشفها يحال المتورطون إلى العدالة، وحينئذ لو قبل الجزائريون أن يصفحوا فلهم ذلك، أما أن يعيش المجرم والبريء معا، فهذا لن يؤدي إلى سلم اجتماعي مطلقا!!. وهذا أيضا هو موقف الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان التي يرأسها المحامي علي يحيى عبد النور.

ورغم ذلك فإن "فاروق قسنطيني" يؤكد أن هؤلاء لا يمثلون عائلات المفقودين، ولا يتجاوز عددهم 70 عائلة تحرضهم "نصيرة تيدور" ووالدتها؛ لأن اللجنة الاستشارية لحماية حقوق الإنسان التقت بستة آلاف عائلة خلال الصيف الماضي، وطرحت عليهم السؤال: هل توافقون على التعويض فيما لو عرضته عليكم الدولة؟ فوافقت الأغلبية الساحقة. وعن حجم التعويضات يقول "قسنطيني": "ليس من اختصاص لجنتنا، ولكن سيحددها المشروع الجزائري".

سير العدالة والفصل بالقضايا

وبصرف النظر عن هذا الجدل فإن قضية العدالة ومنها طبيعة سير الفصل في القضايا تعد أحد ملفات حقوق الإنسان الشائكة بالجزائر؛ إذ ترى منظمات حقوق الإنسان الجزائرية غير الحكومية أن العدالة في الجزائر لم تساير التطور الديمقراطي الذي كرسه دستور 1989، الذي حول القضاء من وظيفة تمارس إلى سلطة بالمفهوم الديمقراطي، خلافا للدساتير السابقة التي كانت تسمى السلطات "الوظيفة القضائية والوظيفة التشريعية والوظيفة التنفيذية"، لكن الواقع يؤكد أن القضاء عمليا لا يزال يمارس كوظيفة، وتتدخل أطراف كثيرة في عمل القاضي، ومن ثم فهو ليس مستقلا.

ويذكر أن وزير العدل الجزائري الطيب "بلعيز" قد أصدر قرارا منذ تقلده الوزارة قبل عامين، يطلب فيه من القضاة سرعة الفصل في القضايا المطروحة في المحاكم والمتراكمة منذ سنوات دون الفصل فيها، إلا أن هذا الموضوع لا يزال محلا للنقد؛ حيث تعتبر المحامية والخبيرة الدولية في الاستشارات القانونية "فاطمة بن إبراهيم" أن هذا القرار يمثل مساسا بحق المتهم والدفاع لعدم توفر شروط محاكمة عادلة، وكان أولى بالوزارة أن تزيد في عدد القضاة للفصل في تلك القضايا. وهو ما أكده المحامي "غشير" الذي يعتبر أن من غير المعقول أن تبقى القضايا المطروحة أمام العدالة لشهور أو سنوات، كما أنه يجب في نفس الوقت ألا تمر القضايا أمام القاضي مرور الكرام؛ لأننا -حسب الإحصاءات- نجد أن معظم الملفات يستغرق الحكم فيها دقيقة أو دقيقة ونصفا؛ يستجوب المتهمين، ويسمع الشهود، ويسمع الدفاع، ويسمع النيابة، ثم يصدر الحكم في دقيقة ونصف، وهذا غير معقول إطلاقا؛ لأن القاضي يطلب من الدفاع ألا يطيل الكلام، والنيابة تكتفي بتطبيق القانون أو ذكر العقوبة دون أي مرافعة، والقاضي يضعها بالمداولات، وهذا يعني أن هناك تصفية للملفات أكثر من النظر بتأنٍّ في قضايا المواطنين، وهو الأمر الذي لا يشعر معه المواطن الجزائري بالعدالة، وبالتالي لا يوجد مجتمع به سلم اجتماعي؛ بل يمكن أن يكون المردود أفعالا عنيفة جدا لا يحمد عقباها.

وأخيرا: ثمة حاجة إلى القول بأن الجزائر تشهد تحسنا ملحوظا وجديا في مجال حقوق الإنسان في الآونة الأخيرة. وربما يكون الشروع في بحث هذه القضايا الخلافية السابقة على المستوى الداخلي -خاصة مع إتاحة الفرصة للمنظمات غير الحكومية أن تلعب دورا نشطا- أمرا مهما جدا في المرحلة الراهنة. ولا شك أن السماح بزيارات وفود من منظمات حقوق الإنسان الدولية مؤشر إيجابي قوي على انفتاح الجزائر في هذا الشأن. ويبقى المحك النهائي في هذه الأمور جميعا هو تحقيق مصالحة شاملة يرتضيها غالبية الشعب الجزائري الذي عانى أعواما من العنف المجتمعي الذي لا تزال آثاره الاجتماعية والاقتصادية قائمة حتى الآن.


مراسلة "إسلام أون لاين.نت" بالجزائر.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات