English

 

الأحد. أبريل. 23, 2006

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » مصر

 
أهم الأخبار  

الطائفية الجديدة بمصر.. من التنظيمات المتشددة إلى الشارع المتشدد

د. عمرو الشوبكي

متظاهرون أقباط في شوارع الإسكندرية
متظاهرون أقباط في شوارع الإسكندرية
ربما كان أخطر ما أصاب العلاقة بين المسلمين والأقباط في مصر هو انتقال التعصب من جماعات متطرفة إلى قطاعات كبيرة من الشارع القبطي والإسلامي، وصارت هناك احتقانات حقيقية تجاهلتها الحكومة، وسطحها الإعلام الرسمي، وعقدتها طريقة الأجهزة الأمنية ومعالجتها الخاطئة.

والسؤال المطروح في هذا الإطار، وخاصة بعد الأحداث التي شهدتها مدينة الإسكندرية مؤخرا، سيبدأ بمعرفة الأسباب التي أدت إلى تدهور العلاقة بين جانب كبير من المسلمين والأقباط، وتزايد الاحتقان الطائفي والديني بصورة مقلقة في ظل أوضاع سياسية متدهورة وأزمة اقتصادية خانقة.

مشكلات الخطاب الإسلامي

أول هذه الأسباب تتعلق بالمشروع الثقافي الإسلامي الذي تصاعد في مصر طوال العقود الثلاثة الأخيرة، وكان له بعض التأثير في عدد من بلدان العربية، وسيطر بصورة كبيرة على عقول قطاع كبير من المصريين، وهو خطاب الشيوخ الرسميين الذين حرضوا على الطائفية وعدم التسامح مع الآخر، والدعاة الجدد الذين سطحوا كل قضايا المجتمع وهمومه السياسية، بجانب كتاب الطائفية في الصحف الصفراء، وفي كتب الأرصفة بل وبعض الصحف القومية.

وتأثر هذا الخطاب إلى حد كبير بالبيئة السياسية الرسمية فهو صنيعتها وتعبير عن محدودية قدرتها، وبدت الحكومات العربية ومؤسساتها الدينية الرسمية وكأنهما شيء واحد؛ فشكوى المصريين من تدهور الأزهر وغياب مصداقيته وقدرته على التأثير وسط الشارع الإسلامي مرادف لشكواهم من تدهور أداء الحكومة وفقدانهم الثقة فيها؛ فتحولت المؤسسات الدينية الرسمية إلى مؤسسات شديدة البيروقراطية محدودة القدرة على الإبداع والخيال وصارت امتدادا لباقي المؤسسات الحكومية.

وفي ظل تصاعد هذا الخطاب الديني الرسمي شديد السطحية والانغلاق (حتى لو اضطر أن يردد في العلن كلامًا عن الوحدة الوطنية وعنصري الأمة) وتداخل معه كتاب المرحلة الجديدة من "المفكرين" الإسلاميين الذين احتلوا مساحات كبيرة في الصحف القومية، وقدموا برامج إسلامية في القنوات التلفزيونية الرسمية شديدة البؤس والتخلف؛ فهناك من قدم تفسيره اللاإنساني (ولا إسلامي في واقع الأمر) لكارثة تسونامي، معتبرا أنها غضب إلهي على المسلمين العاصين في هذه البلدان في تبلد إنساني واضح، وهناك من حرض على ازدراء الديانات الأخرى في بلد يعاني من حالة احتقان طائفي وحساسية مسيحية مشروعة تجاه كل ما يمس المعتقدات الدينية.

ومع تصاعد حركات الإسلام السياسي منذ السبعينيات، بدا أن المشكلة في طريقها إلى التعقد، خاصة أن خطاب معظم هذه الحركات بما فيها الإخوان، كان يتعامل في ذلك الوقت بنزوع طائفي واضح تجاه المسيحيين باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، ولكنهم عادوا مع العقد الماضي وقدم معظمهم اجتهادات أكثر استنارة من خطاب السبعينيات وتجاوز خطاب التيارات الإسلامية السلمية وخاصة في طبعته الإخوانية خطاب المؤسسات الدينية الرسمية شديدة الانغلاق، وقدم الإخوان المسلمون أفكارا منفتحة تجاه قضية المواطنة دون أن يحسموا هذه المسألة بشكل قاطع بتقديم "وثيقة المواطنة"، ويعلنوا بصورة محددة المساواة الكاملة بين المسلمين والمسيحيين، وحق تولي المناصب العامة بما فيها منصب رئيس الجمهورية بالانتخاب الحر المباشر، وظل الإخوان المسلمون في منتصف الطريق، متجاوزين بالتأكيد خطاب رجال الدين الرسميين، والحالة الدينية العامة السائدة في الشارع المصري، وكتاب تسونامي وغيرهم؛ لأنهم حركة سياسية متفاعلة مع الشارع وذات تأثير شعبي، ولكنهم ظلوا خلف خطاب حزب الوسط الذي حسم منذ عقد مسألة المساواة بين المواطنين في كل الحقوق والواجبات بما فيها حق تولي منصب رئيس الجمهورية بالانتخاب.

المصارحة المطلوبة

هل قدم المسلمون خطابا ثقافيا ودينيا وسياسيا في العقود الثلاثة الأخيرة، يشجع المسيحيين على التصالح مع الإسلام كما حدث في فترات سابقة من تاريخ مصر المعاصر أم أن ما حدث هو العكس وأن الخطاب الذي روجه كثير من المسلمين كان منفرا لجزء كبير من "أقباط الوسط" الذين تفاعلوا إيجابا مع ثقافة المجتمع السائدة وفي قلبها الإسلام طوال الثلاثينيات والأربعينيات وحتى بدايات عصر الرئيس السادات؟.

الإجابة في الحقيقة بالسلب، فالمؤكد أن هذا الخطاب لم يحمل من الاستنارة والعقلانية ما يشجع الأقباط على التصالح معه، بل دفع قطاعات كبيرة منهم إلى الخوف والانكماش والعزلة الداخلية، وخلف "ثقافة العزلة" تلقتهم في الحقيقة الكنيسة الأرثوذكسية التي لم تكن مهيأة بحكم تركيبتها الداخلية المنغلقة، أن تقدم خطابا عصريا متسامحا لشعبها القبطي، إنما دفعتهم -كما فعل المناخ الإسلامي الطارد- نحو مزيد من الانغلاق والتعصب الطائفي.

وصار مشهد الاعتداء المتكرر على مصوري الفضائيات والصحفيين داخل الكنائس لمجرد أنهم مسلمون أمرا كارثيا، ويعكس ثقافة كراهية شديدة التطرف، خاصة أنها لا توجه إلي مشاركين في المشاحنات الطائفية إنما لأشخاص يؤدون عملهم ولم يرتكبوا إلا "خطأ" أنهم حملوا أسماء مسلمة.

وإجمالا يمكن القول إن تعامل بعض جماعات أقباط المهجر وكثير من رجال الدين المسيحي في الداخل كان محرضا على كراهية الآخر، وأعطت القضية القبطية أدوارا نضالية للكثيرين من شباب الجماعات المسيحية في الخارج، فعزلوا هموم الأقباط عن هموم المصريين، وأدى حرص كثير منهم على تصعيد المطالب القبطية إلي المحافل الدولية، واستخدامها كورقة ضغط فعالة على الدولة المصرية لتحقيق بعض المكاسب، إلى استثارة مشاعر قطاع كبير من المسلمين خاصة بعد أن استجابت الدولة لبعض هذه المطالب نتيجة تلك الضغوط.

في هذا السياق المشحون توترا، صار تعامل أجهزة الدولة الأمنية والإدارية محل إدانة من الطرفين؛ فالأمن المتهم بالتعصب والطائفية من الجانب المسيحي، متهم من قبل المسلمين بممالأة المسيحيين خوفا من الضغوط الكنسية والخارجية، وبدا من المؤكد أن الدولة المصرية تحكمها مواءمات الضعفاء، وليس كبرياء الأقوياء الذين يستمدون هيبتهم من تطبيق القانون واحترام حقوق المواطنة كقيمة وثقافة وليس خوفا من ضغوط الخارج.

التمايز الخطر

إن خطورة الخطاب القبطي أنه ينحو نحو بناء مجال تمايز عن المسلمين من خلال الضغط على دولة ضعيفة وفاسدة لا من أجل إصلاحها سياسيا وديمقراطيا، إنما من أجل تحسين وضع الأقباط بمعزل عن المجتمع ككل، وتفصل مشكلات الأقباط وهمومهم المشروعة عن مشكلات المصريين.

إن الدولة المصرية التي تحركت أجهزتها بعد 15 ساعة لإنقاذ ضحايا العبارة، وتحركت بعد 9 ساعات لإيقاف رصاصات نعمان جمعة في حزب الوفد، ستكون مطالبة بعد ذلك أن تتحرك بصورة فورية واستثنائية لحماية الأقباط، وبصورة لا تعكس كفاءتها المحدودة ولا تعبر عن الميول المتعصبة لبعض أجنحتها، إنما ستحاول أن تخلق مجال حماية -ليس بالمعنى الأمني الضيق والمطلوب- خاصة واستثنائية للأقباط تضعهم في مرتبة أعلى أو تبدو أعلى في أعين المسلمين.

وسيصبح المجتمع المصري معرضا لكي يشهد عدة صور من التمييز؛ منها ما هو لصالح السياح الأجانب الذين تتحرك الدولة وأجهزتها بسرعة البرق لإنقاذهم من أي سوء أو حادثة، وتستخدم الطائرات الهيلوكبتر ويهرول كبار المسئولين بشكل فوري للاطمئنان عليهم. ومنها ما هو لصالح المواطنين الأقباط الذين بالتأكيد لن يصلوا إلى مستوى السياح الأجانب لكنهم بالتأكيد سيتميزون عن إخوانهم المسلمين أو إخوانهم السودانيين الذين قتلوا في ساحة مسجد مصطفى محمود؛ لأنه ليس وراءهم أمريكا ولا جماعات أقباط المهجر.

لقد أصبحنا أمام مشكلة قبطية حقيقية، تصاعدت بسبب هيمنة خطاب ديني إسلامي رسمي (بالأساس) شديد التخلف والسطحية والانغلاق على عقول جانب كبير من المسلمين، في ظل دولة لا تحترم القانون ولا تسعى لتطبيقه، وتكره الأقباط ولا تحب المسلمين ولكنها ستضطر -كما حدث ويحدث- أن تقدم بعض التنازلات للأقباط التي لن يرتاح لها المسلمون؛ لأنهم أيضا يشعرون بالاضطهاد والتمييز (وربما أيضا بالهزيمة والانكسار).

ولا يمكن أن ننزع فتيل الفتنة الطائفية في مصر، إلا حين يبدأ المسلمون بمراجعة جادة لما يقدمونه للمجتمع من أفكار وأن يتجاوزا نمطا متكاملا من التفكير ساد في الربع قرن الأخير وأدى إلى انهيار كامل في قيم المجتمع من صدق وإخلاص في العمل ونزاهة لصالح التدين الشكلي والمظهري، وأن يتجاوزا هذا الشعور الدائم بالمؤامرة الدولية والمحلية عليهم، ورفض الآخر، وأن يبدأ المسيحيون في الكلام عن مشاكل الوطن وهمومه ولو قليلا؛ فالشهداء الألف الذين سقطوا ضحية الإهمال والفساد والفوضوي في عبارة الموت، كانوا يستحقون كلمة أو كلمات من جماعات أقباط المهجر وأصدقائهم في الداخل الذين يحملون عدسة مكبرة لقراءة ديانة الشخص وهم على بعد آلاف الأميال، فإذا كان مسيحيا فسينال كل الرضا والدعم، أما إذا كان مسلما كما يبدو أنه كان الحال في ضحايا العبارة فقد أراح واستراح.

لقد عالج كل طرف الاحتقان الطائفي في المساحة الخطأ؛ ولذا لا يبدو أن المشكلة الطائفية في طريقها إلى الحل، والمتوقع بكل أسف أن تتفاقم تلك المشكلة، طالما ظلت مصر تعيش في ظل نظام سياسي غير ديمقراطي وطالما غابت دولة القانون، دولة كل المواطنين.


خبير في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات