English

 

السبت. مايو. 4, 2002

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أوروبا

 
أهم الأخبار  

يسار أوروبا يأكل نفسه!!

نبيل شبيب

الفارق بين شيراك ولوبان ليس كبيرا
الفارق بين شيراك ولوبان ليس كبيرا
ألمانيا- شهدت الدول الأوربية تصاعدا لافتا للنظر لتيار اليمين المتطرف الذي استطاع احتلال المرتبة الثانية في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة الفرنسية بزعامة "جان ماري لوبان" في شهر إبريل 2002، كما تقدم اليمينيون في انتخابات محلية في بريطانيا مطلع شهر مايو 2002، ونفس الأمر فإن اليمين صعد نجمه في إيطاليا والدانمارك والنمسا.

غير أن تقدم اليمين نسبيا لا يواري حقيقة استمرار وجود ما يوصف باليسار الأوروبي بمفرده أو في ائتلاف حكومي مع أحزاب أخرى في السلطة في النسبة العظمى من البلدان الأوروبية. فكيف يمكن التوفيق بين هذا وذاك؟.. وهل يمكن التنبؤ بسقوط اليسار الأوروبي مجددا؟.. وما هو الجانب الاقتصادي الأبرز للعيان في تفسير هذه التوجهات في أوروبا؟..

"اليسار" كحركة احتجاج

ليس مجهولا أن الفروق الحقيقية بين اليمين واليسار وفق المصطلحات الأوروبية لم تكمن تاريخيا في الميدان السياسي، وهو الانطباع الذي صنعته أزمة الشرق والغرب عبر اختلاف الأطروحات السياسية، إنما في الميدان الاقتصادي في الدرجة الأولى، وبالتالي فإن فهم وضعية تراجع اليسار الأوروبي يتطلب التركيز على الجانب الاقتصادي في أطروحاته. وأول ما يلفت النظر عنصران:

- تحول وجود القطاع الأعظم من اليسار الاشتراكي الأوروبي إلى حركة احتجاجية على اليمين الرأسمالي من "الداخل"، وهو ما جعل الفوارق الرئيسية المميزة بين الجانبين تذوب لصالح اليمين.

- التحول المرافق لذلك من اتباع أسلوب "الهجوم والثورة وطرح البدائل"، وهو من أهم ما تعتمده "السياسات الواقعية في العالم الغربي" إلى أساليب "الدفاع عن المواقف وتبرير المواقف والتخلي عن التصورات القديمة"..

هذا التحول ينسجم في واقع الأمر مع مسيرة اليسار الأوروبي تاريخيا أيضا التي جعلت نجاحه وسقوطه ظاهرة تنطوي على كثير من التناقض؛ فلم يكن النجاح -إلا في حالات نادرة- نتيجة منجزات كبيرة يحققها، بل كان غالبا رهنا بالظروف "المضادة" المحيطة به في الدرجة الأولى؛ فكانت شدتها تؤدي إلى ازدياد أنصاره حتى يصل إلى تحقيق بعض أهدافه بما في ذلك السلطة، فإذا وصل إلى صناعة القرار سرعان ما يأتي سقوطه نتيجة عجزه عن تحقيق "وعود سابقة" لأسباب ذاتية أو بتأثير ضغوط أصحاب الأموال وسواها من العوامل الخارجية.

وبتعبير آخر ففي مقدمة ما يميز اليسار الأوروبي أنه بقي رغم تراثه التاريخي العريق "حركة احتجاجية" على تصورات رأسمالية مهيمنة، فبقيت أطروحاته غالبا "جوابا" على ممارساتها، فبعد تحول الرأسمالية من الإقطاع إلى الاحتكار الصناعي جاء الجواب في نشأة "اليسار الأوروبي" شاملا دون تمييز لكلمتي "الاشتراكية" و"الشيوعية" معا في وصف الأحزاب والأفكار التي ظهرت بين منتصف القرن التاسع ومنتصف القرن العشرين الميلاديين، كان كجواب اقتصادي على الرأسمالية..

كما أنه بعد استفحال أمر الشيوعية في شرق أوروبا ازدادت أهمية الأحزاب "الديمقراطية -الاشتراكية"، وبقيت كالأحزاب الاشتراكية والشيوعية الأوروبية داخل نطاق المعالم الرئيسية للنهج الاقتصادي الشيوعي، ولكن أرادت عبر إضافة كلمة "الديمقراطية" التميز "سياسيا" عن دعوات حكم الحزب الواحد وراء ستار "ديكتاتورية الطبقة العاملة"..

ويمكن القول دون تحفظ كبير بأن ما عُرف حديثا -وانتشر إعلاميا بعد عام 1998م- تحت عنوان "الطريق الثالث" أو "الأحزاب الإصلاحية" بعد عام 1998م، إنما كان جوابا من الأحزاب اليسارية الغربية التي أرادت الظهور بمظهر الرد على موجة التشدد الرأسمالي الجديدة التي غلبت على ظاهرة العولمة الاقتصادية والمالية.

من الثورة.. إلى التبرير

انتقلت "صيغة الطرح" اليساري نفسها بصورة لافتة للنظر من الهجوم نقدا إلى درجة الدعوة إلى الثورة، كما كان في عهد ماركس وإنجلز، إلى أساليب الدفاع ومحاولات العثور على "مبررات" استمرار رفع "رايات يسارية واشتراكية".. وهو ما ظهر للعيان مثلا عند انعقاد ما عُرف بقمة الإصلاحيين التي ضمت 14 دولة يحكمها "اليسار والوسط"، وكانت في برلين في مطلع حزيران/ يونيو 2000م، وقد حاولت التركيز على مصطلحات "التضامن الاجتماعي وتكافؤ الفرص" مقابل مصطلحات "النمو الاقتصادي والعولمة وثورة الاتصالات وحرية التجارة" وما شابه ذلك، وهو ما أصبح محاور رئيسية لانتشار الرأسمالية المتشددة في عقد التسعينيات الميلادية.
وهنا يظهر أسلوب الطرح "الدفاعي" في حرص المشاركين في المؤتمر من رؤساء الحكومات والرؤساء على عدم الإيحاء باتخاذهم موقفا يرفض أو يناقض مسيرة العولمة نفسها، لا سيما أنهم أصبحوا جزءا رئيسيا منه.. بل وتحت تأثير الشركات العملاقة ومراكز القوى المالية الكبرى التي تحرك عجلاتُها القرارَ في الحكومات الرأسمالية الغربية، سواء كانت برداء يساري أو يميني.

وكان مما يلفت النظر في البيان الصادر عن "قمة" السلطات في 14 دولة صناعية غربية أنه يقتصر على صيغة "المناشدة" لمراعاة عوامل "إنسانية" تعكسها مصطلحات التضامن الاجتماعي وتكافؤ الفرص.. فمن هي "السلطة العليا" التي تتجه المناشدة إليها؟..

اليسار الرأسمالي

إن الحديث عن استمرار سيطرة أحزاب اليسار الأوروبي على السلطة في غالبية الدول الأوروبية لا يتضح دون تثبيت أن "السياسة" الاقتصادية التي تنتهجها هذه الأحزاب سياسة رأسمالية، وأنها تحتفظ باسم "اليسار" لأسباب تاريخية فحسب؛ فقد ابتعدت عن بذور ولادته الأولى دفاعا عن حقوق العمال والفئات الأفقر والأضعف في المجتمع عموما، ومكافحة للاحتكارات الصناعية والمالية، وتبنيًا للضمانات والتأمينات الاجتماعية.

ومن حيث التتابع الزمني لمجرى التطورات يُلاحظ أنّ انتشار الحديث عن "سيطرة اليسار على غالبية الحكومات الغربية" بدأ عقب نجاح الأحزاب المحسوبة على اليسار في الغرب في الوصول إلى السلطة على التتالي في الولايات المتحدة الأمريكية مع الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، وبريطانيا مع رئيس الوزراء البريطاني الحالي توني بلير، وفي ألمانيا مع المستشار الألماني الحالي جيرهارد شرودر، وسرى شبيه ذلك لاحقا على وصول ليونيل جوسبان إلى رئاسة الوزراء في فرنسا رغم استمرار وجود جاك شيراك من الديجوليين الجدد، أو اليمين الفرنسي، في منصب الرئاسة.

والواقع أن البلدان الثلاث المذكورة خاصة شهدت تطورات حول محورين رئيسيين من حيث المناهج الاقتصادية المتبعة، يفسران الظاهرة عموما، وهما:

1- أن وصول الأحزاب المذكورة إلى السلطة جاء أيضا كرد فعل أو جواب على مرحلة تشدد رأسمالي بلغت ذروة غير مسبوقة، وذلك على التتالي المشار إليه في الولايات المتحدة الأمريكية حتى حملت عنوان "الاتجاه الريجاني، وفي بريطانيا حتى حملت عنوان "الاتجاه التاتشري"، وأدت في البلدين واقعيا إلى القضاء على بقايا النفوذ النقابي القديم، والتمهيد أمام "انفراد القوى المالية" نسبيا في صناعة القرار؛ مما كان بدوره تمهيدا للموجة الجديدة الحالية من العولمة، ويسري شبيه ذلك على البلد الثالث ألمانيا في عهد المستشار السابق "هلموت كول"، وإن خفف من حدة التشدد الرأسمالي هنا اقتراب ألمانيا من شرق أوروبا، وحرصها على درجة من الضمانات الاجتماعية تمنع من إغراء الناخبين بما كان في الشرق من "ضمانات اجتماعية" تميزت بها الحكومات الاشتراكية بغض النظر عن إخفاقها في ميادين أخرى..

2- أما العامل الثاني الذي أدى إلى وصول الأحزاب "اليسارية" إلى السلطة بعد حقبة التشدد الرأسمالي تلك، فهو الشعارات التي رفعتها وتركزت على أهم ما عانى منه الناخب الغربي والمواطن العادي عموما في ظل تلك الصور الرأسمالية المتشددة؛ أي مواجهة الفقر، والتفاوت الطبقي، والأوضاع المأساوية للعمال وأسرهم، والتركيز على الضمانات الاجتماعية للجميع.

أفول مرة أخرى

إن أفول نجم اليسار الأوروبي مجدّدا -الذي يقال إنه سيتبع عودة الجمهوريين بعد الديمقراطيين إلى رأس السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية- إنما يعود إلى هذه التوجهات في المعارك الانتخابية التي كانت في مقدمة ما تخلت عنه الأحزاب الاشتراكية والاشتراكية الديمقراطية بعد الوصول إلى السلطة، وهو ما أضعف ثقة الناخبين فيها إلى حد كبير، جنبا إلى جنب مع ازدياد حدة الفقر والبطالة وتآكل بنية الضمانات الاجتماعية.

ويسري هذا على البلدان الثلاث المذكورة التي ارتبطت أطروحات "الطريق الثالث" بها أكثر من سواها؛ فلم يعد يوجد من ناحية المضمون فوارق اقتصادية تستحق الذكر بين ما يطرحه اليمين واليسار التقليديان، والمتمثلان غالبا في أكبر حزبين متنافسين على السلطة، ومتعاقبين عليها، كما هو الحال بين الديمقراطيين والجمهوريين في الولايات المتحدة الأمريكية، والعمال والمحافظين في بريطانيا، والديمقراطيين الاشتراكيين واتحاد الحزبين المسيحيين في ألمانيا.

خيبة أمل الناخبين

يمكن القول بأن توجه الأحزاب اليسارية نحو اليمين كان تراجعا ناجما عن الضعف الذاتي أمام "غول العولمة" كما يقال، أو بتعبير آخر كانت نتيجة الضغوط الناجمة عن أهم معالم "العولمة الرأسمالية" الحالية، وهي أن صناعة القرار اقتصاديا كان أم سياسيا أم عسكريا لم تعد تتركز في الأجهزة الرسمية للسلطة، قدر ما أصبحت هذه الأجهزة -بغض النظر عن التيارات المسيطرة عليها عبر الانتخابات- تحت التأثير المباشر لقوى مالية مهيمنة.

وقد يجري التعبير عن هذه القوى المهيمنة أحيانا باسم "اللوبي" المالي والصناعي، أو باسم الشركات والمصارف المالية العملاقة، كما هو معروف عن الولايات المتحدة الأمريكية في قضايا من قبيل قوانين السلاح وعلاقتها بجرائم الأطفال، وقد ينكشف بعضها عبر فضائح مالية قد تؤدي إلى سقوط بعض الشخصيات، ولكن دون سقوط "البنية" التي تقوم عليها تركيبة صناعة القرار أو التأثير عليه، كما ظهر في أكبر فضيحة "مالية - حزبية" شهدتها ألمانيا وما شابهها في فرنسا، وقد ينكشف بعضها الآخر من خلال رؤية حجم التشابك ونوعيته بين السلطات والشركات.. كما في إيطاليا مع وصول بيرلسكوني إلى السلطة.

لقد كان الناخب الغربي يلجأ إلى الأحزاب اليسارية والاشتراكية لمواجهة مثل هذه الظواهر على حساب الفئات الأضعف من السكان، وكانت العوامل الاقتصادية الداخلية تلعب الدور الأكبر على هذا الصعيد، ولكن السنوات العشر الماضية أظهرت إلى حد بعيد أن التحول من اليمين إلى اليسار أو من اليسار إلى اليمين لم يعد يغير "الاتجاه" وإنما يغير العنوان والاسم، وتبقى عناصر توجيه السلطة وصناعة القرار كما كانت عليه.

هوة الفقر تزداد

ويبقى العنصر البارز في التطورات الاقتصادية والاجتماعية الجارية هو ازدياد حجم هوة الفقر والثراء داخل المجتمع في كل دولة رأسمالية على حدة، بمثل ما هي عليه بين الشمال والجنوب إجمالا، وأن الطبقة التي تمتلك القوة المالية، وإن تساقط بعض "عناصرها" تحت عجلة التنافس فيما بينها، فما تزال تبسط سيطرتها على مزيد من أسباب القوة المالية، وتسجل في ذلك أرباحا وتراكم ثروات بأرقام خيالية، جنبا إلى جنب مع ازدياد تآكل ما بقي من "ضمانات اجتماعية" من حقبة الحرب الباردة بتأثير التنافس بين الشرق والغرب، وازدياد ظاهرتي البطالة والفقر في المجتمعات الغربية جميعا بصورة لم تعرفها منذ الحرب العالمية الثانية.

من نتائج هذا التطور يتضح أن نسبة الإقبال على ممارسة حق التصويت في الانتخابات تتناقص عاما بعد عام، وبصورة متوازية تماما مع الانتشار "الجغرافي" لظاهرة اختفاء الفوارق بين اليسار واليمين، أي من الولايات المتحدة الأمريكية إلى غرب أوروبا إلى وسطها.

ومن نتائجه أيضا لجوء بعض الناخبين إلى تأييد الأحزاب الصغيرة من أقصى اليمين أو من أقصى السار، إما على سبيل "الاحتجاج" على الأحزاب "الشعبية" الكبرى، أو -على حسب مستوى الوعي السياسي- تحت تأثير شعارات الإنقاذ التي تطرحها تلك الأحزاب مقابل "المعاناة" التي باتت تشمل أعدادا أكبر من الناخبين جولة بعد جولة. وقد يفسر هذا أسباب ارتفاع نسبة تأييد أحزاب "اليمين المتطرف" كما يوصف أقصى اليمين في أوروبا، بينما يلعب إخفاق "التجربة الشيوعية" في عدم سريان شبيه ذلك على الأحزاب الصغيرة من أقصى اليسار.

ولئن كانت الذروة التي وصلت إليها الرأسمالية في عصر الثورة الصناعية قد أحدثت الثورة الشيوعية المضادة لها، فقد تصبح الذروة الجديدة الأوسع نطاقا، والأشد شمولا، التي وصلت الرأسمالية إليها في عصر العولمة؛ سبب صناعة ثورة مضادة أوسع نطاقا وأشد شمولا.. وقد لا يكون السؤال المُلِح: هل ستقع أم لا؟ وإنما هو عن الكيفية والوجهة التي ستتخذها ناهيك عن النتائج التي يصعب التنبؤ بها.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات