|
تسبب العدوان الإسرائيلي على الشعبين الفلسطيني واللبناني وما قابله من صمود لافت للمقاومة اللبنانية في رفع حالة غليان الشارع المصري، لدرجة دفعت بعض المحللين والخبراء إلى التكهن باحتمالات وقوع انتفاضات شعبية واسعة النطاق، ربما تنطلق من القاهرة وتنتقل إلى باقي الأقاليم المصرية، خصوصًا في ظل اتساع الفجوة بين موقف النظام والموقف الشعبي من العدوان والمقاومة.
ومن هذا المنطلق طرحت "إسلام أون لاين.نت" على 4 من المفكرين والسياسيين ذوي التوجهات المختلفة سؤالاً مؤداه: هل يوجد فراغ بالفعل بين النظام والشعب المصري؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب فمن بوسعه أن يملأ هذه الفجوة؟.
غالبية المتحدثين رأوا أن هذه الفجوة موجودة بالفعل، بل وأنها آخذة في الاتساع مع الوقت، الأمر الذي ينذر بأن تحولات وتطورات قد تكون دراماتيكية في انتظار الساحة السياسية المصرية.. البعض رأى أن كارثة طبيعية أو حدثا ضخما ومفاجئا يمكن أن يزلزل الأوضاع السياسية في مصر ويدفعها نحو التحول إلى الطريق الصحيح، بينما رأى آخرون أن الأوضاع تنذر بانتفاضة شعبية واسعة ربما تقضي على الأخضر واليابس، فيما علق فريق ثالث الآمال ببعض المؤسسات الوطنية -التي ما زالت تلقى قبولاً كبيرًا من كافة قطاعات الشعب- لحسم الموقف وإجراء التغيير المنشود.
وفي ما يلي نص الحوار:
هل ثمة فجوة واسعة وحقيقية بين نظام الحكم والشعب في مصر في اللحظة الراهنة على خلفية حرب لبنان؟
|
| عبد الغفار شكر |
عبد الغفار شكر - المفكر اليساري المعروف والقيادي بحزب التجمع المعارض: "نعم هناك فجوة موجودة أصلا بين النظام والشعب المصري، ظهرت بوضوح خلال أزمة العدوان الإسرائيلي على لبنان، وهذه الفجوة في اتساع مستمر لأسباب كثيرة لعل أبرزها العامل الاقتصادي، وعدم ثقة الشعب في النظام الذي لم يف بوعوده في حل مشاكله وتخفيف معاناته، فضلا عن تغلل الفساد في صلب المجتمع وارتباط المفسدين دائما بالنظام حتى أصبح لدى غالبية الشعب قناعة بأن هناك تحالفا شريرا يربط بينهما.
وأردف قائلا: إن "ثنائي الاستبداد والفساد نجحا في عزل النظام عن بقية الشعب، فتعمق لدى معظم الفئات إحساس قوي بأن كل شيء مرهون برضا النظام ومن يدورون في فلكه، في وقت خلا فيه المسرح السياسي من أي بدائل شرعية، فباستثناء جماعة الإخوان هناك 3 أحزاب هامة كلها تقريبا تعاني من أزمات طاحنة، وإذا بدأت جماعة الإخوان في النشاط قليلا يكون جهاز الأمن لها بالمرصاد فيعتقل ويعطل أي تحرك إيجابي لأعضائها، ومن ثم فقد مات العمل السياسي الشرعي في مصر".
|
| محمد السيد سعيد |
الدكتور محمد السيد سعيد -نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية التابع لمؤسسة الأهرام: ثمة مسافة كبيرة تفصل بين نظام الحكم والمجتمع في مصر. وكشف الموقف الرسمي في التعامل مع العدوان الإسرائيلي على لبنان حجم الهوة المتسعة بين الجانبين، أتصور أن الشعب -ولا شيء غير الشعب- هو القادر والمسئول عن ملء هذا الفراغ، مشيرا إلى أن طائفة من العوامل الكثيرة والمعقدة على مدار أكثر من 50 عاما كاملة استطاعت أن تخرج الشعب المصري ليس فقط من الفضاء السياسي بل من الفضاء العام أيضا، فأصبح المجتمع يعيش حالة من الاغتراب الشديد تتقاذفه اتجاهات غريبة أكثرها يقوم على أساس لا أخلاقي، فاندفع قسم منه إلى الانتماء لتيارات دينية متطرفة ظهرت كرد فعل لتحلل مؤسساته والكيانات الاجتماعية التي كانت تمثل عمود المجتمع المصري الفقري طوال العصر الحديث.
وأشار سعيد إلى أنه لا بديل عن الإسراع في إعادة بناء مؤسسات المجتمع التي تحللت وذاب معظمها وسط التحولات التي جرت في المجتمع المصري خلال نصف القرن الأخير، كما أن لملمة بقايا النقابات والاتحادات ومؤسسات المجتمع المدني الحقيقي، وتشجيع آلاف التجارب للحركات الشعبية ومئات التجارب التنموية أصبحت من الضروريات، ذلك وفقا لقواعد الديمقراطية والحرية بهدف إنقاذ مصر من الانهيار الشامل".
|
| جهاد عودة |
الدكتور جهاد عودة أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان وعضو أمانة السياسات بالحزب الوطني الحاكم: ليس ثمة فجوة بين النظام وأغلبية الشعب المصري، وما جرى بين الشعب والسلطة أثناء العدوان على لبنان هو أمر طبيعي في إطار التعددية السياسية التي كانت مصر تنشدها منذ عقود طويلة، بل إن ما يحدث هو سباق وتنافس بين قوى سياسية تحاول أن تظهر النظام على أنه عاجز وغير قادر على التواصل مع الجماهير، وهذا أمر مفهوم في إطار اللعبة الإعلامية والسياسية التي تجري بين النظام وتلك القوى.
وأكد عودة على أن ما نراه في مصر هو محض تباين في الآراء وليس فجوة، وهناك فارق كبير بين الحالتين، ذلك أنه في الحالة الأولى -وهي القائمة- تعد أمرا طبيعيا ومقبولا ولا تشكل قلقا لا للنظام ولا على مستقبل مصر، أما الحالة الثانية فغير موجودة على أرض الواقع، لأن مؤشرات الفجوة بين أي نظام حكم والشعب تبدأ بالمظاهرات الشعبية الضخمة التي لا تنقطع ليل نهار، وأن يكون هناك تناقض شديد بين الموقف الشعبي والرسمي، وهي معطيات إذا ما طبقت على ما يجري في الساحة المصرية فسنجد أن المظاهرات محدودة للغاية حتى إنها لا تعدو مجموعات يطلقون عليها "متظاهري مدبولي" في وسط القاهرة بجوار مكتبة مدبولي الشهيرة.
|
| عبد المنعم أبو الفتوح |
الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح القيادي في جماعة الإخوان المسلمين: كل مواطن عادي يستطيع بسهولة رصد هذه الفجوة بين الشعب ونظام الحكم الذي أصبح غير معبر عن هموم وطموحات الغالبية العظمى من المجتمع. ولو كانت العلاقة صحية من جانب النظام لما تابعنا هذه الفجوة الكبيرة بين مواقفه من العدو الإسرائيلي وبين إجماع القوى الوطنية، وأحاط النظام الحالي نفسه بسياج سميك من الأجهزة التي تعايشت مع الفساد، وتحول دورها من مكافحته إلى التعايش معه وتطويعه حتى تحول إلى سلوك عادي، مما أدى إلى تعميق عدم شرعية النظام وضاعف من كراهيته واشمئزاز المواطنين منه.
سيناريوهات مستقبلية
تأسيسا على المعطيات السابقة، بدا من الضروري التوجه بتساؤل رئيسي حول سبل رؤية صورة مصر في المستقبل، وما هي ملامح القوة التي قد تقوى على ملء الفجوة المتفاقمة بين النظام والشعب المصري، وقد جاء التساؤل على النحو التالي:
إذن، إذا كان هناك ما يشبه الإجماع على وجود فجوة بين النظام والشعب المصري فمن يملأ هذا الفراغ وما هو السبيل إلى ذلك؟
عبد الغفار شكر: "سيناريو انتفاضة 1977، وأحداث الأمن المركزي عام 1986 قابلة للتكرار لكن على نطاق واسع ربما يعم كافة أرجاء البلاد، حيث سيجد ملايين المهمشين والعاطلين والجياع فرصتهم في الانضمام لهذه الانتفاضة، التي ستقضي على الأخضر واليابس في مصر ولن يستطع أي جهاز أمني التصدي لها أو منعها من الاندفاع. أما البديل الأكثر واقعية هو تحرك القوات المسلحة من خلال عمل مفاجئ يقلب الموازين ويحسم الأمور في الوقت المناسب".
محمد السيد سعيد: لا يوجد في المجتمع المصري حاليا قوة تستطيع القيام بهذه المهمة، ربما يكون الأمر مرتبطا بوقوع حادث كبير أو كارثة طبيعية ضخمة، بحيث يكون ذلك المحدد الذي يمكن أن نراهن عليه لحدوث تحول سريع في مستقبل مصر، وأتصور إمكانية تكوين جبهة للخلاص الوطني تضم كل القوى الحية والفاعلة لتعمل بحرية على وضع برنامج مستقبلي بشرط أن يكون هناك تعهد والتزام من النظام باحترام ما تتوصل إليه هذه الجبهة.
إن ما تواجهه مصر في الوقت الحالي هو نفس الموقف الذي سبق أن واجهته العديد من دول أوربا الشرقية، مع فارق جوهري يتعلق بحجم وقوة الطبقة العاملة في تلك الدول، فقد ظلت قوية متماسكة لها وزنها وكياناتها النقابية والعمالية القوية، الأمر الذي ساهم في إنقاذ مجتمعاتها من الأزمة التي ترتبت على سقوط الاتحاد السوفيتي.
عبد المنعم أبو الفتوح: "يوجد في المجتمع تيارات قوية من اليسار والليبراليين والإخوان لديهم القدرة على النهوض بمصر في مختلف المجالات، لكن المناخ الحالي ونظام الحكم الذي وجد في ظروف غير طبيعية يعوق كل تحرك نحو تصحيح الأوضاع ويرفض منح تلك القوى شرعية العمل، ولا يوفر لها القدر الكافي من الحرية. إن مصر مهددة فعلا بثورة الجياع والمطحونين، والخروج من المأزق سيكون على أيدي قوة وطنية يحتضنها الشعب بقوة؛ بهدف حسم المصير الغامض ووضع حد للسير بالبلاد نحو المجهول".
الدكتور جهاد عودة: "معظم تلك القوى بالمعارضة لا تمثل المجتمع المصري وأكثرها يمثل مجموعات محدودة العدد قليلة التأثير، بعضها يتخذ من المعارضة سبيلا لإثبات وجوده على مسرح السياسة، ولا توجد في مصر حاليا قوى تمتلك من الشرعية والشعبية ما يؤهلها لتهديد نظام الحكم، أو حتى ملء الفراغ الذي يشغله.
ولم يكن الموقف الرسمي والشعبي من العدوان على لبنان يشكل فجوة بل كان مجرد تباين لأنه لا أحد في مصر طالب بإعلان الحرب على إسرائيل بشكل جدي باستثناء الدعوة للتطوع أو غيرها من المطالب المرسلة، وظل الخلاف بين الجانبين مرتبط بالعواطف والمشاعر التي تحكم رجل الشارع، والحكمة والقدرة على التحكم التي يتميز بها رجل السلطة، وفي النهاية هذا التباين جزء من اللعبة السياسية الطبيعية"
صحفي ومراسل إسلام أون لاين.نت في مصر.
|