English

 

الأحد. أكتوبر. 29, 2006

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » مصر

 
أهم الأخبار  

معركة التوريث.. إخوان مصر بين نارين

د. عمرو الشوبكي

معركة التوريث في مصر طغت على قضايا الإصلاح السياسي
معركة التوريث في مصر طغت على قضايا الإصلاح السياسي
لم ينظر الكثيرون بعين الراحة لبعض التصريحات المتضاربة التي صدرت عن قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وبدت في كثير من الأحيان في موقف المعارض الجذري لمشروع التوريث، والمستعد لدفع ثمن سياسي باهظ لإيقافه (كتصريح على جثثنا المثير للجدل)، وبدت في أحيان أخرى في موقف المتقبل بتوازنات الأمر الواقع، وأن معارضتها للتوريث ستكون من باب إبراء الذمة وتسجيل الموقف أكثر مما تعني خيارا نضاليا حقيقيا ضد هذا المشروع.

ويبدو أن الجدل الذي دار مؤخرا حول تصريحات محمد السيد حبيب نائب مرشد الجماعة، والذي أعلن أن التوريث لن يمر إلا على جثثننا، وعاد وتراجع عنه، فتح باب التكهنات والجدل حول حقيقة موقف الجماعة من هذا المشروع، رغم أن مواقف معظم قادة الجماعة وعلى رأسهم المرشد العام كانت التأكيد على رفض الجماعة لتوريث السلطة.

والحقيقة أن رفض الإخوان، ومعهم باقي القوى السياسية المعارضة لهذا المشروع، بات من "المصوغات التقليدية" التي ترددها المعارضة بكافة أطيافها، تماما كالحديث عن الانتخابات الحرة وفترة الرئاسة المحددة بمدتين، وهي قضايا لا يعكس ترديدها أي قدرة عملية على تحقيقها في أرض الواقع، أو تحمل تبعاتها ونتائجها.

ويمكن مناقشة موضوع الإخوان والتوريث من خلال سؤالين أساسيين: الأول هل سيخوض الإخوان معركة تكسير عظام (صفرية) مع النظام من أجل إيقاف التوريث، يدفعون فيها ثمنا باهظا من الضحايا والمعتقلين؟ أم أنهم سيعارضون هذا المشروع من باب إبراء الذمة في تصريحات صحفية هنا وهناك، وفي مؤتمر بالقاهرة وآخر في الأقاليم؟.

والسؤال الثاني هل معركة التوريث ستدور في الشارع أم داخل أجنحة السلطة ومؤسسات الدولة؟ وهل سيتحرك الشارع لوقف هذا المشروع أم سيظل على ثباته العميق؟ وبالتالي إلى أي حد سيفيد من الأصل دخول الإخوان معركة "صفرية" مع النظام مستندين على "الشارع"، إذا كان الأخير غير موجود، ولا يبدو أنه سيكون طرفا في تلك المعركة، هذا لا يعني أن يقوم الإخوان بـ"معارضة إبراء الذمة"، إنما سيعني دخولهم طرفا فاعلا في تحالف رفض التوريث الذي في حال حدوثه، سيعيد البلاد إلى الوراء عقودا جديدة، وسينهي الميراث السياسي والأخلاقي الذي صنعه الإخوان في العقدين الأخيرين، في حال إذا ما "غضوا البصر" عن توريث السلطة.

الثقافة السياسية للجماعة وقضية التوريث

حين لاح في الأفق مشروع التوريث، وتحديدا عقب مؤتمر الحزب الوطني الثامن الذي عقد في سبتمبر 2002، وصعد فيه دور جمال مبارك، والانقسام في صفوف النخبة والقوى السياسية أخذ في التراجع حول هذا المشروع حتى وصل إلى ما يقرب الإجماع على رفضه.

ولعبت في البداية الخلفية السياسية لكل تيار دورا حاسما في صياغة موقفه من مشروع التوريث؛ فهناك من اعتبر هذا المشروع بداية للتخلص من "حكم العسكريين" وأنه لا توجد فرصة لوصول "حاكم مدني" إلى سدة الحكم إلا عن طريق التوريث، وبدا جانب كبير من كوادر الإخوان المسلمين أقرب إلى هذه القراءة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن ثقافتهم السياسية تأثرت في جانب كبير منها بالميراث العدائي تجاه ثورة يوليو التي قادها ضباط.

واتضح في البداية الحياد العلني لقطاع يعتد به من عناصر الجماعة تجاه الجدل المبكر حول موضوع التوريث، وتعاطف قطاع مؤثر منهم مع مقولة الحكم المدني كبديل عن الحكم العسكري.

وتعاطف أيضا مع هذه المقولة في بدايتها قطاع يعتد به من الليبراليين والشيوعيين السابقين والحاليين (من بقي)، أما الناصريون فقد ظلوا منذ البداية من أكثر التيارات رفضا لهذا المشروع، وغير بعيد عنهم الثقافة السياسية السائدة داخلهم، والتي تتعاطف مع وجود دور سياسي للمؤسسة العسكرية على خلفية الدور التاريخي لجمال عبد الناصر مؤسس تنظيم الضباط الأحرار وقائد الثورة.

ومع الوقت تراجع حجم التأييد لمشروع التوريث، وامتد ليشمل القوى التي لم تناصبه العداء منذ البداية وعلى رأسهم الإخوان المسلمون، حيث ضاعت مع الوقت كل الأحلام التي رأت أنه يحمل مشروعا إصلاحيا حقيقيا، خاصة بعد الصورة التي جاء عليها تعديل المادة 76 وارتباط جمال مبارك بمجموعة من رجال الأعمال غير المقبولين من غالبية الشعب المصري، وعدم تقديم "مجموعة الفكر الجديد" لفكرة واحدة ملهمة تساعد في إجراء عملية إصلاح تدريجي للبلاد.

ومع ذلك فإن رفض الإخوان "البارد" لمشروع التوريث راجع في جانب آخر منه إلى أنهم لم يشعروا في أي مرحلة بـ"هزيمة أيديولوجية" كحال قوى سياسية أخرى، في حال نجاح مشروع التوريث؛ لأن الجمهورية التي سيقوضها هذا المشروع لم يشعر الإخوان طوال تاريخهم أنها أنصفتهم.

بيد أن هذه الخلفية لا تشكل بمفردها حسابات الإخوان، ولكنها عامل مهم في فهم الطريقة التي يديرون بها معركة التوريث؛ فهناك حسابات السياسة وتعقيدات الواقع، ومدى رغبة الإخوان في خوض معركة مفتوحة ضد التوريث وفرص نجاحهم.

هل يستفيد الإخوان في حالة التوريث؟

محمد السيد حبيب نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين في مصر

أحد السيناريوهات المطروحة على الساحة السياسية هو حدوث صفقة بين الإخوان، ومجموعة التوريث داخل لجنة السياسات التي يقودها جمال مبارك، ويحصل بمقتضاها الإخوان على بعض المكاسب التي ستتمثل حدودها القصوى في الحصول على الشرعية القانونية للجماعة، وفي حدودها الدنيا في تخفيف المطاردات الأمنية والإفراج عن معتقليهم، وربما أيضا السماح بهامش أكبر لتحرك الجماعة وخاصة على المستوى الدعوي.

ومن المؤكد أن هذا السيناريو الذي تردد بعض الوقت ثبت استحالة حدوثه الآن، بعد أن اتضح أن مشروع لجنة السياسات ليس مشروعا إصلاحيا إنما هو تكريس للوضع القائم باستبداده وفساده، وسيخسر الإخوان في حال إذا اكتفوا بالمعارضة الشكلية للتوريث جانبا كبيرا من الثقة التي حصلوا عليها داخل قطاعات مؤثرة من النخبة المصرية، وسيعني أنهم لم يتعلموا من دروس التاريخ في الرهانات الخاسرة؛ لأن مشروع التوريث لا يعدو إلا أن يكون امتدادا للنظام الحالي الذي سيعتمد بدوره على تحالفات سياسية ودولية تطلب الاحتفاظ بالإخوان في نفس الخانة الحالية "كفزاعة" لأوروبا والولايات المتحدة، لكي يكفا عن ممارسة أي ضغوط على النظام المصري من أجل الإصلاح السياسي.

والمؤكد أن الحدود الدنيا الواردة في هذا السيناريو، أي هامش الحركة المقيد للجماعة، متحقق في ظل النظام الحالي، ويمكن أن تستمر مع أي نظام جديد، دون الحاجة إلى "صفقة كبرى" لتمرير التوريث؛ فكثيرا ما دخل الإخوان في مفاوضات، وصراع كر وفر مع النظام الحالي، وتقدموا أحيانا أكثر من اللازم، وتراجعوا في أحيان أخرى أكثر من اللازم، وبقي وضعهم السياسي كما هو "خارج الشرعية والقانون"، ولن يستطيع الورثة الآمنون للنظام الحالي أن يقدموا رؤية سياسية جديدة لفتح ملف الإخوان بصورة تؤدي إلى دمجهم في الحياة السياسية كحزب مدني شرعي وقانوني.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في قيام الإخوان بتعبئة سياسية وشعبية واسعة من أجل مواجهة مشروع التوريث، وهذا على الأرجح ما لا ينوي الإخوان القيام به، فهم سيدخلون في "مواجهة محسوبة" مع النظام في حال إذا أقدم على توريث السلطة، بمعنى القيام باحتجاجات وتظاهرات محسوبة كتلك التي جرت في أثناء أزمة القضاة حيث قدم الإخوان دعما سياسيا ودعائيا للقضاة الإصلاحيين، ولكنه لم يصل إلى حد الدخول في مواجهة مفتوحة مع النظام القائم عن طريق حشد عشرات الآلاف من أنصارهم في القاهرة وباقي أنحاء الجمهورية، وهو الأمر الذي اعتبرته الدولة خطا أحمر يجب على الإخوان ألا يتجاوزوه، وأرسلت لهم رسائل قوية بهذا الشأن دفعتهم إلى التراجع عن التظاهر في أماكن بعينها (أمام قصر عابدين وميدان التحرير وغيرها)، وعدم حشد أكثر من 5 آلاف متظاهر في أي مسيرة يشاركون بها.

والمؤكد أن المواجهة المفتوحة مع النظام غير مضمونة العواقب إلا إذا جرت بالتنسيق مع بعض الأجنحة داخل الدولة، وهو أيضا أمر لا تبدو هناك مؤشرات على إمكانية حدوثه، خاصة أن كادر الإخوان "بلا دية"، واعتقاله أو التنكيل به لا يثير أي ردود فعل دولية تذكر في عصر المعايير الأمريكية المزدوجة، فينال الليبراليون واليساريون وكل القوى والتيارات المدنية من غير الإخوان دعما غير مباشر من أمريكا عن طريق الضغط (المتفاوت في قوته تبعا للأوضاع الدولية والإقليمية) على النظام المصري للإفراج عنهم أو تحسين معاملتهم، في حين تصاب المؤسسات الأمريكية بصمت مطبق حين يتعلق الأمر بمعتقلي التيارات الإسلامية بما فيها السلمية.

ومع وجود قناعة لدى قطاعات واسعة من النخبة السياسية بأن الشعب المصري لن يتحرك في مواجهة قضية التوريث أو أي قضية أخرى تتعلق بعملية الإصلاح السياسي (تعديل الدستور ومدة الرئاسة وغيرهما) سيصبح من غير المفهوم أن يدخل الإخوان (أو غيرهم) في مواجهة سافرة مع النظام، يدفعون ثمنها الباهظ بمفردهم وتتفرج عليهم الجماهير، ويخسر نتائجها كلا الطرفين.

حسابات معركة التوريث

سيبقى الرفض الصارم للإخوان لمشروع التوريث، والاستعداد للدخول في "مواجهة محسوبة" مع جناح التوريث داخل النظام المصري، أمرًا لا بديل عنه لإجهاض المشروع والحفاظ على دور الإخوان السياسي، وذلك عن طريق التحالف مع قوى إصلاحية داخل النظام وخارجه، تضم جانبا من تكنوقراط الدولة وبعض رجال الأعمال والشخصيات العامة والمثقفين، من أجل مواجهة مشروع التوريث؛ وهو ما سيؤدي بالتالي أو بالنتيجة في حال نجاح "الحلف الإصلاحي" في تسييد خطاب عاقل يحد من شعارات العزلة على الواقع التي تطرحها بعض القوى التي تركض (وتصرخ) في أماكنها منذ عقود وساهمت في وضع كل قوى المعارضة على نفس خط البداية.

والراجح أن معركة التوريث ستحسم داخل النظام وفي قلب مؤسسات الدولة أساسا، فلكي ينجح هذا المشروع يستلزم إتمامه في ظل حكم الرئيس مبارك، وهو أمر لا يبدو أنه قد قبله بعد، وفي حال غيابه قبل إتمام التوريث، سيعني تلقائيا نهاية المشروع.

إن الدور الحاسم الذي يمكن أن يلعبه الإخوان من أجل إفشال مشروع التوريث هو في التواصل مع الاتجاهات الإصلاحية داخل الدولة وخارجها، لمواجهة خطر التوريث القسري للسلطة؛ لأن هذا التواصل سيعني من جهة بناء جبهة واسعة من أجل الديمقراطية والإصلاح يتحول فيها الإخوان بالكامل إلى تيار سياسي مدني يحتمي بتلك التيارات، من أجل وضع شروط أفضل للعمل السياسي يستفيد منها الإخوان وباقي القوى الأخرى.

ومن المهم أن تعي القوى السياسية المعارضة وعلى رأسها الإخوان (كأكبر جماعات المعارضة) أن معركتها القادمة ستكون في كيفية إسماع صوت الإصلاح وجانب من نبض الشارع إلى بعض أجنحة نخبة الدولة التي بات من الواضح أنها هي (ولا أحد غيرها) التي ستحسم معركة التوريث، وأن التواصل مع هذه الأجنحة ذات الميول الإصلاحية، من شأنه أن يحبط مشروع وراثة الفساد والاستبداد.


خبير في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات