English

 

الاثنين. ديسمبر. 18, 2006

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » مصر

 
أهم الأخبار  

واقعية أمريكا.. تخفض سقف الإصلاح المصري

ســـامح فــوزي

ميشيل دن
ميشيل دن
كشفت ردود أفعال الإدارة الأمريكية طيلة عامي 2004 و2005 عن أن سقف توقعاتها للتحول الديمقراطي في مصر شديد الانخفاض، وهي على استعداد أن تبارك تحولات تراها "كبرى"، في حين أن اللاعبين الأساسيين في ملعب السياسة المصرية يرونها "صغرى". كما أسهم تفاقم العنف على نطاق واسع في العراق، والتيقن من ضعف المعارضة العلمانية إلى اعتقاد صانع القرار الأمريكي من أن البديل الأساسي المطروح إذا حدث تحول سياسي شامل هو "الإسلام السياسي"، وما انتهت إليه الانتخابات الفلسطينية جعل سقف التوقعات الأمريكية للديمقراطية في مصر أكثر "انخفاضا"، رغبة في اتقاء صعود الإسلام السياسي.

وجاء الموقف المصري الرسمي اتساقا مع غالبية الموقف العربي الحكومي، في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، والذي لم يؤيد حزب الله، بل وجَّه انتقادات لاذعة إليه، ليسهم في عودة تفكير واشنطن في الدور الذي تلعبه الأنظمة الصديقة في العالم العربي لخدمة المصالح الأمريكية في مواجهة البديل الإسلامي الذي تراه في موقف من يود تحطيم إسرائيل، ويهلل للقنبلة النووية الإيرانية المقبلة، ويقف وراء أعمال العنف الدموي في العراق... إلخ.

إذن نحن نتعامل مع سقف توقعات أمريكية وأوربية "منخفضة" للتحول الديمقراطي في المنطقة العربية عامة، ومصر بصفة خاصة، حيث يغلب -كالعادة- في التعامل مع المنطقة العربية المكون "الواقعي" على المكون "الليبرالي" في السياسة الخارجية الأمريكية على النحو الذي أسهب في شرحه مايكل ماكفول. وباتت الولايات المتحدة تنشد استقرار هذه البقعة، تاركة جانبا مشروع "الفوضى الخلاقة" الذي طرحته في البداية كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية بوصفه مدخلا للتغيير.

أطروحات "الإستراتيجية الخشنة"

في دراسة مهمة بعنوان "تقييم الإصلاح المصري" Evaluating Egyptian Reform تناولت ميشيل دن Michele Dunne التحولات الأخيرة في مصر من منظور نقدي. تعمل ميشيل دن حاليا في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، وسبق لها العمل في السلك الدبلوماسي في السفارة الأمريكية في القاهرة، وكانت تعمل إلى وقت قريب عن كثب مع كونداليزا رايس.

تذهب ميشيل دن إلى أن التحولات السياسية التي شهدها عاما 2004 و2005 كانت غير مسبوقة لعقود طويلة في التاريخ المصري على مستويات مختلفة، لكن هذه التحولات لا تعدو إلا أن تكون "تجميلية" لبقاء النظام الراهن، ولم ترس دعائم على طريق التحول الديمقراطي؛ وهو الأمر الذي يضع الولايات المتحدة وأوربا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما دفع الحكومة المصرية على طريق الإصلاح الديمقراطي من أجل تغيير حقيقي، أو دعم النظام في تجاهل أو على أحسن تقدير الاستجابة المحدودة للدعاوى الإصلاحية. وترى ميشيل دن أن البديل الثاني -مع مرور الوقت- قد يؤدي إلى هزيمة المعارضة السياسية، ويأسها، وترسيخ دعائم حكم غير ديمقراطي، وهو ما يعني تمديد حالة الركود السياسي. وذهبت إلى أن الترحيب المبدئي من جانب الإدارة الأمريكية بمبادرة تعديل المادة (76) التي سمحت بإجراء انتخابات رئاسية تعددية لم يخدم قضية التحول الديمقراطي؛ نظرًا لأن النتيجة النهائية لهذا التحول السياسي لم تؤد إلا إلى انتخابات تعددية شكلا دون أي مضمون تنافسي.

وتصل ميشيل دن في دراستها إلى القول بأن التحول الديمقراطي يتوقف على اتخاذ مبادرات فعلية لتطوير الحياة السياسية مثل رفع القيود القانونية المفروضة على حركة الفاعلين السياسيين، وتفعيل منظمات المجتمع المدني، وإلغاء القوانين المقيدة ومنها حالة الطوارئ، وتمكين البرلمان من ممارسة مهامه التشريعية والرقابية، والتأكيد على حياد أجهزة الأمن على نحو يؤدي إلى حماية الدولة ذاتها من مخاطر عديدة أهمها الإرهاب أكثر من حماية النظام من المعارضين، ولا سيما إن كانوا ينتهجون الوسائل السلمية في التعبير عن قناعاتهم.

وتدعو ميشيل دن الإدارة الأمريكية إلى استخدام بعض المساعدات الاقتصادية والتجارية الأمريكية المقدمة لمصر لتسريع وتيرة التحول الديمقراطي، وترى أن مجرد الإعلان عن ذلك يعطي في حد ذاته "قوة دفع" -غير مباشرة- للمعارضة السياسية، للاستمرار في نشاطها.

إستراتيجية بوش "أكثر نعومة"

إستراتيجية الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بالتحول الديمقراطي في مصر "أكثر نعومة" مما تطرحه ميشيل دن. فإدارة بوش لا تبغي -كما يبدو- سوى تحسين شروط الحياة السياسية في اتجاه التعددية شكلا. وبرغم أن هناك أصواتًا زاعقة في الكونجرس تود أن تتحول هذه الإستراتيجية الناعمة إلى إستراتيجية خشنة، وأن هناك مسئولين مثل ديك تشيني -نائب الرئيس الأمريكي- ينتقدون بشدة المستوى الراهن للتحول الديمقراطي في مصر، كل ذلك لم يحرك الإدارة الأمريكية في اتجاه دفع النظام على طريق التغيير الديمقراطي بشكل متسارع، والسبب يعود إلى اعتبارات معقدة تتصل بالمكون الواقعي في السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط؛ وهو ما يجعلها دائما أسيرة علاقة الحب والكراهية مع "الأنظمة العربية الصديقة".

من المعروف أن الرئيس بوش من الرؤساء الأمريكيين الذين جعلوا من نشر الديمقراطية قضية "أمن قومي" للولايات المتحدة. ألقى بوش خطابا حماسيا بمناسبة مرور 20 عاما على إنشاء الوقفية الوطنية للديمقراطية NED في نوفمبر 2003 عن ضرورة الإصلاح والديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط. وخصص جزءًا كبيرًا من خطابه في مطلع ولايته الثانية، وكذلك خطاب حال الاتحاد أمام الكونجرس في عام 2005 للحديث عن أهمية نشر الديمقراطية. وقال صراحة: إن "الحرية في الولايات المتحدة تعتمد على الحرية في العديد من بقاع العالم". وخص في خطابه كلا من السعودية ومصر برغبته في المضي قدما على طريق الديمقراطية.

هناك تقرير مهم صدر عن مجلس العلاقات الخارجية في عام 2005 بعنوان "دعم الديمقراطية العربية: لماذا وكيف؟" In Support of Arab Democracy: Why and How. رأست الفريق الذي أعد التقرير "مادلين أولبرايت" وزيرة الخارجية الأمريكية في إدارة كلينتون. وإذا نظرنا إلى فريق البحث نجد أن من بينهم من عمل في ظل إدارة الرئيس بوش مثل ميشيل دن Michele Dunne. وكذلك لاري دايموند Larry Diamond- الزميل بمعهد هوفر بجامعة ستانفورد، وله مؤلفاته في الديمقراطية، وسبق أن استعانت به إدارة بوش لوضع إستراتيجيات لبناء نظام ديمقراطي في العراق. هذا التقرير لم يخف أن التغيير الديمقراطي قد يحمل نتائج عكسية في المنطقة العربية، حتى لو كان ذلك على المدى القصير. لكنه عاد وأكد أن استمرار "الوضع الراهن الاستبدادي" قد يحمل مخاطر -على المدى الطويل- بالنسبة للولايات المتحدة. فمن ضمن ما ورد في التقرير الخوف من أن يؤدي التغيير السياسي -أولا- إلى عدم استقرار نتيجة تفشي النزاعات العرقية، وصعود التيارات الإسلامية التي تقف موقف المعارضة من السياسة الأمريكية.

وتخشى واشنطن -ثانيا- أن يقود التغيير السياسي إلى تنحية القادة العرب الذين يشاركون الولايات المتحدة حربها الكونية ضد الإرهاب، وما يترتب على ذلك من تداعيات سلبية على الاستقرار الإقليمي والسلام. يضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة تخاف من أن تؤدي الضغوط على الحكام العرب للاتجاه نحو الإصلاح السياسي إلى لجوء هؤلاء الحكام إلى تكوين موقف معارض للسياسة الأمريكية، على نطاق أوسع في المنطقة، ولا سيما أن هناك رصيدا من الكراهية لدى الجماهير تجاه السياسة الأمريكية التي ينظرون إليها بوصفها سياسة معادية للعرب والمسلمين، وهناك العديد من المشاهدات التي تؤكد هذه الوجهة من النظر من أفغانستان إلى فلسطين مرورا بالعراق. هذه التحولات -في رأي بعض الدوائر الأمريكية- قد تسهم في إيقاظ تنظيم القاعدة، وخلاياه العديدة، وتمنحه "تربة خصبة" للنمو والانتشار.

التوافق الإستراتيجي

هذه الاعتبارات، وغيرها، تجعل الموقف الأمريكي تجاه نشر الديمقراطية في مصر يتسم بعدم الاتساق، ويغلب عليه الرغبة في "تطوير النظام القائم"، وليس تغييره على نحو درامي. وبرغم الارتباط بين قضيتي الإرهاب والديمقراطية في الموقف الأمريكي -منذ أحداث 11 سبتمبر 2001- فإن الموقف من الإرهاب يأتي أولا، قبل نشر الديمقراطية.

في قمة بوش - مبارك في ولاية تكساس في إبريل 2004 تحدث بوش -بوضوح- مع نظيره المصري عن أهمية تعميق الديمقراطية، ومساندة الولايات المتحدة للتحول الديمقراطي في مصر. وبرغم ذلك، فإن واشنطن تضع في اعتبارها حسابات معقدة فيما يتعلق بنشر الديمقراطية في مصر. ففي البيان الإعلامي الصادر عن البيت الأبيض عشية زيارة الرئيس مبارك لولاية تكساس للاجتماع بالرئيس الأمريكي جاء التركيز على "الجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب" قبل الحديث عن أهمية نشر "الحرية والرخاء في منطقة الشرق الأوسط".

وفي الكلمة التي ألقاها بوش في المؤتمر الصحفي الذي عقده في أعقاب اللقاء كان هناك تركيز مفرط على قضيتي مكافحة الإرهاب، والسلام في الشرق الأوسط. أشاد الرئيس بوش أولا بدعم الرئيس مبارك له في الحرب الكونية ضد الإرهاب، وفي جهود استقرار العراق. وبعد أن حيا التعاون التجاري المصري الإسرائيلي ذكر عبارات عائمة عن الإصلاح والديمقراطية في مصر، حيث قال بالنص: "تحدثت مع الرئيس مبارك عن مستقبل الشرق المنطقة ومصر".

وكما أن مصر أرست الطريق إلى السلام في الشرق الأوسط، فإنها سترسي النموذج في المنطقة من أجل الديمقراطية من خلال تعزيز المؤسسات الديمقراطية، والمشاركة السياسية. واستطرد قائلا: "إنني متفائل بالجدل الدائر حاليا في مصر حول الإصلاح، متضمنا ما جرى من مناقشات رائعة في مكتبة الإسكندرية في شهر مارس 2005، ويستطيع الرئيس مبارك أن يثق في صداقتي، والشراكة مع الولايات المتحدة وهو يمضي قدما لتحقيق آمال شعبه".

وفي كلمات العزاء التي سجلها الرئيس الأمريكي في السفارة المصرية في واشنطن في يوليو 2005، في أعقاب الحادث الإرهابي الذي وقع في شرم الشيخ أكد بوش على "تصميمه مواصلة الوقوف إلى جوار حكومة مصر، وشعب مصر، في رفض هذا النوع من العنف والإرهاب". وأشار إلى أنه نقل "تصميم بلاده للرئيس مبارك للوقوف بجوار الشعب المصري".

مما سبق يتضح أن المصالح الأمريكية في مصر واضحة، يلخصها تقرير مهم صدر في منتصف مايو 2005 أعده جيرمي شارب Jeremy Sharp -بقسم العلاقات الخارجية والدفاع والتجارة المعني بتقديم خدمة بحثية لأعضاء الكونجرس- حول العلاقات المصرية الأمريكية ذكر أن مصالح الولايات المتحدة في مصر تنحصر في أربعة مجالات أساسية:

أولا: الإفادة من موقع مصر القيادي في المنطقة العربية. في السابق قادت مصر التوجه العربي شطر الاتحاد السوفيتي طلبا للسلاح، وفي الوقت الراهن استطاعت التأثير على الدول العربية للتعاون في الحرب ضد الإرهاب.

ثانيا: تدعيم الصوت المصري "المعتدل" في جامعة الدول العربية، ويمكن لمصر إقناع الدول العربية الأقل اعتدالا بأهمية تغيير نهجها، واللجوء إلى المواءمة مع المتغيرات. واستطاع الرئيس حسني مبارك أن يحمل مقترحات السلام ما بين سوريا ولبنان والولايات المتحدة وإسرائيل والأردن والفلسطينيين. وفي ذلك هو يتشاور مع قادة ليبيا والسودان والعراق.

ثالثا: الحفاظ على معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية.

رابعا: التعاون في الدفاع عن الأصدقاء الإقليميين، وهو ما ظهر جليا في المشاركة المصرية الفعالة في حرب تحرير الكويت عام 1991، والتعاون العسكري مع القوات الأمريكية التي قامت بغزو العراق عام 2003، التعاون بين القوات العسكرية في البلدين في إجراء مناورات، أشهرها النجم الساطع.

وبرغم أن التقرير وضع "الإصلاحات السياسية" ضمن ما أطلق عليه "قضايا في العلاقات المصرية الأمريكية"، فإن من أعده اكتفى بتوجيه النظر إلى ما سمَّاهم "الإصلاحيين الشباب" الراغبين في "تغيير سريع بعيد المدى" -على حد تعبيره- الذين يواجهون "الحرس القديم" الذي ينتمي إلى المدرسة التقليدية التي تفضل التغيير المتأني.

اقرأ في هذا الموضوع:


صحفي وباحث، مدير مؤسسة "مواطنون من أجل التنمية" ـ مصر.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات