English

 

الخميس. مارس. 30, 2000

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » شئون عربية

 
أهم الأخبار  

الواقع الأَمْني الأوروبي.. محاولات الاستقلال

أحمد عبد الفتاح

الأوضاع الأمنية الأوروبية الحالية لها تراثها التاريخي الطويل، فالحروب لم تنقطع في التاريخ الأوروبي إطلاقًا إلا في النصف الثاني من القرن الميلادي العشرين، وهذا ما يشمل العصر الاستعماري والاقتتال بين الدول الاستعمارية على اقتسام الغنيمة فيما يسـمى الجنوب، ولم ينقطع الصراع بسبب عودة الأوروبيين إلى رشدهم، ورسوخ القيم الإنسانية في أذهانهم، وغلبة مفهوم "الأسرة البشرية الواحدة" على مفاهيم النزعات القومية والفرق الدينية سابقًا، قدر ما انقطع لأنّ معطيات التطور التقني بدّلت نسيج العلاقات الأوروبية في إطارها الغربي وليد الحربين العالميتين، فأوجدت حقبة جديدة من العلاقات الاقتصادية المتشابكة، خلفت حقبة الاستغلال الاستعماري، ليظهر مصطلح التنافس مكان الصراع وليتحوّل محوره الرئيسي إلى علاقات الشمال والجنوب –بمعنى الصراع على النفوذ والهيمنة في الجنوب- بدلاً من العلاقات بين أطراف الشمال داخل أراضيها.
     لقد أصبحت الصيغة الأمنية الأوروبية جزءاً أساسيًا لا ينفصل عن الصيغة الاقتصادية الجديدة، التي أعطت الولايات المتحدة الأمريكية بعد انهيار أوروبا اقتصاديًا في الحرب، موقع الزعامة المالية والاقتصادية .. وبالتالي السياسية والأمنية، وهو ما اسـتمر طيلة حقبة الحرب الباردة . وهذا ما يفسر مثلاً إخفاق المحاولة الأولى للأوروبيين أن يتحركوا أمنيًا بمفردهم عند تأسيس منظمة " الاتحاد الأوروبي الغربي" في السنوات الأولى بعد الحرب، وفور حل عقدة النزاع الفرنسي-الألماني وبدء مسيرة الوحدة الاقتصادية بولادة السوق الأوروبية المشتركة التي انبثق عنها الاتحاد الأوروبي.
     ولكنه يفسر في الوقت نفسه تطلع الأوروبيين بعد نهضتهم الاقتصادية وفور التخلص من قيود الحرب الباردة، إلى إعادة الحياة لتلك المنظمة التي بقيت أكثر من أربعين سنة مجمدة .. لا تجد لنفسها أي مكان إلى جانب حلف شمال الأطلسي المهيمن، وأصبح هذا الهدف الجديد محورًا رئيسيًا في دعوات التميز الأمني الأوروبي .. التي لا تعني في واقع الأمر سوى ما يفهمه الأمريكيون منها تمامًا، وهو الاسـتقلال بالقرار الأمني العسكري أوروبيًا عن الزعامة الأمريكية المهيمنة عبر الحلف. وبالتالي كانت المساعي الأوروبية تواجه الرفض الأمريكي المتكرر وفق صيغة تقول: المطلوب أن يحمل الأوروبيون مسؤولية أكبر في القطاع الأمني .. ماليًا، وبالتجهيزات العسكرية، ولكن تحت المظلة الأطلسية وليس خارج نطاقها.
     وقد تم بالفعل إجهاض محاولات أوروبية أولى مثل تشكيل فيلق فرنسي-ألماني مشترك كنواة لقوة عسكرية أوروبية، أو تم إضعافها وتأخيرها على الأقل .. وانطوت الجهود الأمريكية على عدد من الخطوات المباشرة لهذا الغرض، بما فيها السعي للإيقاع بين الألمان والفرنسيين، والتلويح بخطر " العدو البديل " ثم تجديد مفعول خطر " نكسة روسية محتملة ".. بل وصل ذلك إلى مستوى الدخول مع الاتحاد الروسي في اتفاقيات للحد من التسلح النووي بعيد المدى دون أن يشمل الأسلحة الروسية النووية متوسطة المدى التي تمثل خطرًا على أوروبا وليس على الولايات المتحدة الأمريكية، كما دعمت واشنطون الجهود الروسية الأولى لاستعادة نفوذها وسط آسيا، فنشرت المخاوف في شرق أوروبا وغربها من احتمال تجدد التطلع إلى الهيمنة أوروبيًا أيضا، حتى إذا اندلعت حرب البلقان، واستمرت أربع سنوات قبل التدخل الأطلسي فيها، ساهم الأمريكيون إسـهامًا رئيسـيًا في نقل " القرار الأمني والسياسي " بشأن البلقان إلى الساحة الدولية فيما سمي المجموعة الخماسية، مما جعل من البلقان ثغرة عادت موسكو عبرها إلى ساحة المشاركة في اتخاذ القرار الأمني الأوروبي.
     لقد جدّدت هذه التطورات الحديث عن "خطر" مستقبلي محتمل من الشرق، لا يسمح للأوروبيين بالتخلي عن المظلة الأمريكية-الأطلسية الواقية، فتعثرت الجهود الأوروبيـة للتميز الأمني رغم تثبيته منذ سـنوات في اتفاقية ماستريخت. وآنذاك فقط شهدت السياسة الأمنية الأمريكية تطوّرًا حاسمًا، بالتحول من معارضة توسع الأطلسي شرقًا، إلى تأكيده، ممّا سبب تلقائيًا ردود فعل روسية ساهمت في تعزيز المخاوف الأوروبية، وبدأ الخلاف الروسي-الأوروبي يتصاعد حتى بلغ ذروته مع اندلاع الحرب الأطلسية ضد صربيا والتي حملت عنوان حرب كوسوفا.
     ولكن هذه الحرب بالذات كانت المنطلق إلى تجديد مساعي التميز الأوروبية وإعطائها دفعة جديدة لم تعد تراعي الرغبات الأمريكية كما كانت، وهو ما برز للعيان جنبًا إلى جنب مع البحث عن نهاية للحرب بمشاركة موسكو، وهو ما اقترن بإعلان الأوروبيين عن خطوات جديدة لتعيين مفوض يتحدث باسم الاتحاد الأوروبي على صعيد السياسة الخارجية، ولتشكيل قوات مسلحة أوروبية قوامها ستون ألف مقاتل قبل عام 2003 م.
     وتجددت المعارضة الأمريكية الشديدة كما ظهر بوضوح وبصراحة تتجاوز الاعتبارات الدبلوماسية، أثناء ندوة الشؤون الأمنية في اجتماعها السنوي الأخير في ميونيخ، ولم يمنع ذلك من اسـتمرار الأوروبييـن على طريقهم الجديد، وهو ما ينتظر اتخاذ قرار حاسم بصدده في القمة الأوروبية الاستثنائية في نهاية آذار / مارس 2000 م .

على ضوء ما سبق يمكن تحديد عناصر الصيغة الأمنية الأوروبية الراهنة في النقاط التالية :
  1- ما تزال أوروبا مرتبطة بسياستها الأمنية وتسلحها ارتباطًا وثيقًا بحلف شمال الأطلسي، وبالتالي بالصيغة الجديدة التي وضعت لمهامه، والتي تسمح بتحركه دوليًا .. بشروط لم توضع صياغتها بصورة قاطعة.
  2- لا يتوقع أن تسفر جهود التميز الأمني الأوروبي باتخاذ القرار السياسي الأمني وتوفير القدرة العسكرية على تنفيذه إلا بعد سنوات عديدة، تشهد فترة علاقات متوترة تحت السطح مع الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تنطوي على نوع من التقارب مع موسكو، بدأت بوادره في نوعية السياسة الأوروبية المتبعة حاليًا تجاه قضية الشيشان .. وعبر تخفيف المقاطعة الأوروبية لصربيا.
  3- لا تمثل السياسة الأمنية الأوروبية نسيجًا متجانسًا حتى الآن ، وإن كانت ضغوط " العولمة الأمنية " بهيمنة أمريكية، ستسفر على الأرجح عن مزيد من التجانس تدريجيًا، وإلى ذلك الحين، تبقى لبعض الدول اهتماماتها السياسية الأمنية الخاصة، كفرنسـا في المنطقة الإفريقية والعربية، وبريطانيا بتطلعاتها الدولية ومخاوفها من ضعف مكانتها أوروبيًا، فهي لا تريد الوصول بعلاقاتها مع واشنطون إلى درجة الأزمة، وألمانيا التي تريد تثبيت أقدامها على الساحة السياسية الدولية، ولا سيما باتجاه شرق أوروبا، بعد أن استعادت سيادتها الكاملة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم