|
تنعقد خلال أيام قليلة القمة العربية الطارئة لمواجهة التطورات الخطيرة التي وقعت في الأراضي الفلسطينية وربما أتت هذه القمة متأخرة كثيرا عن موعدها ليس لأنها كما يرى البعض، كان من الواجب أن تنعقد فور اندلاع الأحداث، لأن انعقادها على هذا النحو كان سيسبب لها ارتباكاً محققاً بسبب الحالة الراهنة للعلاقات العربية، ومن ثم فإن فكرة الإعداد المسبق لمدة أيام، وليس سنين كما حدث في السابق، فكرة مقبولة. والواقع أن أسرع القمم العربية انعقاداً (أغسطس 1990 في أعقاب غزو الكويت) كانت أكثرها إخفاقاً، ولكن التأخير في تقديري نجم عن أن القمة كان يجب أن تنعقد في إخفاق قمة كامب ديفيد التي تأكدت فيها حقيقة السلام المطروح على الفلسطينيين والعرب عموماً، وكذلك طبيعة الموقف الأمريكي الذي نعلم التحامه عضوياً مع إسرائيل، غير أنه وصل إلى حد الابتزاز بالتهديد غير المباشر بنقل السفارة الأمريكية للقدس، وربما لو عقدت القمة في هذا التوقيت وأفضت إلى موقف عربي فاعل لما وصلنا إلى الحالة الراهنة.
تحديات القمة
وتواجه القمة العربية القادمة تحديات واضحة: أولها يتصل بجدوى انعقادها؛ فهناك من يرى أنها غير مجدية، إما لأنها لن تفعل سوى أن تجهض انتفاضة الشعب الفلسطيني، سواء بتبني موقف لا يتناسب مع تضحياته في انتفاضة الأقصى، أو بإعطاء الإيحاء لهذا الشعب المناضل وغيره من الشعوب العربية بأن حكامه يقومون بالواجب، ومن ثم فلا داعي للنضال، وهناك من يرون أن القمة إن كانت لن تصل إلى خيار الحرب فلن تكون لها قيمة أو معنى.
وفي مناقشة هذه الآراء نلاحظ أن القمم العربية كانت تنعقد لمواجهة تحديات رئيسة نبع معظمها من التهديد الإسرائيلي، وقد نجح بعض هذه القمم وأخفق البعض الآخر، ومضت شريحة ثالثة دون بصمة واضحة على الأحداث، ولذلك فإن القطع بأن القمة القادمة لن تكون مجدية ليس دقيقاً من هذا المنظور، وأما القول بأن القمة سوف تنتهي بموقف متخاذل يجهض انتفاضة الشعب الفلسطيني فهو مصادرة عليها وانتقاص من قيمة نضال ووعي هذا الشعب، فضلاً عن أنه قول غير صحيح. ولعلنا نتذكر أن الانتفاضة الفلسطينية التاريخية قد تفجرت في أعقاب قمة 1987 التي أضافت ضمن عوامل أخرى إلى إحباط الشعب الفلسطيني أي أن قمة عربية ما بفرض تخاذلها يمكن أن تؤدي إلى تأجيج النضال وليس تصفيته.
قرار الحرب
وبخصوص حصر القمة في خيار الحرب أو حتى طرحه عليها، فهو مسألة خطيرة تعني أن البعض ما زال يتصور أن شن الحرب هو مجرد قرار سياسي يمكن تنفيذه بعد ساعات أو أيام، وقد يكون الأجدر أن تطرح أمام القمة مسئولية النظر في سبل تصحيح الخلل في ميزان القوى العربي - الإسرائيلي بالمعنى الشامل للقوة الذي يتضمن جوانب اقتصادية ودبلوماسية وإعلامية، فضلاً عن الأشكال المختلفة للمقاومة التي هي حق مشروع للشعوب الخاضعة للاحتلال وفقاً للقانون الدولي، ولو صح أن خيار الحرب النظامية الشاملة مطروح على العرب الآن فهو مسألة تحتاج بعد القرار السياسي إلى إعداد حقيقي وإلا تحولت إلى انتحار جماعي.
يبدو بوضوح إذن أن القمة العربية مطلوبة ويمكن أن تكون مجدية حتى ولو استبعدت مقدما خيار الحرب. ومع ذلك فسوف تبقى معرضة لعدم حضور جميع القادة العرب لها، وهو أمر لا ينبغي أن يزعجنا كثيراً طالما أنه من الأفضل أن تعقد القمة بين القادة الذين يوافقون على حضورها أياً كانت، وتبلور الاتجاه السائد في النظام العربي وتضعه موضع التطبيق بدلاً من أن يبقى السلوك العربي مشتتاً على نحو كامل. وسوف يبقى الأمل دائماً في أن القمم التالية سوف تعمل بعد ذلك بطريقة البلورة فكلما نجح قرار لها ازداد الالتفاف حولها.
القمة وتحدي الجماهير
ولا شك أن مما يزيد من فرص القمة القادمة أنها تتم استناداً إلى تحرك غير مسبوق منذ مدة ليست بالقصيرة للشارع العربي، وهو تحرك يفترض أن يدفعها إلى تبنى قرارات جادة وفاعلة في مواجهة الخصوم الذين يتصورون أن الحكام العرب يمكنهم أن يقبلوا أي شيء دون رجوع إلى شعوبهم، أو على الأقل وضع رأي هذه الشعوب في الحسبان، والواقع أن إخفاق القمة لا- قدر الله- في ترجمة روح التحركات الشعبية العربية إلى قرارات ملموسة سوف يهدد بتحويل التناقض العربي الصهيوني إلى تناقض عربي - عربي بين الشعوب وحكامها على نحو يمكن أن يؤثر على مستقبل الاستقرار في المنطقة.
وبالمقابل يلاحظ أن قوى دولية معينة، وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية، لا يسعدها أن تنعقد قمة عربية لأسباب واضحة، ولذلك فسوف تظل حتى اللحظة الأخيرة تسعى إلى تخريبها، إما بالعمل على عقد اجتماعات غير عربية قبلها تعطي الانطباع بأن الأمور عادت إلى سيرها الطبيعي، كما حدث في قمة شرم الشيخ، ومن ثم فلا داعي الانعقاد القمة، أو إذا كانت لا محالة منعقدة فلا ضرورة لأن تتخذ قرارات تنطوي على أي نوع من التشدد، أو بإظهار مواقف أمريكية - أو حتى إسرائيلية - تتصف ظاهرياً بالمرونة قبل انعقاد القمة مباشرة مما يعزز مواقع "المعتدلين" داخل القمة العربية ويفوض موقف المطالبين بقرارات متشددة. وهذه كلها أمور ينبغي التحسب لها على نحو يضمن انعقاد القمة العربية وعدم تحولها إلى شكل خال من المضمون.
خيارات القمة
ولعل التحدي الاستراتيجي الحقيقي الذي ستواجه القمة بعد ذلك هو أنها تعمل في إطار ما يعرف بالخيار الاستراتيجي للسلام، وقد سبقت الإشارة إلى أن قرار الحرب، حتى ولو كان ممكنا طرحه، يحتاج بداهة لمدة طويلة حتى يطبق ويعني هذا أن القمة مطالبة بإصدار قرارات فاعلة، ولكن في الإطار الدبلوماسي أساساً. ولا شك أن الشعوب العربية لن تقبل أن تكتفي القمة بإظهار التأييد للفلسطينيين والتأكيد على ضرورة إعادة إسرائيل جميع الحقوق العربية، أو بإدانة وشجب السلوك الإسرائيلي، وإنما يتعين أن تتنقل القمة خطوة إلى الأمام. وهنا تثور إمكانية استخدام أ وراق معينة ومن هذه الأوراق على سبيل المثال أن القمة يمكن أن تؤكد في قراراتها على ضرورة الوقف الفوري والكامل للعنف ضد الفلسطينيين، وتشكيل لجنة تحقيق دولية لتحديد المسئولية عن الأحداث الأخيرة، وإلا فإن الدول العربية مضطرة لوضع قرارات قمة 1996 موضع التنفيذ، وهي تلك القرارات التي أشارت إلى أنها- أي الدول العربية- سوف تضطر جميعها إلى إعادة النظر في الخطوات المتخذة تجاه إسرائيل في إطار "عملية السلام"، ومعنى هذا أن الدول العربية لديها المبرر السياسي لاستخدام ورقة العلاقات مع إسرائيل: رسمية كانت أو غير رسمية، كأداة للضغط من أجل الوقف الفوري والكامل للعنف ضد الفلسطينيين.
وهناك مدى كامل لاستخدام هذه الورقة يبدأ باستدعاء السفراء للتشاور، وينتهي بقطع العلاقات. ويتضمن بين هذين الطرفين تجميد تبادل الخبراء والزيارات والعودة للمقاطعة الاقتصادية الكاملة.. إلخ، وسوف تختار القمة من هذه البدائل ما يلائم ظروف الدول المشاركة، بشرط الارتفاع إلى مستوى الموقف، والالتزام بتنفيذ ما يتخذ من قرارات. ويلاحظ أن هذا التصور يقوم على أساس ربط استخدام ورقة العلاقات مع إسرائيل بوقف العمليات الإسرائيلية الهمجية ضد الشعب الفلسطيني، و"هذا أضعف الإيمان"، أما القول بأن القمة يجب ألا تفكر من قريب أو من بعيد في استخدام هذه الأوراق فخير منه ألا تنعقد أصلا.
ومن ناحية أخرى تستطيع القمة رداً على مسئولية إسرائيل عن الأحداث الدامية والأخيرة، أن تعلن في إطار استمرار التزامها بخيار السلام تجميد المفاوضات بشكل مؤقت إلى حين تقديم إسرائيل لما يثبت صدق نيتها في التوصل إلى تسوية معقولة.
فليست هناك قوة على الأرض تستطيع أن تجبرنا على الدخول في مفاوضات استنادا إلى عروض هزيلة وخطيرة يمكن أن يؤدي قبولها إلي إخلال جسيم بالاستقرار في المنطقة. وقد آن الأوان لاستبعاد تلك الفكرة السخيفة حول إمكان التوصل إلى تسوية تاريخية للصراع في غضون أسبوع أو اثنين أو حتى شهور قلائل، فهي- أي تلك الفكرة- ليست سوى مظهر من مظاهر غياب المبادرة العربية في عملية التسوية. كذلك سوف تكون القمة مطالبة بالنظر في التهديدات التي تطلقها إسرائيل دون حساب ضد لبنان وسوريا. وهناك موقف معلن لكل من مصر والسعودية يؤكد مساندتهما لسوريا ولبنان يمكن أن يبني عليه.
وبما أنه قد سبقت الإشارة إلى أن ظروف النظم العربية لا تسمح لها بشن حرب فإن القمة مطالبة بتدارس السبل المختلفة لتأييد سوريا ولبنان إذا تعرضتا- لا قدر الله- لعدوان سافر - وهي بالمناسبة سبل عديدة - وتقديم قرار مناسب في هذا الخصوص. وقد تصل القمة في هذا إلى الدعوة لعقد جلسة طارئة لمجلس الدفاع المشترك يكون واضحاً أن غرضها دفاعي بحت، وهو النظر في سبل مواجهة التهديدات الفعلية القائمة.
ومن ناحية أخرى فإن القمة العربية لابد مطالبة بموقف واضح من مسألة نقل سفارات الدول في إسرائيل إلى القدس، والتأكيد على مخالفة مثل هذا السلوك- إن وقع- لقرارات مجلس الأمن، وأنه يقوض من ثم الأساس القانوني والسياسي لإلزامية قرارات هذا المجلس، ويعطي كل دولة الحق في أن تؤسس التزامها بهذه القرارات من عدمه على أساس من مصالحها وحدها مما يفضي إلى وضع دولي خطير.
وأخيراً وليس آخرا، فإن القمة لابد وأن تؤسس لجنة متابعة من عدد من الدول التي حضرت، وإلا فإن قراراتها سوف تكون معرضة للتجميد أو الذوبان في الأحداث كما وقع لسابقتها. كما أننا يجب ألا ننسى أن عدداً من أهم القضايا موضوع الصراع الحالي يمثل بطبيعته قضايا إقليمية وعالمية كقضيتي القدس واللاجئين، ولذلك فإن لجنة المتابعة المقترحة هذه تحتاج إلى أن تضع مشروعاً عربياً تفضيلياً للتسوية يحدد بوضوح ما يمكن ما لم تكن القمة قد أوجدت أرضية مشتركة على الأقل بين ما يسمى بدول الطوق في هذا الخصوص.
هل يتم تنفيذ هذه المقترحات المتواضعة؟
قد يرى البعض أن المقترحات السابقة متواضعة للغاية، وقد تكون كذلك، غير أن المطالبة بأكثر منها أمر لا تحتمله قمة عربية في الظروف الراهنة. ومع ذلك فإن تبنت أقواها والتزمت بتنفيذه، فسوف يمثل هذا نقلة نوعية في أداء القمم العربية في العقود الأخيرة، وإلا فإن أخشى ما يخشاه المرء أن تفقد القمم العربية مصداقيتها بما يفتح الباب- لا قدر الله- إلى تراجع إلي الخلف وبروز التناقضات العربية – العربية إلى مقدمة العوامل الحاكمة للتطورات اللاحقة في الوطن العربي. وسوف يبقى استمرار نضال الشعب الفلسطيني وتحرك الشارع العربي المساند له هما الضمانة الحقيقية لتحقيق إنجاز عربي مازال ممكناً في صراع طال أمده وغذت إسرائيل بتصرفاتها الأخيرة استمراره لعقود قادمة.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة وعميد معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة.
|