English

 

الجمعة. مايو. 11, 2001

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » اليمن

 
أهم الأخبار  

دمج المعاهد الدينية اليمنية.. الصراع على المكشوف

سعيد ثابت - قدس برس - إسلام أون لاين.نت

الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر زعيم الإسلاميين
الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر زعيم الإسلاميين
صنعاء - دخلت الحكومة اليمنية عمليًّا في تنفيذ توجه قديم لديها بدمج "المعاهد العلمية" المتخصصة في التعليم الإسلامي في اليمن، في إطار وزارة التربية والتعليم. وليست هذه المرة الأولى التي تعلن الحكومة اليمنية عن نيتها دمج المعاهد العلمية في أطر التربية والتعليم الرسمية، لكنها المرة الأولى، التي تنفّذ ما ظلت تحلم بتنفيذه، بعد أن اعتقدت بتحررها من الحاجة إلى حلفائها التاريخيين ممثلين في الحركة الإسلامية اليمنية، وبعد أن طرأت متغيرات جديدة ترتبط بهيكلة الدولة ذاتها، وبتعديل جوهرها، دون المسّ بالشكل الجمهوري لها، مما يستدعي إعادة النظر في خريطة التحالفات وترتيب الأوراق؛ لتستقيم مع متطلبات قيادة الدولة في المرحلة القادمة.

تاريخ المعاهد الدينية اليمنية

ويبرز التنقيب في وثائق المعاهد العلمية وأدبياتها للمهتمين بالجدل السياسي الدائر حاليًا في اليمن، أن جذور المعاهد العلمية تعود إلى ما بعد قيام الثورة اليمنية في 26 أيلول (سبتمبر) عام 1962، حين جاءت كبديل للمدارس العلمية التي كانت منتشرة قبل الثورة، غير أنها أهملت شكلاً ومضمونًا، فلا شهادة ولا منهج محدد ولا عناية بها، حتى بادر علماء اليمن ورموز في الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمون) إلى تأسيس معاهد علمية حديثة تجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الطبيعية الدنيوية، وتجمع بين الأصالة والمعاصرة، وذلك في أوائل السبعينيات من القرن الماضي.

بدأت التجربة بمعهد خولان الشهير، وانتظمت مناهجها، وحرص المؤسسون على ألا تكون خارج نطاق رعاية الدولة، لكنها تعرضت لمضايقات من حكومات عهد الرئيس الأسبق القاضي عبد الرحمن الإرياني. ومع تولي الرئيس الأسبق المقدم إبراهيم الحمدي قيادة البلاد في 13 حزيران (يونيو) 1974 - بعد الإطاحة بالقاضي الإرياني، نتيجة استشراء الفساد في أجهزة الدولة ومؤسساتها - أصدر الرئيس الحمدي قرارًا بإنشاء الهيئة العلمية التربوية لثمانية معاهد. وفي نفس الوقت، أنشأ رئاسة المعاهد العلمية، وأسندها للعالم الشهير القاضي يحيى بن لطف الفسيل، وتم فصلها عن وزارة التربية والتعليم بميزانية مستقلة كفرع عن الوزارة.

هجوم اليمين واليسار

وقد تعرضت المعاهد العلمية لحملات إعلامية قوية من خصوم الحركة الإسلامية، وخاصة من قبل الأحزاب الماركسية، التي كانت تخوض حروبًا مستمرة ضد الأنظمة الحاكمة في شمال اليمن، إضافة إلى قوى مذهبية، تقدم نفسها باعتبارها ممثلة للمذهب الزيدي الهادوي، وأخرى تصف نفسها بالسلفية، ويمثلها الشيخ "مقبل بن هادي الوادعي"، الذي يقيم معهدًا له في منطقة دماج بمحافظة صعدة (حوالي 245 كم شمال العاصمة صنعاء).

وقد تعاملت كل قوة من هذه القوى مع واقع المعاهد العلمية من زاوية تأثيرها على مصالحها. وأثارت تلك الحملات عددًا من الاتهامات منها "وهّابية مناهج المعاهد"، وأنها تمثل عامل ازدواج للتعليم، وأنها تعلّم الطلاب الأغاني (يقصدون الأناشيد الإسلامية)، وأنها وكر لتخريج عناصر مرتبطة بالإخوان المسلمين، وأنها تقوم بتدريب طلابها على السلاح، إلى آخر الاتهامات، التي روّجتها وسائل الإعلام التابعة للحزب الاشتراكي، وحزب الحق، وكتيبات أصدرها التيار السلفي الوادعي.

مواجهات دموية

وتصاعدت الحملة مطلع الثمانينات، ولا سيما بعد أن خاضت الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمون) بالتحالف مع الحكومة مواجهات عسكرية ضارية ضد المعارضة الماركسية المسلحة، وحققت نجاحًا ملموسًا، وأسهمت في إنقاذ النظام الحاكم، الذي كان يعاني حالة ضعف شديدة آنذاك، وتعرض الأخير لضغوط قوية لإلغاء المعاهد، مقابل إيقاف العمليات المسلحة للقوى اليسارية، فتشكلت اللجنة المكلفة بدراسة مناهج التربية والتعليم والمعاهد العلمية، وكيفية ربط المعاهد بالتربية برئاسة القاضي عبد الكريم عبد الله العرشي - نائب رئيس الجمهورية، رئيس مجلس الشعب التأسيسي يومذاك - وعضوية خمسة عشر شخصًا، والتقت في أول اجتماع لها يوم 7 كانون ثاني (يناير) 1980، وخرجت اجتماعات اللجنة بضرورة توحيد جميع المعاهد العلمية والدينية، التي يديرها كل من القاضي يحيى الفسيل، والقاضي أحمد محبوب، في جهاز واحد، وتسمى الهيئة العامة للمعاهد العلمية.

وبالفعل أصدر الرئيس علي عبد الله صالح، الذي لم يكد يمضي على حكمه سنتان القانون رقم 8 بتاريخ 5 شباط (فبراير) 1980، اعتمده مجلس الشعب التأسيسي، بإنشاء الهيئة العامة للمعاهد العلمية، الذي جمع معاهد الهيئة التربوية، التي كان يديرها محبوب، ورئاسة المعاهد، التي كان يديرها الفسيل، وأسندت عملية قيادة الهيئة العامة إلى القاضي الفسيل.. وبعد عامين، وبالتحديد في 8 أيار (مايو) 1982 صدر قرار جمهوري رقم 36 بتنظيم الهيئة العامة للمعاهد العلمية، وتحديد اختصاصاتها. وكان رئيس الحكومة ساعتها الدكتور عبد الكريم الإرياني، بينما كان وزير التربية الدكتور أحمد محمد الأصبحي، المقيم حاليًا في منفى اختياري في العاصمة الأردنية عمان.

المعاهد الدينية: فترة الانتشار والازدهار

وبحسب شهادة القاضي الفسيل، فإن المعاهد العلمية حققت نجاحًا كبيرًا على أرض الواقع، ولمس الناس فوائدها، من حيث جمعها بين الأصالة والمعاصرة في المنهج، وحسن اختيارها للمدرسين والإدارة.

وقد توسعت هذه المعاهد في عموم مناطق اليمن، وتزايد عدد المنتسبين إلى صفوفها، وترافق مع انتشارها توسع في عدد مدارس تحفيظ القرآن الكريم، وأنشئت معاهد خاصة بالفتيات.

وبحلول عام 1985 كانت المعاهد العلمية قد أصبحت مؤسسة تعليمية موجودة في عموم محافظات شمال اليمن، التي كانت تسمى "الجمهورية العربية اليمنية"، لكن حجم الضغوط تزايد على رئيس الجمهورية من القوى الماركسية واليسارية والقومية العلمانية، ومن قوى خارجية؛ لتحجيم قوة المعاهد، وتقليص عملية انتشارها، بعد أن أحست تلك القوى أن المعاهد تشكل مخزونًا تربويًّا يمكّن من مواجهة تيارات التغريب في البلاد.

وهكذا عادت الرغبة في إلغاء المعاهد العلمية ثانية، لا سيما بعد أن نجحت الحكومة في استئصال قوات المعارضة اليسارية المسلحة ودحرها، بالتحالف مع أبناء الحركة الإسلامية، من المناطق التي كانت تسيطر عليها، وذلك مع تنامي شعور الحكومة باستغنائها عن الحركة الإسلامية، فشكلت المجلس الأعلى للمناهج، برئاسة الدكتور حسين عبد الله العمري، وزير التربية والتعليم السابق، والسفير اليمني في بريطانيا حاليًا.

من التأييد إلى المضايقة

وتتهم أوساط في الهيئة العامة للمعاهد العلمية - وعلى رأسها القاضي المرحوم الفسيل - الدكتور حسين العمري بأنه كان يهدف إلى إلغاء المعاهد العلمية، ويرى بعض المتابعين أن هذه التهمة غير دقيقة؛ لأن أي وزير لا يستطيع فعل ذلك، ما لم يكن لديه إشارة خضراء من رئيس الدولة.

وخاض أنصار المعاهد العلمية مواجهات فكرية وسياسية مع الداعين لإلغائها. وأعلن مجلس الوزراء حينها عن توحيد المناهج التعليمية، وشهدت العاصمة صنعاء حشودا كبيرة من المواطنين من مختلف المحافظات تطالب بالعدول عن القرار، ومن أجل تهدئة الأمور أبعد الدكتور العمري والقاضي الفسيل من مواقعهما، وأسندت رئاسة الهيئة العامة إلى صهر الرئيس القاضي أحمد الحجري، الذي يشغل حاليا محافظ محافظة تعز، وقد اتسمت فترته بالمحافظة على الواقع القائم دون توسع، والاهتمام بالنوعية، وبدأت الحكومات المتعاقبة تمارس منذ ذلك الوقت عملية مضايقات مالية بحق العاملين في المعاهد العلمية.

كثّفت قيادات المعاهد العلمية من نصائحها للرئيس اليمني علي عبد الله صالح، مع اشتداد الحملة ضد المعاهد، في أواسط الثمانينيات.

ومن أشهر تلك النصائح الرسالة، التي بعثها القاضي الفسيل للرئيس صالح، ولم تنشر في وسائل الإعلام، وتقول تلك النصيحة: "إنا نحبك ومعك وفي ولائك، فنرجوك أن لا تسمع لمن يريد أن يوحشك علينا أو يوحشنا منك.. إن لزومنا لطاعتك لا يمنعنا من الجد في مطالبتنا، والغضب لمن يريد أن يخون الأمة في معاهدها، أو يخدع الشعب عن تثقيف أبنائه بالثقافة السليمة (…) ولو قد أمنت فتنة المخربين، ومداهمة الشيوعيين، ومؤامرة العلمانيين، لما ضاقت القلوب من أي عمل نحو المعاهد، ولكن في هذا الظرف، الذي يطمع أعداؤك وأعداء الأمة على الوثبة، ويتابعون الأنفاس والإحساس في كل ساعة، وينظرون إليك وإلى الشعب من مواطن القوة والضعف، ويحاولون إدخال الشقاق والخلاف والفتنة في صفوفنا…".

وتختتم الرسالة بالقول: "نحن لا نخافك، ولكن نخاف علينا وعليك، ونحن لا نكرهك ولكن نكره المؤامرة علينا وعليك، ومع ذلك فقد قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم".

عاد الرئيس صالح إلى تأكيد أهمية المعاهد العلمية مع انفجار الأوضاع في جنوب اليمن في كانون ثاني (يناير) عام 1986، ولذلك توجه إلى مدينة تعز الحدودية، وألقى هناك خطابه الشهير في معهد معاذ بن جبل العلمي في 17 كانون ثاني (يناير) 1986، مؤكدا أن المعاهد العلمية جزء لا يتجزأ من حقول التربية والتعليم، وأوضح أن جيل التربية والتعليم هو جيل واحد، سواء كان في المعاهد العلمية، أو في معاهد المعلمين، أو في الجامعة، أو في أي حقل من حقول التعليم.

دمج المعاهد في وزارة التربية والتعليم

وما إن أعلنت الوحدة اليمنية في أيار (مايو) 1990 حتى شدد الحزب الاشتراكي من ضغوطه من أجل إلغاء المعاهد العلمية، باعتبارها إحدى المؤسسات، التي ساهمت في إجهاض مشروعه اليساري في شمال اليمن. وبالفعل تحالف أعضاء الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي في مجلس النواب إبان الفترة الانتقالية، التي أدارها الحزبان، لإصدار قانون التعليم، الذي ينص على دمج ميزانية المعاهد العلمية في ميزانية التربية والتعليم، وذلك عام 1992.

وواجهت الحركة الإسلامية مشروع القانون بحملة إعلامية وجماهيرية تمثلت في سلسلة اعتصامات ومسيرات احتجاجية، مما ألجأ دار الرئاسة إلى تجميده، نتيجة بوادر خلاف عاصفة بين قيادتي الحزبين الحاكمين الاشتراكي والمؤتمر، فكانت فرصة تاريخية لحزب المؤتمر لكي يستثمر هذه المسألة، ويكسب بها حزب الإصلاح إلى صفه ضد الحزب الاشتراكي، ونجحت الخطة المؤتمرية، وخاض الإصلاح والمؤتمر مواجهة مسلحة ضد الاشتراكي، الذي كان يخطط لانفصال جنوب اليمن والعودة إلى ما قبل الوحدة.. ولم تكد الحرب تنتهي حتى عادت نغمة دمج المعاهد العلمية من جديد، مما بدا لكثير من المراقبين أنها وسيلة ناجعة تستخدمها الدولة للضغط على الإسلاميين، من أجل التنازل عن بعض القضايا، التي تسعى الدولة إلى تحقيقها.

ويرى مراقبون للشأن اليمني أن الدولة ممثلة برئيس الجمهورية تبدو جادة أكثر من أي وقت مضى في سعيها لإحراق هذه الورقة، التي طالما استخدمتها في تعاملها مع الإسلاميين، بحيث تصبح عملية المناورة على المكشوف، وبعيدًا عن أساليب التحايل في العلاقات الثنائية بين الإصلاح والسلطة.

ولعل القرار الأخير، وتهديد أعضاء قياديين في الحزب الحاكم لرمز تاريخي في مقام الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، بنزع منصب رئاسة مجلس النواب منه، إشارة خطيرة لمستوى التدهور، الذي وصلت إليه العلاقات بين الطرفين، مما يفرض على الحريصين على استقرار البلاد ضرورة التنادي لإيقاف مسلسل التدهور غير المبرر، قبل أن يخرج عن نطاق السيطرة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات