|
| الملك عبد الله.. حسم الجدل حول مستقبل الضفة |
عمان- حين يكتب المتابعون ويتحدث السياسيون عن سمات وسياسة العهد الجديد في الأردن يجزمون بأن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني واضح وقاطع في موقفه السياسي من العلاقة مع الضفة الغربية، وقناعته التامة بأن إقامة الدولة الفلسطينية مصلحة إستراتيجية أردنية. وحاول الملك منذ تولي الحكم قبل أكثر من 3 سنوات أن يغتنم كل فرصة ليؤكد خلو أجندته وأولوياته من أي حلم أو أمل بإعادة الضفة الغربية إلى السيادة الأردنية، خلافاً لما كان عليه والده الراحل الملك حسين الذي خاض صراعاً سياسيًّا وغير سياسي مع منظمة التحرير عدة عقود وغادر الدنيا وهو لا يستبعد كل الخيارات في التعامل مع الموضوع الفلسطيني.
لكن هذه الرؤية النظرية للقيادة الأردنية في قطع الأوصال مع فلسطين باعتبارها كياناً منفصلاً تحت قيادة السلطة - سيتعامل معها البعض على أنها رؤية متغيرة؛ ولهذا نجد بين الحين والآخر تناولاً سياسيًّا وإعلاميًّا يستحضر الدور الأردني في مستقبل الضفة الغربية، وهذا الاستحضار تروجه بعض الأوساط السياسية الغربية التي ترى في الأردن شريكاً متكامل البناء وله موقف سياسي واضح يمكن التعامل معه لإيجاد مخرج للسيناريوهات المعقدة، كما أن خصوم السلطة الفلسطينية ومن لا يرون فيها طرفاً مؤهلاً لحكم حقيقي يميلون إلى أمنيات عودة الخيار الأردني، إضافة إلى فئات من الفلسطينيين وبخاصة النخب الذين يرون أن النموذج الأردني أفضل وأكثر استقراراً.
انتفاء الخصوصية
لكن اضطراب المنطقة والمسار الفلسطيني لم يكن قادراً على بعث أي اضطراب أو تردد في الموقف الأردني الذي يزداد حسماً في تشكيل حالة الانفصال السياسي عن الموضوع الفلسطيني، ومحاولة تشكيل موقف تنتفي فيه خصوصية العلاقة المستقبلية. وما يأمله الأردن أن تكون هذه العلاقة مساوية في مفاصلها لعلاقة أي دولة عربية مع السلطة القائمة أو الدولة المفترضة. والقصة تتجاوز القيادة السياسية إلى عامة الأردنيين، وتختلط المنطلقات ابتداءً من نظرة سياسية لمؤسسة حكم ليست معنية بآمال وطموحات تجلب الأعباء والخلافات والقلق، إلى رغبة وموقف سياسي يختلط فيه الرسمي بالشعبي في حمل المخاوف المشروعة من أن تخضع فكرة العلاقات المستقبلية أو الأدوار في مستقبل الضفة، إلى إخضاع لتتحول إلى أداة لحل المشكلة الإسرائيلية وتجسيد فكرة الوطن البديل؛ ولهذا فإن القيادة تجد نفسها منسجمة مع الأردنيين وحاملة لمخاوفهم.
كل هذه العوامل التي يرتفع بعضها إلى مستوى الثوابت في السياسة الأردنية، فضلا عن الأحداث التي تعصف بالسلطة وعمليات التدمير التي تتعرض لها، والضغوط التي تمارسها حكومة شارون وإدارة بوش لتغيير رئيسها -لا تبدو كل هذه العوامل بمستوى من القوة يجعلها قادرة على التأثير في الموقف الأردني. ومما يساهم في ثبات هذا الموقف أن مشكلة السلطة مع الإدارة الأمريكية ليست في وجودها واستمرارها وإنما في نهجها الأمني والسياسي؛ ولهذا فإن الأردن لا يبدو مضطراً للتفكير في فكرة تغيير القيادة الفلسطينية باعتباره طرفاً منغمساً فيها، وإنما باعتبارها جزءا من حالة التوتر في المنطقة، واستكمالا للدور الذي تؤمن به القيادة الأردنية في دعم عملية السلام ومنع انهيارها، وتأمين استمرار مسيرة التسوية كخيار قابل للحياة، في ظل تصاعد العنف الإسرائيلي وانحياز حكومة شارون للقتل والتدمير والعدوان.
فك الارتباط
أما قرار فك الارتباط الإداري والقانوني بين الأردن والضفة الغربية فإنه يبدو وبعد حوالي 15 عاماً من نفاذه أكثر قوة واستقراراً، وتعزز هذا القرار بعاملين أساسيين: الأول فلسطيني وذلك بعد دخول منظمة التحرير لعبة التسوية وحصولها على الاعتراف الأمريكي والإسرائيلي، وتوقيعها اتفاق أوسلو بكل تبعاته، ومنها ظهور السلطة وتحول فكرة الدولة الفلسطينية -بغض النظر عن مضمونها- إلى فكرة مقبولة ومتداولة. والأمر الثاني هو التحول الإستراتيجي في الموقف الأردني، وتخلي القيادة الأردنية عن أي طموحات وآمال باستعادة السيطرة على الضفة الغربية.
أما النقد الذي يصدر بين الحين والآخر عن قرار فك الارتباط بما في ذلك قرار القضاء الأردني باعتباره غير دستوري، فإنه قرار قضائي صدر في عهد الملك حسين، وكان من وجهة نظر البعض محاولة أردنية لامتلاك فرصة التراجع عنه، وكانت القيادة الأردنية في عهد الحسين ترى في مواقف بعض القوى السياسية -وبخاصة الإسلاميين في رفض القرار- ورقة إيجابية تحاول إظهارها والاستفادة منها، وبخاصة أن الحركة الإسلامية ذات امتداد تنظيمي وشعبي في مناطق الضفة الغربية.
وفي القراءة السياسية العامة للمشهد الفلسطيني يبدو الخيار الأكبر والمرجح وربما الوحيد استمرار الكينونة السياسية الفلسطينية وتطورها، بل إن الواضح أن السلطة كفكرة وبرغم كل ما تعاني ليست مرشحة للاجتثاث، وكل ما يطرأ عليها في أسوأ الأحوال هو محاولة توجيه مسارها وتغيير رموزها، ولا يبدو الأردن معنياً أو سعيداً بأي حديث عن دور قادم له في الضفة الغربية، فالضفة الغربية -إضافة إلى كل ما سبق- ساحة تضم شعباً ثائراً وذا مزاج قوي ونقَّام، وأرضاً تعاني من مشكلات اقتصادية وتنموية، وقصة أمنية لا يمكن السيطرة عليها، وفي زمن تفاقم المشكلات الاقتصادية في كل بلد، لا يرغب أي قائد أو قيادة في تضخيم مشكلاته أو زيادة حمولته من القلق والتوتر.
|