English

 

الثلاثاء. أكتوبر. 15, 2002

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » بيئة الصراع

 
أهم الأخبار  

فرنسا وقضية فلسطين.. التحيز المكشوف يضر بالمصالح الإستراتيجية

محمد الغمقي

دوفيلبان.. إخراج أفضل للسياسة الخارجية الفرنسية
دوفيلبان.. إخراج أفضل للسياسة الخارجية الفرنسية
باريس- إن كنت تريد معرفة  "ترمومتر" التوتر في منطقة "الشرق الأوسط"، فيمكنك مراقبة الحركة الدبلوماسية في العاصمة الفرنسية "باريس" حول ما يجري في هذه المنطقة، فإن تصاعد وتيرة هذه الحركة مؤشر إلى تأزم الوضع هناك، وصعوبة التفاوض مع الولايات المتحدة حليفة إسرائيل، ولجوء الأطراف العربية أساسا إلى الطرف الفرنسي، كورقة ضغط على الصلف الأمريكي- الإسرائيلي. وهو الدور الذي تسعى فرنسا دائما إلى القيام به بما يضمن لها حضورها في المنطقة، وبما يتيح لها الفرصة للبروز كقطب أوروبي خارج الدائرة الأنجلو- ساكسونية، عبر محاولة اختراق الأحادية القطبية المفروضة على العالم.

وقد شهدت فرنسا في الأشهر الأخيرة حركية دبلوماسية غير عادية، حيث تقابل الرئيس الفرنسي جاك شيراك في ظرف قصير مع كل من الرئيس المصري حسني مبارك، والعاهل الأردني الملك عبد الله، ووزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز.

وخلال هذه اللقاءات، حاول شيراك رفع الالتباس والاضطراب في الرؤية والممارسة بشأن سياسة فرنسا إزاء فلسطين منذ صعود اليسار إلى الحكم في عهد فرانسوا ميتران.

فقد أثر وصول اليسار إلى السلطة في فرنسا سلبًا على "ثوابت" السياسة الخارجية الفرنسية، وعلى حرص الإدارة الفرنسية على الاحتفاظ بمصداقيتها لدى الطرفين العربي والإسرائيلي، باعتماد خطاب يوحي بالتوازن وعدم التحيز، وذلك منذ عهد مؤسس الجمهورية الفرنسية الحديثة الجنرال شارل ديغول الذي رسم توجها فرنسيا رسميا خاصا في التعامل مع القضايا الخارجية يتسم بنوع من الاستقلالية عن القطبية الثنائية الأمريكية- الروسية التي كانت سائدة في ذلك الوقت.

تحيز الاشتراكيين

خلال عهد اليسار، كان التحيز للطرف الإسرائيلي واضحا ومستفزا لمشاعر الشعوب العربية-المسلمة والأقليات الإسلامية في الغرب، سواء في عهد الرئيس فرانسوا ميتران أو في عهد حكومة ليونال جوسبان الذي تزامن مع فترة التعايش بين اليمين واليسار. وخلال هذه الفترة، شهدت السياسة الفرنسية في "الشرق الأوسط" وبالتحديد فيما يتعلق بقضية فلسطين هزات كبيرة، وتبين ذلك خصوصا خلال جولة جوسبان "الشرق أوسطية" في نهاية فبراير 2000 التي تزامنت مع تصاعد التوتر في المنطقة إثر تعثر محادثات السلام وشن إسرائيل هجمات على أهداف مدنية لبنانية ردا على مقتل سبعة من جنودها في الشريط الحدودي الذي تحتله في جنوب لبنان. وجاءت تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي لتشعل النار في الهشيم، حيث صرح بأن "فرنسا تندد بهجمات حزب الله وبكافة أشكال الهجمات الإرهابية التي تنفذ ضد جنود أو مدنيين إسرائيليين". وقوبلت هذه التصريحات بغضب عربي-إسلامي، خاصة على المستويين الفلسطيني واللبناني. فقد استدعى سليم الحص رئيس الحكومة اللبنانية في ذلك الوقت السفير الفرنسي في بيروت وأبلغه الاستغراب والدهشة للموقف الذي عبر عنه جوسبان في إسرائيل. ووصف "حزب الله" في بيان له رئيس الوزراء الفرنسي بأنه "عنصري"، وقال: إنه يضر بذلك المصالح الفرنسية في الشرق الأوسط.

وشهدت السفارات الفرنسية في المنطقة تظاهرات احتجاجية. وقام أهالي الشهداء والمعتقلين والأسرى بمظاهرة احتجاجية ورفعوا لافتة كتب عليها: جوسبان صهيوني وليس فرنسيا. وتعرض هذا الأخير إلى هجوم بالحجارة وهتافات بالخيانة من قبل الطلبة الغاضبين خلال زيارته لجامعة بيرزيت الفلسطينية، رغم محاولته بدون جدوى تهدئة الأوضاع بإدانته -خلال الكلمة التي ألقاها في الجامعة- للهجمات الإسرائيلية ضد المدنيين في لبنان وتكرار دعم فرنسا لإقامة دولة فلسطينية باعتبارها "أمرًا ضروريا لإرساء السلام".. مما اضطره إلى اختصار جولته وإلغاء مؤتمر صحفي وزيارة لأحد المخيمات.

أزمة التعايش السياسي الفرنسي

تسببت هذه الجولة الشرق أوسطية في أزمة حقيقية بين قطبي التعايش في السياسة الفرنسية، حيث سارع الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى تحذير رئيس وزرائه جوسبان من مغبة التدخل في السياسة الخارجية الفرنسية التي تعد من صلاحيات رئيس الدولة، وأكد له أن مصداقية فرنسا ستكون عرضة للضرر إذا قوّض الحياد الذي تتبعه بمنطقة "الشرق الأوسط"، إشارة إلى أن تصريحات جوسبان اعتبرت انحيازا من جانبه لإسرائيل.

وعلق رئيس الوزراء الفرنسي السابق ألان جيباي على ذلك قائلا: "إن تصريحات جوسبان كانت بمثابة الكارثة لصورة فرنسا في المنطقة. وإن جوسبان ارتكب زلة خطيرة"، في حين حاول وزير الخارجية الفرنسي هيبار فيدرين الدفاع عن الوزير الأول الفرنسي بقوله: "إن تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي لا تعني أن فرنسا منحازة إلى جانب إسرائيل، أو أن جوسبان غير السياسة الفرنسية من تلقاء نفسه".

وصدر عن الرئاسة الفرنسية بيان أكد على أن "السياسة الفرنسية تجاه الشرق الأوسط لم تتغير". وبخصوص العلاقة بين إسرائيل ولبنان، قال البيان: "إن الرئيس أكد على المسؤوليات الخاصة التي اضطلع بها الجانبان أمام الولايات المتحدة وفرنسا في اتفاق إبريل/ نيسان عام 1996".

وقد غطت الضجة حول تصريحات جوسبان على الخلفيات السياسية والاقتصادية والثقافية للزيارة، ومنها تحسين العلاقات الفرنسية مع إسرائيل بعد أن أصابها التوتر إبان حكم الليكود في عهد بنيامين نتنياهو بالاستفادة من عودة "حزب العمل" إلى السلطة مع حكومة يهود باراك، وتنمية التبادل التجاري عبر التزام إسرائيل بشراء طائرات مدنية من طراز إيرباص التي تنتجها أوروبا لمواجهة المصانع الأمريكية، وعقد لبناء نظام ترام في القدس تقوم به شركة ألستوم الفرنسية، وخط أنابيب نفط مقترح من مصر، وافتتاح المركز الثقافي الفرنسي في القدس.

سياسة استفزازية

ولم ينحصر التحيز عند هذا الحد، فقد واصل الاشتراكيون الفرنسيون استفزازهم لمشاعر المسلمين، حتى بعد عودة الليكود إلى السلطة في إسرائيل بقيادة إريل شارون الذي انتهج سياسة قمعية ضد الشعب الفلسطيني. وكانت مذبحة جنين النقطة التي أفاضت الكأس، وخرجت المظاهرات الاحتجاجية في كل العالم، منددة بالقمع الإسرائيلي ومؤيدة للمقاومة الفلسطينية.

وفي فرنسا حيث تتواجد أكبر جالية مسلمة في أوروبا والغرب كان التأييد كبيرا بالتظاهر في الشوارع وبتقديم الدعم المادي والمعنوي. لكن في الوقت الذي كان فيه التوتر على أشده في أرض فلسطين، سمحت حكومة جوسبان بقيام مهرجان احتفالي للجيش الإسرائيلي في باريس، من أجل كسب التأييد اليهودي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في فرنسا.   

وأمام هذا التحيز المكشوف، خرج الصوت الانتخابي المسلم عن دائرته المعتادة أي دائرة اليسار الاشتراكي، وتوزع بين اليمين التقليدي الذي يمثله شيراك وأحزاب يسارية صغيرة خاصة "حزب الخضر" الذي يمثله نوال مامار. وهذا التحوّل في السلوك السياسي لمسلمي فرنسا يعود سببه الرئيسي إلى موقف الحزب الاشتراكي وبالتحديد رئيسه جوسبان بشأن  قضية فلسطين. وفي الدورة الثانية، ذهب الصوت المسلم إلى شيراك أملا في تصحيح مسار السياسة الفرنسية الخارجية بشأن القضايا العربية والإسلامية وعلى رأسها قضية فلسطين في اتجاه موقف أوروبي حازم إزاء سياسة التقتيل والدمار الإسرائيلية.

رأب الصدع وتصحيح المسار

اليوم- بعد التحول السياسي في فرنسا وعودة اليمين إلى الحكم وانتهاء مرحلة التعايش- يبدو أن الرئيس شيراك حرص على أن يبلّغ أنه فهم جيدا هذه الرسالة التي تلتقي مع قناعاته، من خلال العديد من المواقف والتصريحات في مناسبات عدة، مثل اجتماعه بالسلك الديبلوماسي في فرنسا، أو استقباله لشخصيات سياسية عربية وإسرائيلية؛ الأمر الذي أكده وزير خارجية فرنسا الجديد دومينيك دو فيلبان خلال جولة في "الشرق الأوسط" بدأها بالعاصمة المصرية، بهدف "مساعدة الإسرائيليين والفلسطينيين على تخطي حال الفوضى التي سيطرت على الوضع في المنطقة خلال الأشهر الماضية". وتأتي زيارة الوزير الفرنسي بعد يوم واحد على انتهاء قمة الاتحاد الأوروبي في إشبيلية، التي شددت على أن "عملية السلام في الشرق الأوسط" يجب أن تُستأنف على وجه السرعة.

وتسعى فرنسا إلى عقد ندوة دولية حول "الشرق الأوسط"، عبر مساندة مشروع المبادرة الأردنية- المصرية التي تصب -حسب الرؤية الفرنسية- في اتجاه العودة إلى التعقل وإلى السلم كوسيلة وحيدة تمكّن فيما بعد من حل المشكلات والنزاعات بطريقة مشرّفة.

الحرج الفرنسي

لكل هذه الأسباب، فإن استخدام الآلة القمعية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني يضع الإدارة الفرنسية في موضع حرج مع أصدقائها من الأنظمة العربية ومع أكبر أقلية مسلمة في أوروبا متواجدة بفرنسا، ومن ورائها الشعوب العربية والمسلمة، كما يضع المصالح الفرنسية في المنطقة في الميزان. الأمر الذي يفسر القلق الفرنسي خلال الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز لباريس؛ إذ كانت تكتسي طابعا خاصا مقارنة بزيارة كل من الرئيس المصري وملك الأردن؛ لأن بيريز هو نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير خارجيته. وهناك حرج فرنسي- أوروبي ضمني إزاء ما يحصل على أرض الميدان من تقتيل جماعي بأوامر من حكومة شارون، رغم الدعاية التي تريد وضع بيريز ضمن "الحمائم" الإسرائيلية مقارنة بصقوره. مصدر الإحراج يعود إلى أن الديمقراطية على الطريقة الإسرائيلية- المصنفة في إطار المنظومة الديمقراطية الغربية- تصب في الحقيقة في الاستبداد. حيث إن السياسة الإسرائيلية تذكّر بالأنظمة الديكتاتورية التي لا تلقي بالا لما حولها. وقد أعطت حكومة شارون أعلى نموذج في العناد الإسرائيلي وضرب القوانين والأعراف الدولية عرض الحائط، وتحدي حلفائها، وإملاء شروطها عليهم. وفي ذلك إحراج كبير للديمقراطيات الغربية التي تتعامل مع دولة الاحتلال كحليف لها، وجزء من منظومتها الفكرية والحضارية في منطقة الشرق الأوسط، وراع لمصالحهما المشتركة، حيث يتمثل الدور الإسرائيلي في حماية الموارد النفطية في "الشرق الأوسط" وتضييق الخناق على النفوذ السوفيتي ثم الروسي، وكذلك على الصحوة الإسلامية الممتدة.

حماية المصالح الإستراتيجية

وبقدر ما يصرّ الموقف الفرنسي الرسمي على "حق إسرائيل في البقاء ضمن حدود آمنة" بالتنديد بالعمليات الاستشهادية، فإنه يؤكد على حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة، ويشدد دائما على عدم المساس بالسلطة الفلسطينية، وعدم استهداف رمزها عرفات. ولعل هذا التركيز الخاص على رمزية عرفات يندرج في نطاق البحث عن نوع من الشرعية كمدخل لإثبات الحضور الفرنسي عن طريق ورقة السلطة الفلسطينية، للضغط على الطرفين الإسرائيلي والأمريكي، ولحماية المصالح الإستراتيجية الفرنسية في المنطقة.

 ومعلوم أن فرنسا حريصة على دعم حضورها على كل المستويات، وإيجاد موقع لها في هذه المنطقة شديدة الأهمية وبالغة التعقيد، والتي تعَدّ مهدا للأديان والحضارات، ومخزونا للطاقة. وتريد ربط حضورها التاريخي في لبنان وسوريا، بحضور فاعل في الوقت الحاضر وفي المستقبل، يمتد من البعد الإستراتيجي الذي يكرّس القوة السياسية المعنوية لبلد عضو دائم في مجلس الأمن، إلى البعد الاقتصادي الذي يضمن الاستثمارات الفرنسية خاصة في لبنان وفي بلدان الخليج، وبيع الأسلحة والتكنولوجيا الفرنسية ومنافسة المنتوجات الأوروبية والآسيوية، والمساهمة في إعادة تعمير العراق وإيران بعد الحرب التي دمرت البنية الاقتصادية والعسكرية لهذين البلدين، مرورا بالبعد الثقافي باعتباره مدخلا أساسيا في إثبات مثل هذا الحضور عن طريق الوصول إلى العقول وإلى عالم الأفكار والتصورات وكسب عاطفة الناس، واستثمار الفكرة الرائجة التي تصوّر فرنسا بأنها بلد حقوق الإنسان التي أفرزتها الثورة الفرنسية، ولأهلها ذوق رفيع وحس مرهف وسلوك حضاري متمدن، على عكس الأسلوب الأمريكي المرتكز على المظهر الخارجي للقوة العسكرية الضاربة، وعلى غرس ثقافة الدولار وكوكا كولا وماكدونالد، وكاوبوي.

وإزاء حجم المصالح، تسعى فرنسا في عهد شيراك إلى تجاوز التحديات القائمة وتزعّم الدور الأوروبي في "الشرق الأوسط" بخلفية اختراق الأحادية القطبية الأمريكية المهيمنة على صناعة القرار الدولي.


محمد الغمقي صحفي وباحث في الشؤون الدولية- باريس.  

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات