English

 

السبت. فبراير. 1, 2003

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

 
أهم الأخبار  

المجتمع الأمريكي بعد 11 سبتمبر.. من "الجسد" إلى "الروح"

أسامة القفاش

تفجيرات سبتمبر أبرزت
تفجيرات سبتمبر أبرزت "الروح الأمريكية"
هكذا تكلم المقدم التليفزيوني الشهير "لاري كينج" في معرض تقديمه للمحلل السياسي والمعلق التليفزيوني الساخر "بيل ماهار" الذي اشتهر بأقواله الساخرة وتعليقاته الساخنة على السياسة الأمريكية، والذي عُرف عنه اليمينية بالمعنى التقليدي لمفهوم اليمين السياسي. ومن أشهر تعليقاته إبان الحرب الباردة قوله: "دعونا نعط الحرب فرصة!" ردًّا على دعاة السلام والانفتاح والتفاهم.

يمثل بيل ماهار اليمين الأمريكي الخالص بكل صراحة. إنه يدعو للتشدد مع العدو، ويدعو لرفع يد الدولة عن الاقتصاد وخفض الضرائب، وغير ذلك من سياسات تميز هذا اليمين نظريًّا الذي ينتمي إليه الرئيس بوش وحكومته، والذي أحرز انتصارا كبيرا في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في نوفمبر 2002.

يتساءل بيل ماهار: "هل كانت 11 سبتمبر نتيجة لتغيرات العالم قبلها، أم كانت 11 سبتمبر سببًا في تغيير العالم، أم كانت سببًا ونتيجة"؟ كل تلك الأسئلة مهمة ومشروعة وضرورية كي نفهم ماذا يحدث حولنا، ومن ثم كي نستطيع أن نعد خطابًا عمليًّا مجديًّا يطور من أدائنا كعرب ومسلمين تجاه هذا العالم. لكن قبل مواجهة هذه الأسئلة، دعونا نسأل سؤالاً نعتقد أنه أسبق من أسئلة 11 سبتمبر ألا وهو: ما هي مظاهر هذه التغيرات؟

يأتي المجتمع الأمريكي والولايات المتحدة الأمريكية -أو أمريكا ببساطة- في صدارة المواقع؛ لأسباب عديدة نجملها فيما يلي:

- أهمية الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في العالم ككل اليوم بوصفها القوة العظمى الوحيدة.

- الارتباط التاريخي بين إسرائيل وأمريكا، ومن ثم الدور الرئيسي للولايات المتحدة في مشاكل المنطقة العربية.

- ازدياد عدد المسلمين الأمريكيين، وتزايد الدور الذي يمكن أن يلعبه اللوبي العربي والإسلامي في الولايات المتحدة.

- ضرورة فهم الطبيعة المركبة للمجتمع الأمريكي الذي يتميز بقدر كبير من الانضباط الداخلي وقدر كبير من الحرية في نفس الوقت. لهذه الأسباب يأتي رصدنا لمظاهر هذه التغيرات في المجتمع الأمريكي.

المواطن الأمريكي زاد اهتمامه بالإسلام

بداية كان وصول بوش الابن لرئاسة الولايات المتحدة مفاجأة، وبعد تعقيدات قانونية وسياسية كثيرة، جزء منها نتيجة للنظام الانتخابي الأمريكي المعقد، والجزء الآخر يعود لانقسام المجتمع الأمريكي على ذاته. ومن أهم المظاهر التي ساعدت على نجاح بوش، الدور الذي لعبه اللوبي العربي والمسلم في إضعاف آل جور، والمهم بالنسبة لنا هو رؤية هذا الدور في سياق السياسة الأمريكية ككل لا في سياق رؤيتنا أو أمانينا؛ فتطور دور اللوبي العربي الإسلامي -في ظاهرة حقيقية ومتغيرة- واضح داخل المجتمع الأمريكي، ولكنه لا يعني أن السياسة الأمريكية قد تغيرت لتنحاز إلى الحق العربي.

يجب ألا نتوقع مثلا وجود تضارب في الانتماء بين الدين والمواطنة في المواطن الأمريكي المسلم. فببساطة.. المجتمع الأمريكي يفرض نوعًا من التجانس في الرؤية السياسية على المواطن. قد تختلف رؤية المجتمع عن سياسة الدولة مثلما يرى تشومسكي وهيرمان وغيرهما من المفكرين التحرريين، وهذا الاختلاف قد يصل إلى حد التعارض في بعض الحالات، مثل تأييد الأنظمة الديكتاتورية في أمريكا الوسطى في السبعينيات والثمانينيات.

لكن داخل المجتمع ذاته، لا يوجد اهتمام كبير بالسياسة الخارجية إلا بالقدر الذي تؤثر فيه السياسة الخارجية على المجتمع الداخلي، ومن ثم قد يؤيد المواطن الأمريكي الحق العربي؛ ولكنه لن يهتم كثيرا بالحركة في هذا الاتجاه. من المتغيرات الجديدة بعد 11 سبتمبر، رؤية المواطن الأمريكي العادي للعرب والإسلام كمؤثرين في حياته؛ ومن ثم تزايد اهتمامه بهذا الموضوع.

وهذا الاهتمام ليس بالشكل التبسيطي المخل الذي يُطرح حول صراع الحضارات والإرهاب الإسلامي وغير ذلك، ولكن ثمة العديد من المظاهر في إطار هذا الاهتمام. على سبيل المثال ظهور فيلم "مجموع كل المخاوف" عن رواية "توم كلاتشي"، والذي يطرح فكرة حظر الانحياز التام لإسرائيل، وضرورة رؤية الخطر الإرهابي الذي قد يأتي منها. بالإضافة لهذا، سنجد أن زيارة الرئيس بوش للمجتمع المسلم في رمضان واستقباله للقيادات المسلمة في المجتمع الأمريكي يمثلان مظهرًا من مظاهر الاهتمام بهذا المجتمع المتنامي عددًا أو تأثيرًا.

مجتمع أقل إباحية

من مظاهر التغيرات أيضا، حركة رفض الإباحية والدعوة للالتزام الجنسي وعدم ممارسة الجنس قبل الزواج، وهي حركة يتزايد عدد أعضائها ويتزايد تأثيرها، بل وتحظى بدعم حكومي كبير. واليسار الأمريكي يرى الحركة كنوع من الردة اليمينية، وكمظهر من مظاهر تزايد نفوذ اليمين الديني والمبشرين التلفزيونيين، مثل فالويل وروبرتسون وجراهام. ولكن هذا لا ينفي أن هناك رفضا لحالة الانحلال العارمة التي شهدتها السبعينيات والثمانينيات؛ وتزايدا في الاهتمام بالقيم الأسرية بصرف النظر عن الدين الذي يعتنقه المرء.

كذلك هناك ظاهرة الإيدز وتزايد تأثيره كعامل ردع؛ ونستطيع أن نضيف لهذه الأسباب أيضا الفراغ الروحي الكبير الذي ظهر في الثمانينيات وأوائل التسعينيات؛ ومن ثم تغير المجتمع نحو الروحانية الذي اتخذ أحيانا شكل العودة للدين، وأحيانا أخرى شكل الدخول في الديانات الشرقية الروحانية مثل البوذية والهندوسية، حيث إن الكثير من الشخصيات البارزة في المجتمع الأمريكي في مجالات عديدة قد اعتنقت البوذية أو الهندوسية مثل ريتشارد جير الممثل الكبير. والبعض الآخر يصادق المتصوفة المسلمين، مثل جولدي هون الممثلة الشهيرة.

وكذلك يعتنق الإسلام العديد من نجوم الرياضة والفن في المجتمع الأمريكي.

هذا التحول إلى الروحانية، نجده في العديد من المظاهر الثقافية، مثل السينما والكتابة الإبداعية والفن التشكيلي. وكلها مظاهر تأتي تلبية لرغبة المجتمع في ملء هذا الفراغ الروحي والإحساس السابق باللاجدوى وعدم الانتماء إنسانيا. بمعنى أن التطورات التقنية - التي حدثت في العقدين الأخيرين من القرن العشرين والتي أثرت في العالم ككل - قد أدت أولا إلى تأكيد عزلة المواطن الأمريكي المكانية الجغرافية ثم إلغاء هذه العزلة. أي إن القضاء السبرنطيقي قد ضيق مسافات القضاء الجغرافي لا العكس. صار العالم بالنسبة للأمريكي قرية صغيرة حقا. وعبر "ياهو" و"جوجل" و "إيه أو إل"، و"إسلام أون لاين.نت" وغيرها صار بالإمكان التداخل مع الآخر والتعرف عليه.

اقترنت هذه الثورة المعلوماتية والانفجار السبرنطيقي بمشاكل اقتصادية وبانهيار المنظومة الشيوعية، العدو المتخيل والدائم سابقا. صار المواطن الأمريكي يتساءل عن جدوى ما يسمى بـ"الحلم الأمريكي"، وهل حقا هذا الحلم حلم أم كابوس؟ وهل من المفيد أن نفقد إنسانيتنا مقابل رخاء مادي يتآكل بسرعة البرق؟ كل هذه الأسئلة والتساؤلات أدت إلى ما يسمى الآن باسم "الجيل الرابع من حقوق الإنسان".

القرن الـ21.. قرن الروحانية؟

ألا وهو حقوق الإنسان الروحية.. فإذا كان الإنسان قد بحث في العقد الخامس من القرن العشرين عن حقوقه المدنية، وفي العقد السابع عن حقوقه السياسية، وفي العقد التاسع عن حقوقه الاقتصادية، فيبدو أن الأوان قد حان لتحقق كلمة المفكر والكاتب الفرنسي والسياسي الديجولي السابق أندريه مالرو: "القرن الحادي والعشرين سيصبح قرنا روحانيا أو لن يصبح على الإطلاق".

في مقابلة تلفزيونية مع الشاعرة والأديبة والفنانة السينمائية الأمريكية الكبيرة "مايا أنجلو" قالت: "علينا أن ندرك أن أولئك الأشخاص في الطائرات التي دمرت البرجين ليسوا سيئين، إنما هم ينظرون من منظور مختلف، وربما يبحثون عن العدل والخير والجمال بطريقة أخرى".. كان هذا في البرنامج التليفزيوني الشهير "استعراض أوبرا" الذي تقدمه أشهر شخصية في الولايات المتحدة المذيعة الزنجية "أوبرا وينفري".

هذا الرأي لا يعبر عن رأي فردي؛ ولكنه اتجاه حقيقي ظهر في السياسة الأمريكية من خلال التأييد الذي حظي به السيناتور جون ماكين في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري عام 2000؛ فقد كان ماكين يرى أن الدعم الأمريكي لإسرائيل ليس صحيحًا تماما، وأنه من الضروري اتباع سياسات أكثر توازنا في الشرق الأوسط، وهو رأي يمثله إلى حد ما كولن باول وزير الخارجية الأمريكي.

"الجنوب".. نعرة دينية وتعصب عسكري

لكن هذا الرأي لا يمثل التيار الرئيسي في السياسة الأمريكية التي تحولت بشدة مع حكومة بوش إلى ما يسمى "التيار السياسي الجنوبي"، أي الرأي السياسي لولايات الجنوب التي تمثل التشدد والعسكرية والانحياز التام لإسرائيل، على أساس ديني، حيث يحظى المبشرون التليفزيونيون هناك بشعبية كبيرة. فالجنوب محافظ بطبعه، وكان رافضا لحركة الحقوق المدنية، بل اضطرت الحكومة المركزية إلى فرض المساواة المدنية والسياسية في الستينيات بالقوة. وهذا يرجع أيضا إلى تزايد إحساس المواطن الأمريكي بالحاجة لقيمة راسخة، بديلا عن حالة الفراغ التي تكلمنا عنها.

الجنوب يمثل الأسرة والتدين والارتباط بالأرض، بمعنى أن الجانب الإيجابي الروحاني موجود، ولكن المطروح سياسيا على المستوى الدولي هو الجانب السلبي العسكري المتشدد، ومن الممكن جدا التعامل مع الجانب الإيجابي وتعظيمه. فبعد الانتصار الجمهوري في انتخابات الكونجرس، أدلى زعيم الأغلبية "ترنت لوت" بتصريحات، اعتبرها الجميع -بما فيهم بوش- ذات دلالة عنصرية بغيضة. وهاجمت الصحافة والإعلام الأمريكي "لوت" هجوما شديدا، متهمة إياه "بالنعرة الجنوبية" القديمة التي انتهت منذ زمن.. ببساطة ندرك من هذه الحادثة أن النعرة الجنوبية المسيطرة الآن على السياسة الأمريكية لا تمثل حقا اتجاها قويًّا في المجتمع الأمريكي، وإنما يعتبر ممثلو القيم الأخلاقية الجنوبية - التي تمثل اتجاها روحانيا - قيادات سياسية، مهمتها ما زالت متأثرة بجو الماضي السياسي.

بمعنى أن الجنوب قد تغير والمواطن قد تغير؛ لهذا يختار قيادات سياسية تبدو كما لو كانت تمثل هذا التغيير، بينما هذه القيادات ما زالت تعيش أسيرة للسياسات القديمة. وهذا ما يجب على الساسة العرب والمسلمين إدراكه، وربما كان الأهم هو أن ندركه نحن كمواطنين؛ فالتأثير في المجتمع الأمريكي الآن أصبح أكثر سهولة سواء على صعيد آليات خطاب التأثير من خلال شبكة الإنترنت أو الفضائيات أو الجمعيات الأهلية، أو حتى على صعيد المخاطب؛ فالمواطن الأمريكي أصبح أكثر استعدادا للتعامل مع خطاب إسلامي واضح ومحدد ومحمّل برسالة روحانية واضحة، ومن ثم تصبح صياغة هذا الخطاب من أولويات التعامل مع المجتمع الأمريكي إذا أردنا هذا.

ربما يمكننا الآن أن نرى صدمة مقولة "ماهار"؛ فالعالم قد يتغير كثيرا قبل 11 سبتمبر وصار أصغر مما كان عليه، وينطبق هذا بالتأكيد على الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من غيرها من الدول. هل يمكننا أن نواكب هذه التغيرات الحادثة في العالم؟ هل يمكننا أن نؤثر في العالم كما نتأثر به؟ تلك هي الأسئلة التي ينبغي علينا كعرب ومسلمين مواجهتها في القرن الحالي.


محاضر وكاتب ومخرج عربي- القاهرة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات