English

 

الأربعاء. مارس. 1, 2000

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » عمليات التسوية

 
أهم الأخبار  

البحث عن فلسطين بين الوعود المنقوضة والعهود المنكوثة

رمزي بارود

ترجمة وتحرير - شيرين فهمي

Image
في الماضي، كان موضوع الدولة الفلسطينية مبثوثًا في الأغاني والأناشيد القومية الفلسطينية، وكذلك في الأدب الفلسطيني. أما الآن، فقد تحوَّل هذا الموضوع ليصير أداة الدفاع الوحيدة التي تستخدمها القيادة الفلسطينية في صراعها غير المتوازن مع الحكومة الإسرائيلية. فكلما أظهرت إسرائيل مخالبها، وكُلّما استخدمت ذكاءها في استغلال المواقف لإرجاح كفتها، سارع المفاوضون الفلسطينيون إلى رفع التهديد والوعيد بإنشاء دولة فلسطينية مُستقلة.

"الدولة الفلسطينية" .. الخيار الوحيد

بالرغم من أن السلطة الوطنية الفلسطينية قد أثبتت نجاحًا نسبيًّا في عدة مواقف، وبالرغم من أن تكتيكها السياسي قد أثمر نسبيًّا، إلا أن دبلوماسية الدولة لم تعد فعالة كما كانت من ذي قبل.

        وبالإضافة إلى المساحة المحدودة التي تتحرك فيها تلك الإستراتيجية السياسية، فإنها أحدثت أثرًا عكسيًّا على الجماهير الفلسطينية التي أصبحت في حالة فقدان الثقة تجاه القيادة. وبالرغم من أن فقدان الثقة يسير ببطء متدرج، إلا أنه يتقدم في نفس الوقت بخطى ثابتة نحو الأمام.

        إن الكثير من الفلسطينيين - إن لم يكن معظمهم - ينظر إلى إعلان الدولة الفلسطينية على كونها عامل متقلب غير مدعوم. والحقيقة، إن هذا المفهوم هو المفهوم المحبب لدى الكثيرين، نظرًا لكونه علامة انتهاء رحلة طويلة من العذاب والنضال والكفاح. والدليل على ذلك أنه مع كل مأزق تتعرض له محادثات السلام بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، يجد الفلسطينيون أنفسهم يلوحون بـ "إعلان الدولة الفلسطينية" ويرفعونه عاليًا؛ فهم - ببساطة - لا يجدون غيره. بل إنه يُعتبر التكتيك السياسي الوحيد الذي يجدونه ملائمًا ومُناسبًا لتغطية معظم "المآزق" التي قد تتعرض لها المفاوضات السلمية بين الحين والآخر. والغريب في الأمر، أن الطرف الفلسطيني يُقسم ويُعلن ويصرح وينذر بإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة بغض النظر عن الموقف الإسرائيلي تجاه تلك القضية.

كان من المفروض أن يكون يوم الثالث عشر من فبراير 2000 هو يوم توقيع الطرفين - الإسرائيلي والفلسطيني- على إطار اتفاقية لمحادثات الوضع النهائي. وكان من المفروض أيضا أن يتم هذا التوقيع في وسط جو "احتفالي بهيج" بالبيت الأبيض.

وإذا بإسرائيل تجيء قبل هذا اليوم لتعلن إصرارها على نشر جنودها في منطقة الضفة الغربية، مما أدى إلى إيجاد طريق مسدود للوصول إلى اتفاق. وكان الموقف المعاكس من قبل الطرف الفلسطيني أن قام مجلس فتح الثوري بعقد اجتماع ضم 132 من قياديي ونُخب حزب عرفات. وكانت نتيجة هذا الاجتماع هو إصدار قرار ينادي بإعلان دولة فلسطينية مستقلة في شهر سبتمبر من هذا العام.

والحقيقة، أننا لا نستطيع أن نحرم القيادة الفلسطينية من حقها في استخدام المناورات ضد المخططات والمكائد السياسية الضرورية التي يُمكن أن تعزز من موقفها في مثل ذلك المحيط العنيف من المفاوضات، ولكن يجب علينا أن نعي في نفس الوقت حقيقة أخرى لا تقل أهمية عما سبقها وهي: أن تكرار النداء وعدم الوفاء به يقلل من المصداقية. إن السلطة الوطنية الفلسطينية يجب أن تعي جيدًا أن عدم الوفاء بالوعود المكررة - بخصوص إعلان الدولة - يمكن أن يُفسد العلاقة فيما بين الفلسطينيين من جهة، والاستقلال من الجهة الأخرى؛ ذلك الاستقلال الذي يحلمون به، ويطمحون إليه.

 فقدان ثقة الفلسطينيين بالسُّلطة

 إن عدم الوفاء بشأن إعلان دولة فلسطينية مستقلة - سيؤدي غالبًا إلى فقدان ثقة الشعب الفلسطيني بقيادتهم الفلسطينية. وعلى كل الأحوال، فإن مثل هذا التكتيك السياسي إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على نفاد كل الخيارات. إنه يُعلن بكل صراحة وبكل وضوح عن النقص الشديد في الخيارات المتبقية في "جيب السلطة الفلسطينية"، في الوقت الذي تتجه فيه الأخيرة نحو أصعب مرحلة من المحادثات الفلسطينية الإسرائيلية.

وفي معظم المفاوضات التي تشتمل على طرفين، يحاول كل طرف أن يتبنَّى تكتيكات وسياسات معنية. فإذا أحسَّ الطرف الآخر وعلم بقوة خصمه الكامنة، وتيقن منها جيدًا، فهو يبذل كل جهده بألا يغفل عن احتياجاته وتوقعاته. ولكن في الحالة الفلسطينية - الإسرائيلية، لا يوجد ذلك التوازن. فبجانب هيمنة إسرائيل العظمى على المحادثات، سواء من البعد السياسي أم من البعد المادي، أسهمت القيادة الفلسطينية في وضع نفسها وسط عزلة سياسية؛ هذه العزلة التى نتجت عن اتجاه السلطة الفلسطينية نحو إعفاء إسرائيل من الامتثال لقرارات الأمم المتحدة.

يا ترى، لماذا لا تتحقق استقلالية الدولة الفلسطينية تحت الظروف الحالية؟! ما الذي يُعرقل حدوث تلك الاستقلالية؟

في الحقيقة، إن نظرة سريعة إلى وضع المناطق التي تقع تحت "سيطرة" الفلسطينيين يمكن أن تعطي لنا الإجابة الشافية. أولاً: أقل من 40% من الضفة وغزة يقع تحت "سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية، ويا ليت هذه المساحة تضم منطقة واحدة، ولكنها للأسف تضم مناطق متفرقة متبعثرة. ثانيًا: أن هذه المناطق المتناثرة تُعاني- بالإضافة - من تقسيمات أخرى أحدثتها اليد الإسرائيلية من خلال الطرق الممهدة للجيش الإسرائيلي، ومن خلال "الجيوب" الإسرائيلية (وهي مناطق منعزلة احتلها العدو الإسرائيلي) التي تكتظ بالمستوطنات وتحاط بالأبراج والقلاع الشاهقة من جانب، وبالأعلام الإسرائيلية والأسلاك الشائكة من جانب آخر. إن الفلسطينيين يَعُون ويدركون - أكثر من أي شعب آخر- أن إعلان الدولة ليس قرارًا برلمانيًا أو أنشودة وطنية؛ إنما هو أمر أكبر وأعلى من مجرد قرار أو أغنية. وبالرغم من قسوة هذه الحقيقة ومرارتها؛ فإنها لا تغيب عن وعي الفلسطينيين، ولا تتوه عن إدراكهم. والحقيقة، أن الفلسطينيين مجبورون ومضطرون لإعلان تلك الدولة بسبب حالة اليأس والإحباط التي يعيشون فيها.

  الكثير من الفلسطينيين في الضفة وغزة فقدوا ثقتهم بما يدور حولهم من محادثات السلام، ونوايا إسرائيل تجاه إنهاء الصراع. ولم يقتصر فقدان الثقة على الجانب الإسرائيلي، بل امتد أيضًا إلى الجانب الفلسطيني. لقد صارت السلطة الفلسطينية محل شك الكثير من الفلسطينيين. هذا الشك لم ينشأ فقط عن فشل السلطة الفلسطينية في الالتزام بوعودها وعهودها تجاه الجماهير الفلسطينية (خاصة بعد ظهور الفساد الداخلي وسوء استخدام الثروات)، ولكنه نشأ أيضا من محادثات السلام الجارية التي لم تثمر إلا الفشل الذريع. والحقيقة أن فشل المحادثات الجارية هو السبب الرئيسي لفقدان الثقة بالقيادة الفلسطينية.

إن الفلسطينيين يفهمون ويَعُون كل رسالة تبعثها السلطة إلى إسرائيل، فكما تتلقاها الأخيرة، يتلقاها أيضا الفلسطينيون؛ ولذا فعلى الفلسطينيين المشتغلين بالسياسة أن يدرسوا جيدًا الآثار المتوقعة التي سوف تحملها تلك الرسائل إلى الشعب الفلسطيني. بمعنى آخر، أن من واجب السياسيين الفلسطينيين أن يتمهلوا في دراسة القرارات قبل إصدارها، والتفكر في آثارها المتوقعة على الشعب الفلسطيني. فلكما يدرسون الآثار المتوقعة على الجانب الإسرائيلي، لا بد أن يدرسوا أيضًا الآثار المتوقعة على الجانب الفلسطيني، وإلا ستجد السلطة الفلسطينية نفسها في وضع لا يتم فيه الاكتراث بقراراتها، سواء من قبل إسرائيل أم المجتمع الدولي أم من قبل الفلسطينيين أنفسهم.

بمعنى آخر، لن تؤخذ قرارات السلطة الفلسطينية مأخذ الجد؛ وحينئذ ستكتشف السلطة أن نفاد الخيارات خير وأكثر احتمالاً من نفاد الثقة. فإذا كان نفاد الخيارات والتكتيكات السياسية يسبب أرقًا للسلطة -مما يجبرها على إطلاق النداء المتكرر بإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة- فإن فقدان ثقة شعبها بها سيكون أكثر أرقًا وخطرًا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات