|
| المسلمون الإيغور خرجوا من ظلم السوفييت إلى ظلم الصينيين |
وفي الوقت الذي يعيش المسلمون في معسكرات السخرة أو على هامش الحياة في مراعيهم ومزارعهم البدائية، فإن السلطات الصينية قد أغرقت مقاطعة "شنجانغ" (تركستان الشرقية) بملايين الصينيين البوذيين المهجرين من أنحاء الصين تحت شعار: "اذهب إلى الغرب أيها الشاب" أو Xibu da kaifa . وقد بلغ عدد الصينيين المهجرين 7.421.992 نسمة (بنسبة 40%) والمسلمون الإيغور 8.506.575 نسمة (بنسبة 45%) من جملة عدد سكانها البالغ 18.761.900 نسمة في عام 2001، حسب التقديرات الرسمية كما جاء في كتاب شنجانغ السنوي الرسمي المطبوع عام 2002. هذا في الوقت الذي كان فيه عدد الإيغور 3.291.100 نسمة يمثلون نسبة 95. 75%، وكان عدد الصينيين 249.202 نسمة بنسبة 71.6% من جملة سكانها البالغ عددهم 400.333. 4 نسمة عند احتلال الصين الشيوعية لها في عام 1949.
المهجرون "يأكلون" المواطنين الأصليين
ولكن خلال نصف قرن من الحكم الشيوعي، تضاعف عدد الإيغور 2.58 مرة فقط، بينما تضاعف عدد الصينيين 29.78 مرة، علاوة أن الرقم الرسمي لعدد الصينيين المهجرين لا يشمل إلا المسجلين في مكتب الإحصاء لمقاطعة تركستان الشرقية؛ لأن جيش شنجانغ للإنتاج والبناء -الذي يتولى مهمة توطين المهجرين الصينيين- لا يعلن إلا عن الأرقام التي يتم توظيفها وتوطينها في الأجهزة والشركات الرسمية؛ ولا يتم الإعلان عن عدد الذين يعملون في مزارعها ومؤسساتها؛ ما أدى إلى أن الباحثين يؤكدون أن عدد المهجرين الصينيين يزيد عن 10 ملايين، وأن كثافتهم حاليا تفوق نسبة المسلمين الإيغور وغيرهم في "شنجانغ" تركستان الشرقية؛ وبخاصة أن جريدة بكين جي فانغ جون Jeifangjun Bao ذكرت في عددها الصادر بتاريخ 10-3-1989 أن جيش شنجانغ للإنتاج والبناء يشرف على 170 بلدة و2000 قرية، وأن المستوطنين ينتجون 20% من الإنتاج السنوي.
وعلى ضوء ذلك، يؤكد الباحثون أن في كثير من المدن تبدلت النسبة من 9 إيغور وصيني واحد إلى 9 صينيين وواحد إيغور؛ وفي "أورومجي" عاصمة مقاطعة "شنجانغ" (تركستان الشرقية) تحولت النسبة من 80% إيغور و20% صينيين إلى 80% صينيين و20% إيغور، بل بدأ التذويب السكاني الصيني يهدد مدينة "كاشغر" التي كانت تعرف بمكانتها العلمية الإسلامية ببخارى الصغرى؛ فالنظام الشيوعي الصيني، كما جاء في جريدة الشعب اليومية الصادرة في بكين بتاريخ 2-12-1992، أشار إلى نقل مائة ألف صيني إليها من منطقة سد الممرات الثلاثة، مع تنفيذ نقل 470 ألف صيني إليها بالتدريج. فبعد أن كان عدد المهجرين سنويا 250 ألفا في عام 1950، بلغ ذروته 350 ألف صيني مهجر في عام 1965، كما جاء في الجزء الخاص بمقاطعة "شنجانغ" (تركستان الشرقية).
التهجير بحجة التطوير الاقتصادي
لم يراع النظام الصيني الظروف الجغرافية لتركستان الشرقية التي تغطيها صحراء تكلامكان الشاسعة وسلاسل الجبال، ويعيش السكان في الواحات حول مجاري المياه عند حافات المنحدرات الجبلية التي تمثل فقط 4.5% من مساحة البلاد. وقد ارتفعت كثافة السكان بسبب التهجير من 2.7 نسمة في كيلومتر المربع في عام 1949 إلى 258 نسمة في كيلومتر المربع في عام 2001. وقد حذر لي شانتونغ Li Shantong (مدير قسم التطوير الإقليمي في مركز أبحاث مجلس الدولة الصينية) من العواقب الوخيمة من هذا التهجير والتوطين الكثيف على الأوضاع البيئية، كما جاء في جريدة الصين اليومية الصادرة في بكين بتاريخ 11-6-2000.
وهذا التوطين الصيني يجري تنفيذه بمنح المهجرين إعفاءات ضريبية شاملة، مع توفير المساكن والأراضي التي يتم مصادرتها من الإيغور المسلمين الذين تم طردهم إلى أطراف القرى والأراضي القاحلة. وغدا مثلا ثلاثة أرباع سكان "كاشغر" لا يجدون الماء الكافي، وفي "أورومجي" لم يعد الإيغور يوجدون في مراكزها التجارية إلا متسولين، أو باعة متجولين، أو طباخين يبيعون الأطعمة في أزقتها. ويقول فانغ غوي ليانغ Fang Guiliang (مهندس مؤسسة البترول الوطنية الصينيةCNPC ): إن 80% من العمال في حقل النفط "تاريم" في منطقة "كورلا" هم من الصينيين، أما المحليون فيعملون فقط في الأعمال الثانوية التي تعطى لهم عبر الوسطاء.
ومنظمة العفو الدولية -في تقريرها الصادر في إبريل عام 1999- أكدت أن الحكم الصيني يمارس سياسة التمييز العنصري في التوظيف؛ لأن العدد الساحق من العمال في حقول النفط والمشروعات هم من الصينيين. والإيغور أو المسلمون عموما هم من الفلاحين، و80% منهم يعيشون تحت خط الفقر؛ إذ لا يزيد متوسط دخلهم السنوي عن 50 دولارا، علاوة أن الحزب الشيوعي الصيني يجبر كل واحد منهم أن يعمل لصالح حكومة مقاطعة "شنجانغ" (تركستان الشرقية) بدون أجر لمدة تتراوح من 45 إلى 180 يوما في السنة الواحدة. وتقول لويسا ليم Louisa Lim (مراسلة إذاعة راديو بي بي سي البريطانية في بكين) فيما نشر بتاريخ 19-12-2003: إن ادعاءات التطوير الاقتصادي بالتهجير إلى مقاطعة "شنجانغ" (تركستان الشرقية) لم تعد فائدتها إلا إلى المهجرين الصينيين. فالعاملون مثلا في مصفاة تازونغ Tazho (في وسط صحراء تكلامكان) هم من الصينيين؛ ويبرر ذلك سكرتير الحزب الشيوعي الصيني وانغ لي جوان Wang Li Guan ببساطة أن الإيغور لا يملكون المهارات. ويقول المسن الإيغوري أيتام يوسف: "إنه باع عربته التي يجرها الحمار ويستخدمها لنقل الأغراض؛ لأنه لم يتمكن من إعاشة وتعليم أبنائه الأربعة في المدارس". ومع ذلك يعتبر هذا الرجل الذي يسكن بيتا من الطين نفسه أنه أفضل من غيره؛ إذ يقول: "هناك الكثيرون الذين لا يجدون عملا؛ حتى إن خريجي الجامعات لا يجدون عملا؛ ومناظر المتسولين مألوفة، ومعظمهم من الإيغور الذين هم مواطنون أصلاء.. ولكن من الدرجة الثانية".
اللغة والتاريخ تحت التهديد
إن تدفق هؤلاء المهجرين الصينيين وكثافة توطينهم لم يؤد إلى تدهور الوضع الاقتصادي لمسلمي تركستان الشرقية فحسب، بل إلى ممارسات جائرة ضد المسلمين، حيث مُنع رفع الأذان من مكبرات الصوت بدعوى أنها تزعج هؤلاء الصينيين الدخلاء؛ وترويج الزواج المختلط لزواج الصينيين والصينيات البوذيات بالمسلمين بضغوط اقتصادية وإغراءات مادية. ونظرا لما يشكله هذا الاستيطان الصيني المكثف من ضغط على المدارس المحلية. فمثلا في المدرسة المتوسطة الأولى في "كورلا" -وهي مدينة تركستانية، حيث يختلط 750 طالبا إيغوريا مع 1800 طالب صيني- أمرت الإدارة المدرسية أن يدرس الطلاب الإيغور باللغة الصينية؛ ولم يتمكن من ذلك إلا 75 طالبا فقط؛ وبدلا من أن يطلب من المهجرين الصينيين تعلم اللغة الإيغورية وهي لغة البلاد الأصلية، أصدر وانغ لي جوان Wang Li guan سكرتير الحزب الشيوعي الصيني لمقاطعة "شنجانغ" (تركستان الشرقية) قرارا بتاريخ 9 مارس 2002 يتضمن فرض التدريس باللغة الصينية لكافة المواد المدرسية من الصف الثالث وما فوق، مهددا لغة شعب تركستان المسلم وثقافته العريقة إلى الزوال.
وكان قد أعاد صياغة تاريخه بصناعة تاريخ صيني وزور حضارته الإسلامية التركية بحضارة مزيفة لا تمت إليه بصلة؛ وذلك بعد أن اضطهد واعتقل المؤرخين والمؤلفين المسلمين، أمثال تورغون ألماس وتوختي تونياز، بسبب كتاباتهم التي تعكس تاريخ الإيغور الحق قبل الاحتلال الصيني وبعده. وغدا الصينيون هم الذين يكتبون تاريخ وحضارة هذا الشعب المسلم، وتفرض كتبهم على الإيغور الذين ينحصر دورهم على دراستها والقراءة أو الترجمة فقط، ولا يحق لهم النقد والإيضاح وكشف الحقائق. فمثلا محمود الكاشغري -الذي قدم كتابه ديوان لغة الترك إلى الخليفة العباسي المقتدر بالله في عام 467هـ/1075م- تعتبره الصين مفكرا صينيا؛ وهكذا مثله يوسف خاص حاجب وغيرهما.
42 تجربة نووية + "الطريق الأسود"
لم تكتف حكومة الصين بالآثار المدمرة التي تركتها التفجيرات النووية على البيئة والإنسان في منطقة لوب بتركستان الشرقية التي جعلتها حقلا لتجاربها النووية منذ عام 1964، واستمرت تلك التجارب تمارس مكشوفة في الفضاء حتى عام 1980، ثم توقفت كما تزعم في عام 1996، وبلغت 42 تجربة نووية وهيدروجينية. وقد أدت إلى تزايد انتشار السرطان والإجهاض وتشوه المواليد؛ ومع أنها حاولت إخفاء ذلك وتبرير ما نتج عنها، إلا أن المنظمات الدولية، مثل السلام الأخضر والأطباء العالميين لمنع الحرب النووية IPPNW أكدت على نتائجها المدمرة على السكان والبيئة، خاصة أن مستوى الإشعاع الذري في لوب نور وصل إلى 239 بلوتونيوم، 90 سترنتيوم، 187 سيسيوم. وفي مؤتمر المرأة العالمي في بكين عام 1995 أثارت الدكتورة قالية كولدوغازيف Kalia Moldogaziava (باحثة من جامعة بشكك بجمهورية قيرغيزستان) قضية ارتفاع نسبة الوفيات إلى 40% في مناطق قيرغيزستان الشرقية على حدودها المتاخمة مع مقاطعة "شنجانغ" (تركستان الشرقية) بالصين، وذلك في أواخر شهر مايو 1994 على أثر تجربة نووية في تركستان الشرقية. وذكرت هذه الباحثة أن نسبة ارتفاع الأمراض في تلك النواحي من قيرغيزستان، تصل إلى 5.8 في الألف، وأن الأطفال يعانون من اضطراب النظام العصبي وقصور في القلب... هذا كله بسبب ارتفاع مستوى الإشعاع الذري في قيرغيزستان المجاورة... كم هي آثارها القاتلة في تركستان المسلمة نفسها؟ وما تحدثت عنها هذه الباحثة هي عن تجربة نووية تحت الأرض، ولكن هذه البلاد وشعبها المسلم لا يزال يعاني من نتائج التفجيرات النووية التي كانت تتم مكشوفة في الفضاء.
وكأن هذه الوسيلة لم تكف لنشر الموت لإبادة المسلمين؛ فاستغلت السلطات الصينية فقدان الوعي الصحي والاجتماعي الذي فرضته على الشعب التركستاني المسلم من خلال ترويج المخدرات والكحول. فمثلا في مدينة قراماي، يوزع الخمر مجانا على الإيغور المسلمين، كما جاء في نشرة البيانات الحرة Free Lists التي توزعها كيستون نيوز سرفرس Keston News Service بتاريخ 10-3-2002. وقد ذكر الباحث جوستين رودلسون Justin Rudelson في مقال له بتاريخ 11-6-2002: إنه في مدينة "إيلي".. عندما حاول الطلاب المسلمون توعية الشباب بمخاطر الكحول وضرره على الإنسان، مطالبين محلات الخمور بالتوقف عن البيع، قامت السلطات الصينية بقمع حملتهم بالقوة؛ فنتج عنها مقتل 200 طالب مسلم في عام 1997.
لقد دخلت تجارة المخدرات سرا من ماينمار (بورما) وتايلاند، وما يعرف بالمثلث الذهبي، عبر مقاطعات يوننان وجنغهاي وكانسو، ومنها إلى "شنجانغ" (تركستان الشرقية)، ثم اتصلت بالمافيا الدولية لتجارة المخدرات في باكستان وأفغانستان وقازاقستان، ومنها إلى أسواق العالم في أوربا وأمريكا. وهذه المناطق الصينية التي يمر منها طريق المخدرات الذي عرف بالطريق الأسود، هي بلاد يسكنها أكثرية إسلامية، حيث يصدر منه مثلا ما بين 80-100 طن من هروين رقم 4Heroin No.4 الذي تنتج ماينمار (بورما) منه 200 طن. وفي الوقت الذي يعاقب مروجو المخدرات بالسجن والإعدام في مناطق الصين الأخرى، فالمرجون لها في مناطق المسلمين يتمتعون بحماية السلطات السرية لنشاطهم. وقد أثبتت التحريات -التي أجريت في مقاطعة يوننان وفي معسكر جانغجي Changji- أن قادة جيش التحرير الشعبي (وهو جيش الإنتاج والبناء في تركستان الشرقية) يتاجرون بهذه السموم القاتلة.
فمثلا في مدينة لينشاLinxia في مقاطعة كانسو التي يسميها المسلمون الصينيون Hui مكة الصغرى لكثرة مساجدها ومدارسها الإسلامية تعتبر أحد المراكز الناشطة لتجارة الهيروين في الصين؛ وهو متوفر في كل مكان، ورخيص جدا مما يستخدمونه في التدخين. وينتهي هذا الطريق الصيني للمخدرات في تركستان الشرقية، حيث تم ترويجها بين الأهالي بدسها في الأطعمة والمشروبات التي تقدم في المطاعم؛ وقد بلغ نسبة من ابتلي بها 20% من جملة السكان؛ كما أن المبتلين بها من فئة الشباب الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة تبلغ نسبتهم 80%؛ والهروين الذي يباع باسم بايميان Baimian لا يصل نقاوته حتى 30%، ولم يقتصر الترويج لهذا النوع فقط، بل هناك الكوكايين والأفيون والحشيش، والماريجوانا والإفدرين Ephedrine وغيرها.
وهذه المخدرات التي أخذت تتدفق إلى تركستان الشرقية بتشجيع السلطات الصينية منذ عام 1994 جلبت معها مرض الإيدز إلى مناطق المسلمين، حيث تفيد التقارير أن التحاليل الطبية التي أجريت على مسلمي تركستان الشرقية في عام 1995 لم تسجل إصابة واحدة بالأعراض الخاصة بفيروس مرض نقص المناعة HIV، ولكن في نهاية عام 1996 يقول الباحث الصيني زنغ شي وين Zheng Xiwen من الأكاديمية الصينية لدواء المقاومة Chinese Academy of Preventive Medicine: إن واحدا من كل أربعة يتعاطون المخدرات كان إيجابيا بفيروسHIV. وفي السنوات الأخيرة أصبحت "شنجانغ" (تركستان الشرقية) من أكثر المقاطعات الصينية انتشارا بمرض وباء الإيدز، وأن المسلمين الإيغور هم أكثر القوميات التي منيت بهذا الوباء. ففي الأول من شهر ديسمبر 2003 أشار الباحث لي شيانغ Li Xiang (من الوحدة الخاصة بمكافحة الإيدز في مدينة أرورمجي) إلى 303 إصابات جديدة بمرض الإيدز في شهر سبتمبر 2003، وأن عدد المصابين بلغ 3165؛ ويقدر العدد الحقيقي للمصابين بأكثر من 30 ألفا. ويذكر أن 3 من كل 200 شخص في أورومجي يحملون الأعراض الخاصة بفيروس مرض نقص المناعة، بينما تقدر بعض الجهات المحلية نسبة المصابين بنحو 40% في أورومجي و85% في مدينة إيلي بالقرب من حدود قازاقستان. ويمكن القول بأن نسبة الإصابة تصل إلى 30% في مقاطعة شنجانغ (تركستان الشرقية)؛ ما يجعلها المقاطعة الصينية الأولى في نسبة انتشار الإيدز في الصين كلها.
كاتب تركستاني مقيم بالسعودية
|