English

 

الخميس. أغسطس. 25, 2005

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » جمهوريات آسيا الوسطى

 
أهم الأخبار  

آسيا الوسطى.. "عصية" على الديمقراطية

شيرين حامد فهمي

Image
لأول مرة ترد منطقة آسيا الوسطى على قائمة الدول "بالغة الأهمية"، أو كما تُطلق عليها "اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية" مُصطلح Countries of Particular Concern. وهو مصطلح له دلالته السلبية في العُرف الأمريكي والدولي، إذ يتمثل معناه في كون الدولة المعنية الموصوفة بهذا الوصف دولة مُتمادية في إهدار وانتهاك حقوق الإنسان، خاصة حقوقه الدينية.

وفي إبريل 2005 قامت هذه اللجنة التي دشنها الكونجرس في عام 1988 بموجب قانون "الحريات الدينية" IRFA بإدراج 11 دولة تحت هذا المُسمى؛ وكان من ضمن هذه الدول تركمنستان وأوزبكستان؛ وهي سابقة أولى من نوعها، فهاتان الدولتان التابعتان لمنطقة آسيا الوسطى، لم تقترنا بمثل هذا المسمى من قبل.

لا يستطيع أحد أن ينكر الحالة المأساوية التي تشهدها الحرية الدينية في منطقة آسيا الوسطى على وجه العموم، وفي تُركمنستان وأوزبكستان على وجه الخصوص، كما لا يستطيع أحد أن ينكر استحقاق مثل هاتين الدولتين لذلك "اللقب" السلبي من قبل "اللجنة الأمريكية للحرية الدينية"، إلا أنه لا يمكن في الوقت ذاته الإقرار بحتمية "العصا" الديمقراطية الأمريكية لحل تلك المأساة؛ لأن الخبرة الأمريكية المتراكمة أثبتت فشل تطبيق سياسة "الدمقرطة" في هذه المنطقة، هذا بالإضافة إلى تصادم الدور "الديمقراطي الإنساني" الأمريكي مع المصالح الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

حالة مأساوية.. لا شك

 
  إحدى المظاهرات في أوزبكستان احتجاجا على أحداث أنديجان

تتمثل المأساة "الدينية" بالمنطقة في ذلك التصادم القائم بين نظم مُستبدة فاسدة وبين شعوب تتوق بشدة إلى التمسك بالإسلام الذي حرموا منه طيلة 70 عاما من الحكم السوفيتي، فبينما تصر النظم على تطبيق تفسير أوحد ومطلق للإسلام، تصر الشعوب على استخدام حقها في الاختيار بين المذاهب والمدارس الإسلامية المتعددة، ومن ثم استخدام حقها في تدشين الجماعات والمنظمات التي تمثلها.

وكما يقول الدكتور "أبدوسامات خاديدروف" السفير الأوزبكي السابق في إيران وأفغانستان أثناء العهد السوفيتي والذي يعمل حاليا أستاذا للعلاقات الدولية بمركز "طشقند" للعلوم الشرقية: "الحكومات في آسيا الوسطى ما زالت متشبعة بالإرث السوفيتي بما يشمله من تسلط في الحكم وانفراد بالرأي وإقصاء للمعارض. ورغم سقوط الاتحاد السوفيتي فإن النظم ما زالت هي النظم، بجبروتها وديكتاتوريتها، على الرغم من كونها (مسلمة) شكلا وصورة".

ويشير "ليزليه إيفانس" في مقال يحمل عنوان "صعود التطرف الإسلامي في وسط آسيا" المنشور بـمركز دراسات الشرق الأدنى في 28 إبريل 2005 إلى أن تلك الحكومات المسلمة الجديدة لم تتفهم الرغبة الجارفة لشعوب المنطقة في التعرف على الإسلام والغرف منه بقدر حرمانهم منه طيلة العقود الماضية، فهذه الرغبة هي نتاج طبيعي ومنطقي لحالة الفراغ الفكري الذي ساد المنطقة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، والانفتاح على العالم الإسلامي خاصة في ظل تأثير العولمة، وانتقال المعلومات، وفتح الأبواب للتمويلات الإسلامية من شتى بقاع العالم الإسلامي، خاصة السعودية. بل إن الضغط على مسلمي المنطقة وطمس حقوقهم الدينية أثناء الحقبة السوفيتية كان من أكثر الأسباب التي أعادت الإسلام بهذه القوة إلى وسط آسيا، خاصة أنه يمثل أهم عناصر الهوية القومية في المنطقة.

لقد أساءت الحكومات التعامل مع تلك "الرغبة الجارفة" أو تلك الصحوة الإسلامية التي خلفت تيارين متمايزين: تيارا راديكاليا معتدلا يتماشى مع الخط الحكومي في التدين، وتيارا راديكاليا متشددا يُعرفه "خاديدروف" بالتيار المنشق عن المدرسة الحنفية المعروفة "بتسامحها" مع العلمانيين. بلغة أخرى: لم تتح الحكومات متنفسا مناسبا لتلك الصحوة، ذات التيارات المتعددة، إلا عبر المؤسسات "الحكومية" الإسلامية الناطقة باسم النظام، مما أوجد حروبًا أهلية عنيفة وحساسيات بالغة بين المد الإسلامي الشعبوي وبين القمع والاستبداد الحكومي. فها هي الحروب الأهلية الطاجكستانية تخلف من ورائها 100 ألف قتيل بعد أربع سنوات من القتال المستمر بين عامي 1992 و1996؛ وها هي أوزبكستان تشهد محاولة اغتيال رئيسها في عام 1999؛ وتدشن حكومات آسيا الوسطى فيما بينها منظمات إقليمية بغرض محاربة ذلك المد الإسلامي.

ويسرد المركز الأمريكي للدراسات الدولية والإستراتيجية CSIS على موقعه الإلكتروني يوم 27 يوليو 2005 تحت عنوان "معضلات أمريكا الإستراتيجية في أوزبكستان وتركمانستان" أمثلة لذلك التسلط الحكومي الذي تعاملت به أنظمة دول آسيا الوسطى "المسلمة" مع شعوبها "المسلمة"، ومنعها حقها الطبيعي في ممارسة الحرية الدينية خاصة في تركمنستان وأوزبكستان. ففي تركمنستان، قام الرئيس "نيازوف" في عام 1997 بتبني سياسة "الإقصاء" لجميع الجماعات والمنظمات الدينية ما عدا تلك الجماعات والمؤسسات التابعة للدولة كالمجلس السني المسلم والكنيسة الأرثوذكسية الروسية. ثم قام نيازوف بتسجيل "أفكاره الروحية" التي أسماها Rukhnama لكي تصير مادة إلزامية تُدرس في جميع المدارس التركمنستانية، بجانب القرآن الكريم. وحينما عارضها المفتي التركمنستاني في مارس 2004، رد عليه "نيازوف" بالاعتقال لمدة 22 عاما.

وفي أوزبكستان قام الرئيس "كاريموف" عام 1998 بإصدار قانون ينص على منع كل الجماعات الدينية غير المُقيدة رسميًّا؛ ثم أتبعه بفرض سياسة غلق المساجد والاقتصار على مؤسسة إسلامية "واحدة" لتمثيل المسلمين في أوزبكستان، وهي مؤسسة "المجلس الروحي المسلم". ومن ثم فحينما يقوم مسلم أوزبكستاني بممارسة شعائر إسلامية -غير متوافقة مع تلك المؤسسة- فإن الاعتقال يكون مصيره لا محالة.

وحسب تقرير الخارجية الأمريكية لحقوق الإنسان لعام 2004، يوجد في سجون أوزبكستان 5500 سجين من تلك النوعية؛ هذا إضافة إلى عدم شفافية النظام القضائي الذي يزيد النظام بطشًا وجورًا، وإلى المسئولين الأوزبكيين الذين يحولون بين ممثلي "اللجنة الأمريكية للحرية الدينية" وبين ناشطي حقوق الإنسان الأوزبكيين الذين كانوا في الأصل ضحايا للنظام.

ويعتبر "ميشيل لويدرز" المحلل الألماني والمتخصص في الشئون الإسلامية ذلك التعنت الحكومي سببا أساسيا وجوهريا في إذكاء الحركات الإسلامية المتطرفة بالمنطقة. فعدم توفير علماء أكفاء من قبل حكومات وسط آسيا، واستكفاء الأخيرة بالعلماء الحكوميين التقليديين، أوجد فراغا فكريا، كان المتطرفون أو الراديكاليون الأسرع في ملئه. فكما أوضح "لويدرز" في دراسته "القوة والعقيدة في وسط آسيا" المنشورة عام 2003 في المركز "الألماني للتعليم السياسي"، أن انقضاض "كاريموف" على "الإسلام غير الحكومي" أدى إلى إفراز جماعات راديكالية، سعت بكل جهدها نحو استقطاب البائسين اقتصاديا، والحياديين سياسيا. ومن أهم تلك الجماعات "حركة حزب التحرير الإسلامي" التي قامت في الأردن عام 1953، والتي أينعت في "وادي فرغانة" -مركز المنطقة التاريخي والثقافي والديني والاقتصادي- في تسعينيات القرن العشرين، بفضل دعم الإسلاميين الأوزبكيين على وجه الخصوص. وحذر المحلل الألماني من تلك الجماعات المتطرفة الساكنة لذلك الوادي، والتي بإمكانها إن تحالفت مع القبائل الإقليمية الوصول إلى السلطة في دول المنطقة.

ديكتاتورية النظم أم فوضى الديمقراطية؟

ولعل ما يتبادر إلى الأذهان من تساؤل بعد عرض ممارسات البطش والقمع التي تمارسها حكومات آسيا الوسطى تجاه شعوبها، هو: هل يؤدي استخدام "العصا" الديمقراطية إلى إغلاق هذا الملف الأسود؟ المراقب لمجريات السياسة في تلك المنطقة سيلاحظ على الفور أن الديمقراطية لم تثبت جدارتها على الإطلاق، فأضحت سببا للفوضى أكثر من كونها سببا للاستقرار.

وقد تبنت صحيفة "ناشيونال إنتريست" الأمريكية تلك الرؤية من خلال ما كتب على صفحاتها في 18 يوليو 2005 تحت عنوان "الفوضى لا الديمقراطية هي البديل الواقعي للديكتاتوريين في وسط آسيا"، عندما أشارت إلى أفضلية بقاء أولئك الديكتاتوريين عن زوالهم أو إحلالهم بنظم ديمقراطية؛ حيث حذر كاتب المقال "أوجين رومير" الإدارة الأمريكية من إسقاط نظام "كاريموف" الأوزبكي؛ لأن إسقاطه لن يزيد الأمر إلا سوءًا، كما أنه لن يؤدي في النهاية إلى إحداث الديمقراطية المأمولة.

ويعتمد لويدرز في حجته على عدة أمور:

أولا- إن قيرغيزستان جربت حظها في الديمقراطية، وذلك من خلال إطاحة الرئيس "عكاييف" وعسكره، ولم تجن إلا الخسارة. فمن ينظر إلى قيرغيزستان حاليا لن يجد أمامه سوى ساحة تعج بالفوضى باتت تهدد جميع دول المنطقة. ومن ينظر إلى طاجيكستان، سيجد حربا أهلية طاحنة. ومن ثم، تقف بقية دول المنطقة أمام هذين المثلين "البائسين"، مستلهمة العظة والعبرة، ومعترفة بأن الاستقرار سلعة نادرة في هذا الزمان، وأنه أغلى ثمنا من الديمقراطية.

ثانيا- إن أولئك الديكتاتوريين، على الرغم من بطشهم، يتمتعون بقدرات ملموسة وخبرات متراكمة في عمل توازنات بين القبائل المتنافسة والفصائل الإقليمية المتصارعة، المنتشرة في أنحاء بلدانهم؛ ومن ثم يستطيعون الحفاظ على استقرار المنطقة بالرغم من جبروتهم.

ثالثا- توجد قاعدة سائدة في المنطقة (وليس في هذه المنطقة وحدها) تقول بأن النظام الظالم المستقر خير من النظام الديمقراطي غير المستقر؛ وإن النظام المعروف أفضل من النظام غير المعروف. هكذا تغلغلت واستقرت تلك القاعدة في معظم شعوب المنطقة؛ ولهذا السبب يقف الجيش والأمن معا في صف "كاريموف" على الرغم من ديكتاتوريته.

تصادم بين الإنسانية والإستراتيجية

 
  قوات أمريكية فى قيرغيزستان

وكما أن الديمقراطية مستعصية على وسط آسيا لعدم إحلال الفوضى، وهو ما لا تحبذه الشعوب، فإنها مستعصية أيضا بسبب تعارضها مع المصالح الإستراتيجية الأمريكية. بمعنى أن إصرار الإدارة الأمريكية على دورها في حفظ حقوق الإنسان الدينية بالدول بموجب قانون الحريات الدينية سيُعرضها لفقدان مصالحها الإستراتيجية بالمنطقة، المتمثلة في النفط والغاز والقرب الجغرافي من أفغانستان، كما أشارت صحيفة "ناشيونال إنتريست".

وعلى سبيل المثال فإن قطع العلاقات الأمريكية مع أوزبكستان كونها دولة منتهكة للحرية الدينية، خاصة بعد أحداث "أنديجان" في مايو 2005 التي قتل فيها 500 مدني، لن يفيد الولايات المتحدة، بل سيضر بمصالحها وبعلاقاتها مع أهم الرموز السياسية الأوزبكية. وكانت أولى تلك الأضرار منع "كاريموف" الولايات المتحدة من استخدام قاعدة "كارشي-كاباد" الجوية الأوزبكستانية، وطلب الحكومة الأوزبكية من الولايات المتحدة في 29 يوليو الماضي سحب قواتها العسكرية من جنوب البلاد في غضون 180 يوما بعد أن دعمت أمريكا إجراء تحقيقات دولية في أحداث أنديجان، وهذا يمنع الضربات الجوية الأمريكية لأفغانستان، مما سيضر بحملتها الموسعة على الإرهاب.

كذلك لا ترى "ناشيونال إنتريست" استخدام الإدارة الأمريكية لأداة "العقوبات" مع دولة مثل أوزبكستان سيكون عنصرا مؤثرا على الأنظمة المحلية، وتضرب المثل بالتجربة الباكستانية، فقد دأبت الإدارة الأمريكية على فرض عقوباتها على باكستان، لتثنيها عن تجاربها النووية، ولترفع لديها الثقافة الديمقراطية وحس الاستقرار؛ إلا أن تلك العقوبات جاءت بنتائج عكسية وأفضت إلى انتقاص ثقة المسئولين الباكستانيين – خاصة الجيش – في الولايات المتحدة كشريك يعتمد عليه. ومن ثم، فإن تكرار التجربة مع أوزبكستان ليس إلا ضربا للرأس الأمريكية في الحائط.

وأخيرا.. يبقى التساؤل المربك الذي حير الجميع، وهو: هل سيبقى ضحايا الديكتاتورية في منطقة وسط آسيا، وفي كل المناطق التي تعج بالديكتاتورية أسرى لعقدة الاستقرار؟ وهل تبقى أمريكا أسيرة لمصالحها التي تراها "إستراتيجية" مقابل التخلي عن ما تروج له من قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ ومتى ينشأ نظام مستقر وديمقراطي في آن معا في تلك المناطق التي تقاسى الاستبداد وفساد الأنظمة؟.


باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات