|
| زيارة قاديروف أحدثت تحولا في العلاقات السعودية الروسية |
فيما يشبه المفاجأة استقبلت الرياض في منتصف يناير 2004 الرئيس الشيشاني الموالي لروسيا أحمد قاديروف، في وفد ضم رموزا دينية وسياسية موالية لموسكو. وجاءت الزيارة بدعوة رسمية من ولي العهد السعودي -الأمير عبد الله بن عبد العزيز آل سعود- خلال زيارته لموسكو في سبتمبر الماضي. وتحقق زيارة قاديروف عدة أهداف تأتي للبلدين في وقت مناسب للغاية.
ماذا حققت الزيارة لروسيا؟
1.أول وأهم اعتراف رسمي برئيس الشيشان الذي شكك الجميع في أحقية وصوله إلى رئاسة الجمهورية في انتخابات تمت في مطلع أكتوبر الماضي، ولم يعترف بها سوى الكرملين. كما تعد الزيارة خرقا لحاجز العزلة حول المشروع الروسي بتطبيع الحياة في الشيشان؛ باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الأراضي الروسية.
2.اختبار مدى إمكانية مساهمة الاستثمارات السعودية في إعادة إعمار الشيشان، ومد الطريق لوصول المساعدات الإنسانية إلى الشعب الشيشاني، عبر قنوات شرعية تأمنها موسكو ولا تلام عليها الرياض.
3.تضييق الخناق على حركة المقاومة، وحرمانها من تلقي أي نوع من الدعم. ولا تمثل السعودية هنا دولة عربية وإسلامية فحسب، بل وصاحبة أهم مرجعية دينية لمسلمي الشيشان الذين انتشر بينهم الفكر الوهابي بسرعة فائقة على مدى عقد التسعينيات. كما أن كثيرا من رجال السياسة والفكر في موسكو يرون في السعودية ودول الخليج أكبر منبع للتبرعات المقدمة إلى المقاتلين الشيشان. وقد سجل بعض المحللين الروس المتابعين لمكانة الفكر الوهابي في الشيشان أسماء عديد من كبار الشيوخ السعوديين الذين أصدروا الفتاوى بضرورة الجهاد في الشيشان، وقدموا الدعم الشرعي للعمليات الاستشهادية التي تتم على الأراضي الشيشانية ضد الروس، وهو ما شحن عددا من الشباب السعودي -حسبما يرى المستشرق الروسي ألكسندر إيغناتنكو- إلى التطوع في صفوف المقاتلين الشيشان تحت زعامة قادة من أصل سعودي، مثل خطاب وأبي الوليد.
4.التقدم خطوتين إلى الأمام في مشروع انضمام روسيا إلى منظمة المؤتمر الإسلامي -ولو بصفة مراقب- من خلال مد جسور مباشرة تلتقي فيها الكوادر الدينية الإسلامية في روسيا بنظيرتها السعودية، وإقامة حوار مباشر لا يستند على الترجمات الغربية لواقع الإسلام في روسيا.
ماذا حققت الزيارة للسعودية؟
1.نفي الاتهام المطروح بدعم المقاومة الشيشانية المسماة بالحركة الوهابية، ولو بدعم أيديولوجي، والتأكيد على أن هناك خلطا واضحا بين تبني فكر ديني و"إساءة" استغلال هذا الفكر خارج أراضيها. ولقد حرصت صحيفة "الوطن" السعودية على أن تحدد هدف الزيارة في "توظيف الجهود الثنائية للقضاء على أخطار الإرهاب والانفصالية التي أصبحت تهدد الجميع" (الوطن 14 يناير2004). ولعل في هذا انسجاما واضحا لما قاله بوتين من قبل بأن التفجيرات الإرهابية التي تشهدها السعودية وروسيا تحمل نفس التوقيع.
2.المضي -قبل فوات الأوان- في مسار التحولات السريعة التي تشهدها المملكة لوقف الهجوم من قبل جهات غربية وروسية بدعم الحركات الأصولية في العالم. خاصة وأنه قد تعرضت جمعية الحرمين الخيرية-التي تقدم دعما لمناطق إسلامية عديدة من بينها الشيشان- لانتقادات بالغة داخليا وخارجيا. وقد حرص قاديروف قبيل زيارته على أن يؤكد أن الرياض "توقفت الآن عن إرسال الدعم المالي إلى المقاتلين الشيشان" (رويترز في 15 يناير 2004).
3.بينما أفردت الصحف الروسية والغربية عشرات المقالات حول زيارة قاديروف إلى السعودية، لم تعط الصحف السعودية الرئيسية للأمر اهتماما يذكر، واكتفى معظمها بعدة أسطر خبرية، بشكل بدا إرضاءً للخارج، دون فتح الموضوع للنقاش داخليا لأسباب بديهية، أهمها الموقف الشعبي من محنة الشيشان. وقنعت هذه الصحف بالحديث عن أفق التعاون؛ كالتخطيط لإنشاء "مركز ثقافي" شيشاني في جدة. وهو ما صب في الاتجاه الرسمي للمملكة الذي يرى في تصرفات المرتبطين فكرا وعملا بالمقاتلين الشيشان -حتى وإن كانوا علماء دين- ترجمة لوازع فردي، لا علاقة له بالدولة، وغير صادر عن "ولي الأمر".
دبلوماسية النفط والإعمار
إضافة إلى الإعانات الإنسانية والمنح يأمل المسئولون الشيشان أن تفتح المملكة العربية السعودية أبوابها أمام 12.000 إخصائي في الصناعات النفطية يعانون البطالة، رغم ما لديهم من كفاءات لا تقل عن نظرائهم من الوافدين من باقي دول العالم إلى السعودية. وكذلك تنتظر الشيشان أن تمنحها المملكة محطات تكرير نفط ذات إمكانات محدودة، فضلا عن إمكانية عقد صفقات تجارية بين الشيشان والسعودية بعد اكتمال الوعد الروسي بمنح استقلالية اقتصادية للشيشان (صحيفة كومرسانت الروسية 15 يناير 2004).
وتعول الشيشان على استعادة شهرتها السابقة كمركز لتكرير النفط. ورغم هبوط إنتاجها إلى 1.5 مليون طن فقط -بعد استنزافها خلال الحقبة السوفيتية (يعود أول إنتاج للنفط الشيشاني إلى 110 سنوات)- فإن مستقبل الشيشان الاقتصادي يعتمد على إقامة بنية أساسية لتكرير النفط وربما بمساعدة سعودية.
فقبل الحربين المدمرتين اللتين عانتهما الشيشان خلال التسعينيات كانت بالشيشان ثلاث من مصافي النفط الرئيسية في كل جنوب روسيا بطاقة تكريرية مقدارها 30 مليون طن من النفط سنويا. وبإعادة إعمار القطاع النفطي في الشيشان ستستفيد روسيا من موقع الشيشان على طول خط الأنابيب باكو- نوفارايسيسك لتكرير النفط القزويني. وتشير وزارة الداخلية الروسية إلى أن 30.000 شيشاني منخرطون في أعمال "سرقة" النفط القزويني عبر آلاف الثقوب غير القانونية في أنابيب النفط المخترقة للأراضي الشيشاني.
وفي رسالته إلى ولي العهد السعودي -التي حملها قاديروف إلى الرياض- أكد بوتين أن روسيا "تنظر بأمل كبير إلى السعودية في إعادة إعمار الشيشان". وربما تكون موسكو قادرة على إعادة إعمار الشيشان بمفردها، إلا أنها ستكسب الكثير إذا ما دخلت الدول الإسلامية باستثماراتها في الشيشان، وسيُلزمها ذلك أن تخشى على أموالها من أن تمتد إليها أيدي "المخربين".
مسلمو روسيا وأفق الاندماج
حينما تقدمت روسيا في أغسطس 2003 بطلب الانضمام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي دعمت طلبها بأن عدد سكانها من المسلمين (الذي يتراوح بين 22 إلى 24 مليون نسمة) يفوق سكان عديد من أعضاء المنظمة. وحري بنا حينما نسترجع تلك القضية أن نحدد عن أي مفهوم نتحدث: هل نتحدث عن "مسلمي روسيا"؛ فنقصد عضوا مندمجا في نسيج الشعب الروسي، أم عن "المسلمين في روسيا"، وفي هذا المفهوم شبهة اندماج وشبهة انفصال؛ أم عن "الأقلية الإسلامية في روسيا"، وفي هذا المفهوم نلمح إلى كثير من الحقوق المهضومة والتغييب الثقافي والسياسي؟
ما قصدته روسيا بطلب الانضمام هو الحديث عن المفهوم الأول. فالمسلمون في هذه الدولة -على خلاف دول كفرنسا- لم يهاجروا إليها من قارة أو بلد آخر، بل ضمتهم الدولة الروسية منذ عدة قرون. وإذا كان الضم قد جاء بالإكراه؛ فإن موسكو تعتبر هذا الإكراه حدثا تاريخيا، والكلام عنه مضيعة للوقت، والأجدى تجديد الخطاب بتدعيم الاندماج. وهي حينما تطلب الانضمام إلى المنظمة ترفع شعار "من أجل مسلمي روسيا"؛ أي أنها حريصة على تشابك وتفاعل المسلمين عندها مع بقية العالم الإسلامي. وبينما لم تنس موسكو أن ماليزيا والسعودية كانتا أول من بارك المطلب الروسي فإنها تذكر جيدا عدم تحديد عديد من دول المنظمة لموقفها حيال مطلبها.
وفي هذا الصدد يبدو أن كلا منا ينظر إلى القضية عبر نموذجين مختلفين:
فروسيا تستعين بالنموذج التترستاني في التعايش والاندماج ضمن قوميات إسلامية، مضى على تفاعلها مع التاريخ الروسي نحو خمسة قرون. واختار هؤلاء بالتدريج التعايش الأقرب إلى التصالح مع الدولة التي يعيشون داخل حدودها. ولا نعرف في العالم العربي عن هذا النموذج سوى القليل لعدة عوائق، أهمها: العزلة الجغرافية، والعزلة اللغوية (لاحظ أن ما نكتبه عن المسلمين في العالم يأتي في قطاع مهم منه عبر الترجمة، وقليله يأتي من الخبرة المباشرة)، وعدم وجود جاليات مهاجرة من هذا الإقليم إلى العالم العربي.
أما العالم الإسلامي فينظر إلى المسلمين في روسيا عبر النموذج الشيشاني خاصة، والقوقازي عامة؛ ذلك النموذج الذي مضى على احتكاكه بروسيا نحو ثلاثة قرون. ورغم أن المسلمين في النموذج الأول تعرضوا لمحن واضطهاد، لا يقل بأي حال من الأحوال عن النموذج القوقازي.. فإننا نعي النموذج الثاني ونقدره، والسبب في ذلك: القرب الجغرافي، القرب اللغوي (مئات المؤلفات قُدمت بالإنجليزية لاهتمام الاستعمار البريطاني بهذا الإقليم)، ووجود عشرات الآلاف من ممثلي هذا النموذج في كل من تركيا وسوريا والعراق والأردن وفلسطين ومصر.
وتأتى العلاقة السعودية الروسية الجديدة لتقرب الإدراك الإسلامي من النموذج الأول؛ لا من خلال مد جسور بين السعودية ومسلمي النموذج الأول، بل بتعديل رؤية العالم العربي للنموذج القوقازي. وكما صرح قاديروف، قبل مغادرته إلى الرياض، قائلا: "مهمتي إقناع السعوديين بأن يتعاملوا مع الشيشان من خلال ساسة لا من خلال عصابات انفصالية". وبهذا فإن موسكو اختارت سياسة الاحتواء مع العالم الإسلامي ولسان حالها: "إذا كنتم ترغبون في مساعدة الشعب الشيشاني فعلى الرحب والسعة، ولكن دعونا نتعاون على ذلك".
وروسيا هنا تختبر مدى مرونة الدول الإسلامية تجاه قضايا حيوية وتاريخية، وقد شجعها على ذلك التغيرات الجذرية في العالم العربي مع الغزو الأنجلو أمريكي للعراق.
بعبارة أخرى: ترى موسكو أن العالم العربي أدرك انتهاء الجمود والتحرك عبر قوالب القرن التاسع عشر، كما أدرك أن عليه أن يتعامل مع قضية الأقليات بدعم الاندماج والتعايش، لا بتغذية الانفصال والثورة.
ولعل حضور ممثلين عن جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي كمراقبين في انتخابات الرئاسة الشيشانية (أكتوبر 2003)، وتقريرهم بأن الانتخابات جرت بشكل ديموقراطي.. يعد نقطة إيجابية تستعين بها موسكو في الحصول على تسوية سياسية لعلاقتها بالعالم الإسلامي.
وإذا كانت روسيا قد نجحت -عبر علاقتها مع عديد من دول العالم الإسلامي- بأن تحصل على تصريحات متتالية بأن القضية الشيشانية شأن داخلي، تبقى المهمة الأكثر صعوبة: كيف يمكن إقناع الشعوب الإسلامية بذلك؟!
ثمة من يضيف بعدا آخر للعلاقة بين روسيا والعالم الإسلامي، وجزء منها نابع من نظرية افتراض قيام تحالف روسي إسلامي لمواجهة الغرب وإسرائيل، غير أن هذا التحالف بعيد جدا عن واقع المعطيات الحالية؛ وذلك لسببين: الهيمنة الأمريكية على الدول الرئيسية في العالم الإسلامي، سواء بالترهيب أو الترغيب، وانشغال روسيا بمعضلات داخلية في مرحلة ما بعد الفترة الانتقالية.
خبير في الشئون الروسية
|