|
تأتي زيارة أمير قطر إلى إيران حلقة في سلسلة التقارب الخليجي- الإيراني عامة، والقطري- الإيراني خاصة، ولا سيما بعد تولي الرئيس خاتمي الحكم في إيران، حيث تم تبادل العديد من الزيارات بين مسئولين حكوميين من البلدين، وتوقيع بعض الاتفاقيات. وكان أبرز هذه الزيارات زيارة الرئيس خاتمي إلى الدوحة في مايو الماضي ضمن جولته العربية الأولى. وتأتي زيارة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني استجابة لدعوة خاتمي له لزيارة طهران.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة لكونها الزيارة الأولى التي يقوم بها رئيس دولة خليجية لإيران منذ عشرين عامًا، كما أن هذه الزيارة تتجاوز اللقاءات الأخوية والمجاملات السياسية إلى تفعيل العلاقات بين البلدين من خلال توقيع مجموعة من الاتفاقيات في مجالات محددة.
أجندة الزيارة
تضمن أجندة الرئيسين القطري والإيراني التوقيع على اتفاقيات اقتصادية وثقافية وصحية، من ضمنها اتفاقية للتعاون الثقافي، وأخرى في مجال الإعلام وتبادل المعلومات والأخبار، وفتح مكاتب لوكالات الأنباء وبروتوكول للتعاون الصحي، فضلا عن وضع آليات جديدة لتفعيل الاتفاقيات المبرمة بين البلدين في المجالات الاقتصادية والاستثمارية وفي مجال الطاقة.
وعلى صعيد التعاون المتبادل بين البلدين يأتي مشروع نقل مياه الشرب من نهر كارون الإيراني إلى قطر، الذي تتوافر له الإمكانيات الأولية للتنفيذ، لا سيما بعد نجاح التجربة الإيرانية في مد أنابيب فولاذية وخراسانية تحت الأرض لمسافة 180 كم. وقد جرت مشاورات مكثفة بين خبراء البلدين لاستغلال المياه السطحية التي تتسرب في مناطق الجنوب الغربي في إيران إلى مياه الخليج دون فائدة، ووفقا للدراسات فإن طول الأنبوب الذي سيمر عبر المياه الخليجية يبلغ 750 كم وينقل المياه بمقدار 10-20 مترًا مكعبًا في الثانية، ولا زال المشروع قيد البحث والإعداد.
وتحظى القمة الإسلامية القادمة التي ستعقد في الدوحة بحظ وافر من التباحث في هذه الزيارة، من أجل إعداد أمثل لها والتعاون بين المضيف السابق والقادم لقمة المؤتمر الإسلامي لجعلها قمة تضامن إسلامي في الوقت الذي تتعاظم فيه أزمات المنطقة والعالم الإسلامي، وتتطلب موقفًا إسلاميًا جادًا تجاهها.
دواعي التقارب القطري- الإيراني
على مدى عقدين منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران كانت الدوحة العاصمة الخليجية الأقرب إلى طهران حتى في ظل بلوغ التوتر الإيراني الخليجي قمته، ولم تصل أبدًا حد الخلاف والقطيعة، واستعصت على الظروف والسياسات التي صنعت من إيران عدوًا وهميًا للخليج.
وفضلا عن البعد الرسمي في العلاقات فإن التواصل الشعبي لم ينقطع على الإطلاق، فالهجرات والاستقرار، بل والتوطين المتبادل قديم وموغل في القدم، ويشير إلى حقيقة ترابط شعوب المنطقة بميراث حضاري واجتماعي ومنظومة قيمية واحدة، وهذه الظاهرة رغم أنها ليست خاصة بقطر وحدها، بل تمتد لتصدق على كامل الساحل الخليجي من الكويت إلى الإمارات وعمان- فإنها تتجلى أكثر ما يكون في قطر.
ويعتبر التقارب القطري- الإيراني الذي تعززه الزيارة الحالية لأمير قطر جزءا من سياسة إذابة الجليد الذي جمَّد العلاقات الإيرانية- الخليجية؛ هذه السياسة التي أضحت ضرورة ملحة في هذه المرحلة لأسباب سياسية واستراتيجية، فإيران من جانبها لم تجد بدا من نزع عباءة الثورة وتصديرها، وارتداء ثوب الدولة المدنية التي تتطلع إلى بناء علاقات طبيعية مستقرة وإيجابية مع الخارج ومع دول الجوار من باب أولى، وهو التوجه الذي ركز عليه خاتمي، وإن كانت بدايته ترجع إلى الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني الذي بدأت في عهده الخطوات العملية لترطيب الأجواء في المنطقة وإزالة غيوم التوتر منها، كما نشطت الدبلوماسية الإيرانية على الصعيد الخارجي والغربي بشكل خاص بالاستجابة لكل الإشارات الإيجابية القادمة من دول أوروبية، وحتى من الولايات المتحدة التي سماها قادة الثورة "الشيطان الأكبر" ، فكان من الطبيعي أن تحظى منطقة الخليج وقطر في مقدمتها بقدر أكبر من مبادرات التطبيع وتطوير العلاقات ، بحكم أن علاقتها بقطر لم تصل إلى باب مسدود كما كان مع دول خليجية أخرى.
أما قطر فإن سياستها الخارجية كانت على الدوام سياسة توفيقية وتقاربية مع كافة الأطراف العربية والإقليمية، فقد كانت أول دولة خليجية تخرج على حالة القطيعة مع إيران ونادت بضرورة إشراك إيران في مهمات حفظ الأمن الخليجي، لكونها أحد أكبر عناصر المنظومة الخليجية وأقواها، والموقف نفسه كان تجاه العراق إذ نادت قطر- على لسان وزير خارجيتها حمد بن جاسم آل ثاني- برفع الحصار عن العراق إلا أن معطيات عربية وعراقية حالت دون تطور هذا النداء إلى مبادرة فاعلة، ولا ننسى مبادرات قطر من أجل حل الخلافات العربية بين العديد من الدول وكثير منها كانت موفقة وآتت أكلها.
ومما يسرع خطوات التقارب هذا مصلحتان مشتركتان لكلتا الدولتين، وهما: الحفاظ على أسعار النفط، وأمن الخليج.
وإذا كانت المصلحة الأولى تلقى تجاوبًا مشتركًا بسبب اعتماد البلدين على النفط بشكل أساسي وحرصهما معا على عدم تدهور أسعاره، فإن المصلحة الثانية (تأمين الخليج) لا تزال آليات تحقيقها غير متفق عليها؛ بسبب الخلاف حول وجود القوات الأجنبية، ومع ذلك فإن هذه المصلحة تكتسب أهمية بالغة، ولا سيما من أجل موازنة الأحلاف الأجنبية في المنطقة، وعلى رأسها التحالف الإسرائيلي- التركي في إطار استراتيجية حلف الأطلنطي في المنطقة العربية.
علي صبري كاتب فلسطيني مقيم في قطر
|