|
من البديهي أن العلاقات بين مصر وإيران قديمة قدم الدهر، وتقوم على أسس تاريخية وثقافية فضلاً عن الجغرافيا السياسية والاقتصادية لكلا البلدين، وهذه العلاقات سواء كانت سلبية أم إيجابية لم ولن تنقطع طوال التاريخ.
لمحة تاريخية
إن آثار الحضارة القديمة تشير إلى أن البلدين قد تعاونا في المجالات المختلفة الاقتصادية والحضارية والعلمية والفنية، وقاما بدور خلاق في صنع الحضارة البشرية، وبعد ظهور الإسلام كانا جناحي الحضارة الإسلامية، وأصبحا في العصر الحاضر من حملة مشاعل الحرية في العالم، ويتمثل التواصل الحضاري بين مصر وإيران في المصاهرات النسبية والعقائدية واللغوية والأدبية والتي تبدو شواهدها في التاريخ والآثار أكثر من أن تُعَدَّ أو تحصى في العصور القديمة والإسلامية والحديثة، أما عن التواصل السياسي في العصر الحديث فقد ظهرت فكرة تبادل السفراء بين إيران ومصر بعد توقيع معاهدة "أرضروم" بين الدولة القاجارية الإيرانية والدولة العثمانية والتي نصت على أن إيران تستطيع أن تؤسس لها قنصليات في مدن ولايات الدولة العثمانية، وكان أول سفير لإيران في مصر هو حاجي محمد صادق خان عام 1869م، وقد تولى بعده 13 سفيرًا حتى قطعت العلاقات بين البلدين عام 1961م، ثم عادت العلاقات ببيان 29 أغسطس 1970م، وقد توقف الرئيس السادات في طهران في 11 أكتوبر 1971م وتبادل الأوسمة مع الشاه محمد رضا بهلوي، وقام حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية- آنذاك- بزيارة إيران في نفس العام وحضور الاحتفال بمرور 1500 سنة على تأسيس الإمبراطورية الإيرانية، وزار شاه إيران وولي عهده مصر عام 1975م وزار السادات طهران في نفس العام والعام التالي كما زارت الشهبانو مصر في نفس العام، وقد عقدت كثير من الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية والثقافية خلال هذه الفترة.
من التنافس إلى المشاركة
إن نظرية التواصل الحضاري قد جعلت العلاقات المصرية الإيرانية مرتبطة دائمًا بما يشبه شعرة معاوية إن أرخيت من طرف شدت من الطرف الآخر، ولكن إدراك كل من البلدين لقدراته الذاتية وإمكاناته وتزايد تأثير نشاطه في المنطقة، وإحساسه بحقه في الريادة على سائر دول المنطقة، ولرغبته في القيام بدور قومي أو وطني، أو سعيه لتحقيق أهداف دينية أو مذهبية أو إستراتيجية أو وطنية أو قومية ـ قد أوجد تنافسًا شديدًا بين هذين القطبين الكبيرين، وأدى إلى ضعف العلاقات بين مصر وإيران، وقد أدى توقيع مصر اتفاق كامب ديفيد سنة 1978 إلى أن يأمر الخميني حكومة الثورة الإسلامية بقطع العلاقات مع مصر، ودخلت بعدها العلاقات في دوامة من الشك والتوجس وتبادل الاتهامات والهجوم الإعلامي حتى أدرك البلدان خطأ هذا التوجه، وقد زال الفهم الخاطئ والأسلوب الانفعالي في تحليل كل منهما لسياسات الآخر الداخلية والخارجية، وأصبح كل منهما يحترم مبادئ وقيم الطرف الآخر، وتبدو الفرصة سانحة الآن لتطبيع وتحسين العلاقات بينهما.
ومن هنا كان من الضروري طرح هذه العلاقات من زاوية أخرى، بحيث تنتهي المنافسة القطبية التي كانت بين البلدين ويكون للمشاركة دور بديل عنها، فلا ينبغي لقطبي المنطقة أي مصر وإيران أن يتخذ كل منهما موقف المواجهة مع الآخر، بل ينبغي أن يضعا أيديهما في أيدي بعضهما البعض، أي أن يكونا شريكين. هذه المشاركة التي تعتبر خطوة أوسع من التعاون، لن تقضي على تحديات دعم علاقات التعاون بين البلدين فحسب بل، إنها سوف تجعل الثقة تحل محل سوء الظن، ولن تزيد من قوة كلا البلدين فحسب، بل إنها سوف تزيد من قوة العالم الإسلامي، إن هذه المشاركة لن تكون قابلة للتطبيق فحسب بل إنها يمكن أن تكون السبيل الوحيد لتطبيع العلاقات بين البلدين.
تحدي العولمة
إن تحرك المجتمع الدولي في اتجاه ما أصبح يعرف بالعولمة- وهي بالقطع مسيرة متحركة متطورة تزداد في أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية يومًا بعد يوم وتتخطى الحدود الجغرافية للدول- يفرض على كلا الدولتين قواعد جديدة للتعامل الدولي تجعل من المشاركة السبيل الوحيد لمواجهة تيار العولمة الجارف الذي يقتحم الخصوصية الوطنية ويُحْدِث متغيرات سياسية واقتصادية وثقافية فيها، تقتضي التقارب بين أبناء الأمة الواحدة وتفرض المشاركة من أجل تحقيق المصلحة المشتركة، وتحقيق إمكانية تقديم الثقافة الإسلامية إلى الثقافات الأخرى، وتحقيق القدر المطلوب من التوازن بين الشأن الإسلامي والشأن العالمي.
المشاركة السياسية
إن المشاركة السياسية تعني تنسيق المواقف تجاه الأوضاع الموجودة في المنطقة، والتعاون على حل مشكلاتها المعقدة، كما تساعد على إقرار الأوضاع المناسبة للتعاون الفعال بين دول المنطقة، ودعم السلام والأمن والصداقة، وهي ليست بمعنى تقسيم المصالح ومناطق النفوذ الضيق، إن التاريخ يشير إلى أن مصر وإيران كانت لهما طوال التاريخ مشاركة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، وتدل التجارب التاريخية على أنه عندما كانت المشاركة بين مصر وإيران علاقة بين قطبين فاعلين على مختلف المستويات خاصة المستوى الإقليمي كانت المشاركة عامل ضبط وتوجيه لنشاط كل منهما وفي قيامه بدوره وواجبه وتنفيذ تعهداته في المنطقة، ويمكن لهذه المشاركة في الوقت الراهن أن تقوم بهذا الدور خاصة في ظل الوضع الموجود في المنطقة وكثرة مشكلاته وحاجته إلى جهود فعالة من هذين القطبين مصر وإيران، ومن بين الأمور التي يمكن أن تحققها هذه الجهود: منع انتشار الإرهاب الفردي والجماعي وإرهاب الدولة، ونزع سلاح الدمار الشامل والسلاح النووي من المنطقة، وإحباط مؤامرات أعداء الإسلام في المنطقة، وإعادة بناء البنية السياسية للمنطقة، وإصلاح النظام العالمي الجديد وآثاره على المنطقة، والاستثمار في المناطق المتنازع عليها وتحويل مناطق التوتر إلى مناطق تجارية حرة.
المشاركة الاقتصادية
هناك ملفات ضخمة لوثائق المشاركة الاقتصادية بين مصر وإيران طوال التاريخ، ومن الضروري أن تراجع من جديد؛ حتى تكون أساسًا صالحًا لتأمين المصالح الاقتصادية لكلا البلدين في المستقبل القريب والبعيد، ومن الطبيعي أن يكون اقتصاد كلا البلدين قد تعرض في العصر الحاضر لكثير من التغيرات ويستقي توجهاته من المبادئ والأيديولوجيات الخاصة لكل بلد، ولكنهما معًا يواجهان الأوضاع الإقليمية والدولية الجديدة، وليس من شك في أن بينهما مجالات حيوية مشتركة سواء فيما يتعلق بالاستثمار أم بالتجارة والترانزيت أم بالبحوث المشتركة، إن لدى هذين القطبين إمكانات تحقيق الاكتفاء الذاتي ليس لنفسيهما فقط وإنما لجميع دول المنطقة أيضًا، لا شك أنه توجد تحديات ولكن إمكانية إزالتها رهن بإقرار علاقات قوية وحميمة بينهما، إن عدم وجود اتصالات أو مواصلات ونقل جوي وبحري مع وجود فقر في المعلومات والتعارف يمكن أن يحل عن طريق تفاهم وتنسيق بين الجهات المعنية والمتخصصين لدى الطرفين.
إن المشاركة تضع أهدافًا اقتصادية دقيقة، وتساعد على إقرار برامج تنفيذية محددة من أجل تطوير التعاون وتجهيز الأدوات المناسبة؛ لتنفيذ الخطط وتحقيق الاستفادة المثلى من الأدوات الاقتصادية الموجودة، فعلى سبيل المثال يمكن أن تمتد المشاركة في مجال الأبحاث إلى الميادين التالية: الماء والري، والطاقة الكهربائية، والزراعة والثروة الحيوانية، وزراعة الأسماك، وطب الأعشاب، والتدريب المهني، وإصلاح النظام الإداري، والصناعات الإلكترونية والفضائية، والبتروكيماويات، والطاقة النووية للأغراض السلمية، أما في مجال الاستثمار فيمكن أن تمتد إلى الميادين التالية: صناعة السكر، والصناعات البحرية، والصناعات الإلكترونية، والفضائيات والأقمار الصناعية والاتصالات، وبرامج الإذاعة والتليفزيون، وصناعة السينما، والصناعات الوسيطة واليدوية وقطع الغيار، وصناعة الجلود والأخشاب، وغير ذلك.
وتمثل تجارة الترانزيت أحد الميادين الخصبة للمشاركة، حيث إن موقع القطبين يسمح لهما بإقامة أكبر خط تجاري في العالم يمتد من طريق الحرير القديم مارًّا بإيران إلى قناة السويس، ويسمح بالتجارة بين مناطق متنوعة الثروة في آسيا وإفريقيا وبين الشمال والجنوب وبين الجنوب والجنوب وبين الشرق والغرب، وإن كانت كل دولة لا تستطيع أن تفي بالغرض وحدها فلا شك أن المشاركة بينهما سوف تحقق لهما في هذا المجال أقصى الفائدة.
إن لدى كل من الدولتين أجهزة ثورية ومبتكرة يستطيعان من خلالها أن يتبادلا الخبرة والتجارب المفيدة والقيمة كما يستطيعان التعاون سواء في مجال التعمير، مثل: جهاد التعمير في إيران ومؤسسات تعمير وزراعة الصحراء في توشكي وشرق التفريعة وسيناء في مصر، ـ أم في مجال تحويل المؤسسات الخدمية إلى مؤسسات إنتاجية، مثل مؤسسة المستضعفين في إيران ومجمعات الخدمات الريفية والأسرة في مصر، وسواء في المجال العسكري والأمني، مثل: الحراس والتعبئة (البسيج) في إيران وأمناء الشرطة والأمن المركزي والقوات الخاصة في مصر، أم في المجال الاقتصادي: مثل: قيادة توزيع السلع وقيادة السيطرة على الأسعار في إيران والأمن الغذائي وقطاع الأعمال في مصر، أم في المجال الثقافي، مثل: المجلس الأعلى للثورة الثقافية والمجمع العالمي لآل البيت ومجمع التقريب بين المذاهب في إيران والمجلس الأعلى للثقافة والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر، فضلاً عن التجارب القيمة للمؤسسات الاجتماعية والمجالس المحلية في المدن، وتجارب التحول الاقتصادي الحر والإسلامي في البلدين.
المشاركة الثقافية
كان مفكرو مصر وإيران في العصور الإسلامية بمثابة ممثلين لاتجاهين متوازيين في الفكر الإسلامي العام، أحدهما يمثل يمين الوسط في مصر والثاني يمثل يسار الوسط في إيران، استطاعا التواصل خلال فترات مختلفة من تاريخ العالم الإسلامي والالتقاء عند محور الوسط لأصحاب الفكر الديني الذي يجمع بين الوسط الإصلاحي والوسط الثوري، وكان من أهم مظاهره نقطة الالتقاء حول فكر آل البيت مرورًا بفكر الفاطميين وفكر جمال الدين ومحمد عبده إلى فكر محمود شلتوت حول التقريب بين المذاهب الإسلامية، كما كان تبادل فكر الإصلاح الثوري بين مصر وإيران خلال فترات من التاريخ الإسلامي للبلدين والتي تمثلت مظاهره في حركات الحكم الذاتي والاستقلال عن الخلافة ومواجهة الغزو المغولي والصليبي، وتمثلت كذلك في الثورة النيابية وحركة مصدق وتأميم النفط في إيران وثورة 23 يوليو وتأميم قناة السويس والحركات الإسلامية في كلا البلدين.
إن قضية تصدير الثورة الإسلامية التي تم الخلط فيها بين الجانب الثقافي والجانب العسكري والأمني، مما أثار الشك والريب والتوجسات الأمنية، وكانت سببًا مباشرًا في توتر العلاقات المصرية الإيرانية، يمكن اعتبارها الآن - وفي ظل المشاركة الثقافية وبعد أن أصبحت قضية ثقافية بحتة - من القضايا التي تقبل الطرح على مستوى المثقفين في كل من مصر وإيران، بل إن عرضها على طاولة البحث قد أصبح ضروريًّا الآن باعتبارها فكرًا إسلاميًّا عامًّا يتضمن تجربة إيرانية في التطبيق، ولا شك أن هناك قضايا فكرية أخرى يمكن أن تدخل في إطار المشاركة الثقافية، لعل من بينها: قضية مواجهة الغزو الثقافي الأجنبي للفكر الإسلامي وما ترتب عليه من تداعيات، كما أن قضية التقريب بين المذاهب الإسلامية تحتاج إلى مزيد من العناية، كذلك قضية الإسرائيليات في الفقه، إلا أن القضية الهامة التي تحتاج بالفعل إلى المشاركة الثقافية المصرية الإيرانية هي قضية بناء الثقافة الإسلامية الحديثة التي تتواءم مع أصالة الثقافة الإسلامية العريقة التي بناها أجدادنا، وتواكب الثقافة العالمية التي تضغط علينا بكل الوسائل الحديثة الضاغطة، إن هذه القضية في الواقع قدر مصر وإيران في الوقت الراهن، ولو أنه لا توجد أسباب للمشاركة الثقافية بين البلدين غير هذه القضية لكفى. ويدخل في إطار المشاركة الثقافية أيضًا المشاركة الفنية سواء في مجال الفنون الجميلة أم الفنون الأدبية أم الفنون التمثيلية كالمسرح والسينما والإذاعة والتليفزيون، وتأتي ضرورة المشاركة المصرية الإيرانية في هذه الفنون من منطلق الخروج من أزمة التردد التي أحاطت بكل الفنون لدى كل البلاد الإسلامية، والتي تتطلب جهدًا كبيرًا ومشاركة واسعة للخروج منها، ولا شك أن إيران قد خطت خطوات إيجابية موفقة في هذا المجال، وأصبحت تجربتها في هذا الصدد تستحق التوقف عندها، وإدخالها ضمن جهود المشاركة لتحقيق هدف إيجاد فن إسلامي لا يتنافى مع أصول ومبادئ الشريعة الإسلامية ويليق بثقافة هذا الدين وهذه الأمة العظيمة، ويحل معضلة الصدام بين الفن والدين.
خلاصة وتقويم
إن هذا المشروع جدير بالاهتمام والدراسة؛ لأنه ليس خيالاً بل هو نظرة تحليلية للإمكانات الطبيعية لكل من مصر وإيران وظواهر إيجابية في تاريخ كل من البلدين ووضع كل منهما في سفينة واحدة ومصير مشترك، ربما يقول البعض: إن المشاركة خطوة متعجلة في وضع معقد وتحديات كثيرة وفترة طويلة من الركود في العلاقات، أو أنها قفزة غير محسوبة في مسيرة علاقات حساسة بين مصر وإيران، ولكن هذه القفزة هي في الحقيقة خطوة شجاعة وضرورية لطي المسافات المصطنعة وتعويض الوقت الضائع في الشك وعدم القدرة على اتخاذ القرار الصحيح والجاد فيما يتعلق بعودة العلاقات الإيرانية المصرية لمصلحة الطرفين، وإحباط مؤامرات أعداء البلدين وأعداء الإسلام.
أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس- القاهرة.
|