|
| جيرهارد شرودر وأنجيلا ميركيل |
قبل أيام قليلة من موعد الانتخابات الألمانية المبكرة في 18 سبتمبر الحالي تجد الجاليات المسلمة في ألمانيا نفسها في موقف لا تحسد عليه. فقد استغل تحالف الحزبين المسيحيين الديمقراطي والاجتماعي المعارضين أجواء الخوف من المسلمين التي نتجت عن اعتداءات لندن الأخيرة وأطلق أبواق الدعاية الانتخابية ليشيع بين الألمان مزيدا من الخوف من المسلمين في تصرف وصفه مثقفون كثيرون بأنه غير مسئول ولا يراعي سوى اعتبارات الحملة الانتخابية والمكاسب السياسية، حيث يسعى تحالف المعارضة بقيادة مرشحته "أنجيلا ميركيل" للفوز في هذه الانتخابات والإطاحة بالحكومة الائتلافية للاشتراكيين والخضر بزعامة المستشار جيرهارد شرودر.
في البداية ترددت "ميركيل" وقيادات الحزب المسيحي الديمقراطي في طرح قضية المهاجرين وازدياد أعداد الأجانب في المجتمع الألماني في حملتها الانتخابية بعد أن ووجهت بهجوم من جانب الحزب الديمقراطي الحر المعارض أيضا والشريك المتوقع في الحكومة إذا فازت المعارضة، باعتبار أن مطلب وقف تيار الهجرة إلى ألمانيا هو مطلب جماعي لكل الأحزاب بما فيها الحكومة نفسها، التي أصدرت قانونا مثل المصفاة، يسمح فقط للأجانب المؤهلين الذين تحتاجهم البلاد بالدخول. كما أن قضية اندماج المسلمين تسعي كل الأحزاب في برامجها لطرح حلول لها مثل دورات تعليم اللغة الألمانية الإجبارية أو تدريس الدين الإسلامي تحت إشراف مدرسين مؤهلين في ألمانيا... إلخ.
تسميم العلاقة بين الألمان والمسلمين:
غير أنه ومنذ اعتداءات لندن، وجدت المعارضة في الجدل الدائر حول الأمن الداخلي في ألمانيا والدعم لمحاربة التطرف الإسلامي فرصة سانحة لاستمالة الناخبين الألمان، فعاودت من جديد طرح قضايا المهاجرين والأمن الداخلي من زاوية الوجود الإسلامي في ألمانيا وتهديده للثقافة الألمانية وأسس الديمقراطية والعدالة والحرية التي يرتكز عليها المجتمع الألماني دون ذكر فئة المسلمين صراحة، بداية من "أدموند شتويبر" رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي مرورا بوزير داخليته في ولاية بافاريا "جونتر بيكشتاين" المرشح لتولي منصب وزير داخلية ألمانيا في حالة الفوز، و"فولفجانج بوسباخ" نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب المسيحي الديمقراطي، وانتهاء بقيادات الحزب على مستوى المحليات، فإن الجميع يصدرون تصريحات وصفتها وزيرة العدل الألمانية السابقة وعضوة الحزب الديمقراطي الحر المعارض بأنها سوف تتسبب في تسميم المناخ الاجتماعي والعلاقة بين الألمان والمسلمين.
فقد اتهم "شتويبر" الحكومة الألمانية في إحدى المناسبات الانتخابية بأنها تعيش في وهم يدعي المجتمع متعدد الثقافات، وأن الحقيقة المرة هي أن ألمانيا التي يعيش بها 7.5 ملايين أجنبي منهم نحو 3 ملايين مسلم، تكونت بها مجتمعات موازية ومغلقة تدنى فيها المستوى الاجتماعي وتنشب فيها صراعات وتنتشر فيها ظاهرة الزواج القسري للفتيات، وجرائم الشرف والتطرف! وهي الاتهامات الموجهة للجاليات المسلمة وحدها دون غيرها. ولذا يطالب "شتويبر" بغلق أبواب ألمانيا أمام هذه الفئات والتركيز على جهود إدماج الموجودين منهم في ألمانيا.
أما "بيكشتاين" فقد طالب بمراقبة المساجد وتجنيد جواسيس داخلها لإبلاغ السلطات عن الأفكار المتطرفة التي تروج بداخلها. بالإضافة إلى اقتراح بنشر الجيش الألماني داخل المدن لتأمينها من خطر الإرهاب الإسلامي القادم، وتولي وزارة الداخلية الإشراف على منح تأشيرات دخول ألمانيا في المستقبل، والترحيل الفوري لكل من تثبت علاقته بجماعة متطرفة، وتحتل بافاريا المرتبة الأولى بين الولايات الألمانية في ترحيل المتشددين الإسلاميين خارج البلاد.
واستهل "بوسباخ" لقاءه بالمواطنين الألمان في الأسبوع الماضي في مدينة روتنبرج بالعبارة التالية: ليس كل المسلمين إرهابيين ولكن كل الإرهابيين مسلمون، مؤكدا أن ألمانيا هي المرتع الأول للإرهابيين في العالم وهو ما يتطلب يقظة وحزما كاملين من السلطات والمواطنين معا. وقال إن ألمانيا لا تريد مجتمعا متعدد الثقافات، ولم يخل اللقاء من أرقام ذات دلالة وتأثير كبير على الناخب الألماني المشغول بالأزمة الاقتصادية وتأثيرها على وظيفته، فقال "إننا لا نريد مزيدا من الأجانب ففي عام 1973 كان عددهم في ألمانيا 4.5 ملايين نصفهم يعملون، أما اليوم فعددهم 7.3 ملايين لا يعمل منهم في وظائف سوى 1.9 فقط، والباقون عالة على المجتمع".
خلط السياسة بالدين:
ويقف المرء في حيرة أمام الحزب المسيحي الديمقراطي، فهذا الحزب يعرف نفسه بأنه يمتلك مفهوما سياسيا قائما على الدين والقيم المسيحية وعلى مسئولية الفرد أمام الله، وهو في الوقت نفسه أيضا حزب ديمقراطي ليبرالي محافظ يلتزم بجذور أوربا التاريخية، أي إن الحزب يسعى للحفاظ على نوع من التدين المعتدل والتوازن بين أفكاره ومرجعيته الدينية من ناحية، وبين نشاطه السياسي القائم على قيم العدل والديمقراطية والحرية التي ينص عليها الدستور الألماني والذي يفصل بدوره فصلا تاما بين الدين والدولة.
تحقيق هذا التوازن أمر ليس سهلا، فالحزب يتبني كثيرا سياسات تتناقض مع هويته المسيحية مثل تأييده لاستخدام تقنية استنساخ الأجنة المرفوضة من الكنائس في ألمانيا، وكذلك خلو برامجه لدفع عجلة الاقتصاد الألماني من البعد الاجتماعي، بل إن سياساته الاقتصادية في جوهرها تدعم طبقة رجال الأعمال على حساب الفقراء، وأخيرا هناك موقفه المؤيد للغزو الأمريكي للعراق قبل سنوات، ولذا طالب ألمان كثيرون بل ومسئولون كنسيون الحزب بالتخلي عن صفة المسيحية في اسمه لأنه يستخدمها كواجهة لاستقطاب الناخبين.
مزيد من إذكاء الإسلاموفوبيا:
ومن هذا المنطلق، فإن قيام بعض قيادات الحزب بإذكاء تيار "الإسلاموفوبيا" المتنامي في المجتمع الألماني بشكل مباشر أو غير مباشر، يفضل البعض أن ينظر إليها باعتبارها انتهازية سياسية لقرب موعد الانتخابات، لأنه لو تم تفسيرها بأنها من صلب أفكار الحزب وسياسة عامة له في المرحلة القادمة، فإن ذلك ينذر بمواجهة مع الجاليات المسلمة في ألمانيا إذا ما تولت حكومة مسيحية قيادة البلاد لا سيما أن هناك خلطا كبيرا في خطاب الحزب بين الإسلام وبين التطرف الإسلامي،. والمثال الذي يوضح ذلك ما جاء في الوثيقة التي أصدرتها لجنة القيم الأساسية بالحزب في 13 يوليو 2004 تحت عنوان "العولمة: تحد أمام القدرة على التحرك السياسي" وجاء فيها ما يلي: تقف كل من المجتمعات المفتوحة في الغرب من ناحية والتطرف الإسلامي من ناحية أخرى، باعتبارهما نموذجين مطروحين في عصر العولمة، على طرفي النقيض... ولا يمكن التغلب على هذا التناقض بينهما لأنهما لا يتحدان، فالهدف الأساسي لهذه الحركة العالمية السياسية الدينية هو التخلص من الحضارة الغربية وإقامة الدولة الإسلامية في كل مكان تعيش فيه مجموعات كبيرة من المواطنين المسلمين، وهذه الدولة تستبعد المفهوم الأوربي الأمريكي لحقوق الإنسان وهي تستهدف أيضا أوربا، ومن هنا فإن المطروح أمامنا هو إما خيار أوربة الإسلام أو أسلمة أوربا، وهذا الصراع لن يمكن حله -من وجهة نظر الحزب- إلا إذا تقبل الإسلام المفهوم العالمي لحقوق الإنسان".
ويقدر عدد المسلمين الذي لهم حق المشاركة في الانتخابات المقبلة بنحو مليون مواطن، من بينهم نحو 800 ألف مواطن من أصل تركي حيث إن الجالية التركية وحدها تقدر بنحو 2.6 ملايين مواطن في ألمانيا، فإذا كان عدد الناخبين وفقا لدائرة الإحصاء الألمانية هو قرابة 62 مليون ناخب، فإن الناخبين المسلمين لا يشكلون سوى أقل من 2% من الأصوات. هذا إذا فرض أن نسبة التصويت ستكون مائة بالمائة. ومن هنا فإنهم لا يشكلون وزنا يعتد به بالنسبة للحزب المسيحي الديمقراطي. وبالتالي أيضا ليس هناك ما يدعو الحزب سياسيا لتبني مطالبهم أو الاهتمام بها، كما أن الغالبية العظمى من الناخبين الأتراك تنتخب عادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي يعبر تقليدا عن مطالب العمال والطبقات الفقيرة. وتشير المؤشرات حتى الآن إلى أن الانتخابات القادمة ستأتي بحكومة مسيحية ديمقراطية إلى برلين، فما هو يا ترى مستقبل الجاليات المسلمة في ألمانيا في ظل هذه الحكومة؟.
طالع أيضا:
مراسل صحيفة الأهرام في ألمانيا.
*تقرير نشر بجريدة الأهرام تحت عنوان "مع اقتراب موعد الانتخابات المبكرة: مخاوف الجاليات المسلمة في ألمانيا من حكومة مسيحية ديمقراطية"، عدد 10/9/2005.
|