English

 

السبت. مارس. 18, 2006

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أستراليا

 
أهم الأخبار  

جنوب آسيا.. بديل أمريكي أم صيني؟

شيرين حامد فهمي

الولايات المتحدة والهند ومعادلات جديدة بجنوب آسيا

حينما زار الرئيس الأمريكي السابق "بيل كلينتون" الهند في مارس 2000، كانت تلك الزيارة الأولى من نوعها منذ 22 عاما. وبعدها بست سنوات فقط، وفي نفس الشهر، كانت زيارة الرئيس "بوش" إلى الدولة ذاتها، الأمر الذي يطرح تساؤلا مثيرا: لماذا نبذت الإدارة الأمريكية الهند طيلة 22 عاما، ثم نهضت أو "انتفضت" فجأة لتضعها في حساباتها؟.

زيارتان متعاقبتان تدلان على أن زيارة الهند لم تعد رغبة أمريكية بقدر ما أضحت أمرا مطلوبا -وبشدة - من جانب الرئيس الأمريكي في فترة ولايته، بغض النظر عن الحزب الذي ينتمي إليه. هذا ما أكده مركز "بروكينجز" تحت عنوان "رحلة بوش إلى جنوب آسيا: التحديات والفرص".

لقد وصف المركز السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الهند بالسياسة المستمرة التي ستظل على ثباتها بالرغم من اختلاف الحكومات الأمريكية. ففي أثناء ست سنوات، انتهجت حكومة "كلينتون" الديمقراطية ونظيرتها الجمهورية "البوشوية" نفس المنهاج السياسي تجاه نفس الدولة. وبات الديمقراطيون والجمهوريون - بكل ما بينهما من خلاف - يطالبون بدعم العلاقة الأمريكية الهندية، على امتداد القرن الحادي والعشرين.

إن تعاظم أهمية الهند في القرن الحالي ليس هو السبب الوحيد للزيارة الأمريكية الأخيرة، بل هناك سببان آخران لا يقلان أهمية، وهما: تكريس التواجد الأمريكي في منطقة جنوب آسيا، واستمالة الهند وباكستان ضد الصين.

ومن ثم، نستطيع القول: إن زيارة "بوش" الأخيرة لمنطقة جنوب آسيا يمكن قراءتها في ظل الأطر الآتية:

1 - إدراك مكانة الهند المتعاظمة إقليميا وعالميا.

2 - تكثيف التواجد الأمريكي في منطقة جنوب آسيا.

3 - دعم المثلث الأمريكي-الهندي-الباكستاني بهدف تطويق الصين، وإدراك مكانة الهند المتعاظمة.

الهند الجديدة: تعاظم إقليمي وعالمي

لماذا أضحت الهند مهمة؟ يجيب مركز "بروكينجز" باختصار من خلال التركيز على أربع نقاط:

أولا: من الناحية السياسية، تعتبر الهند أكبر ديمقراطية في العالم.

ثانيا: من الناحية الاقتصادية، تعتبر الهند حاليا إحدى كبرى القوى الاقتصادية، ويُتوقع لها أن تصبح أسرع القوى الاقتصادية نموا في عام 2020.

ثالثا: من الناحية الديموغرافية، تعتبر الهند أكثر الدول كثافة في عدد السكان بعد الصين، ويُتوقع لها أن تسبق الصين على مدى العقود القادمة.

رابعا: من الناحية الثقافية، تعتبر الهند صاحبة أكبر صناعة سينمائية في العالم.

لقد شهدت العلاقات الأمريكية الهندية - كما يقول "ستيفين كوهين" الباحث الأول بمجلة "دراسات السياسة الخارجية" - نقاط تحول كثيرة، ابتداء من علاقات باردة في الخمسينات، ثم علاقات إستراتيجية قوية بعد النزاع الحدودي الهندي الصيني في عام 1962، إلى علاقات عدائية في السبعينيات، حينما كان يُنظر للهند على كونها حليفا للاتحاد السوفيتي، وأخيرا إلى علاقات أقل رسمية وأكثر ودا في خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.

وتعتبر زيارة "بوش" الأخيرة -من منظور "كوهين"- نقطة تحول رئيسية في العلاقات الأمريكية الهندية، إذ بنجاح تلك الزيارة تحقق مُرادان، سينتفع منهما الطرفان.

المراد الأول هو إدراك الإدارة الأمريكية للهند المتعاظمة الجديدة، وهو ما بدأ "كلينتون" في إدراكه منذ مارس 2000، وهو أيضا ما أبرزته "كونداليزا رايس" في 12 ديسمبر 2005، بصحيفة "واشنطن بوست"، حينما قالت: "إن الهند ستأخذ مكانها ضمن القوى العالمية". وهو أمر ليس بخافٍ عن الزعماء والقادة الهنود في القرن العشرين، وقد سجلوه في كتاباتهم ومؤلفاتهم، ومنها كتاب "اكتشاف الهند" للزعيم الهندي "جواهر لال نهرو".

المراد الثاني، هو التخفيف من حدة التوجسات الهندية تجاه الإدارة الأمريكية، والكف عن اعتبارها معارضة للصعود الهندي.

تكثيف التواجد الأمريكي في جنوب آسيا

تتألف منطقة جنوب آسيا من ثلاث دول كبرى، ومن خمس دول صغرى. فأما الدول الكبرى، فهي الصين والهند وباكستان، وأما الدول الصغرى، فهي بوتان وسيريلانكا وبنجلاديش ونيبال وجزر المالديف. وكما يؤكد "المركز الباكستاني للدراسات الإقليمية"، فإن تكريس التواجد الأمريكي، العسكري والاقتصادي، في المنطقة بات يأخذ شكلا واضحا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهو ما جعل دولة مثل الصين تتحفز وتتأهب، خاصة بعد إعلان الشراكة الإستراتيجية الأمريكية الهندية في نوفمبر 2001.

فقد دخلت واشنطن بعمق في المنطقة، راغبة في تكريس الأحادية الأمريكية، سواء على الصعيد الاقتصادي أو العسكري. فالمنطقة تكتظ بأعلى نسبة من مسلمي العالم، ومن ثم تحوز على اهتمام عالٍ للإدارة الأمريكية، في ظل حربها على الإرهاب. ومن ثم، تأتي زيارة "بوش" الأخيرة إلى الهند دون الصين، في إطار تلك الرؤية الأمريكية.

إن غوص واشنطن في منطقة جنوب آسيا، كما أكد "المركز الباكستاني للدراسات الإقليمية" تحت عنوان بحثه الطويل "الصين وجنوب آسيا في ظل عالم متغير" 2004، دفع الصين إلى جعل المنطقة على قمة أولوياتها. فبعد أن كانت منطقة شرق آسيا (شبه القارة الكورية وتايوان) على قمة أولويات السياسة الخارجية الصينية، أضحت منطقة جنوب آسيا هي محل الاهتمام الأول للخارجية الصينية. وبدأت الصين، في السنوات الخمس الأخيرة، تدعم علاقاتها الاقتصادية مع دول المنطقة بهدف صد الهجمة الأمريكية الشرسة؛ ومن ثم، نرى التزايد الواضح لحجم التحالفات والاتفاقيات الاقتصادية والتجارية التي تمت في الآونة الأخيرة بين الصين ودول المنطقة، حتى بين الصين والهند، العدوين اللدودين. وهو الأمر الذي أغاظ واشنطن، فدفعها إلى انتهاج سياسات "المغازلة الثنائية" تجاه الهند وباكستان من أجل تطويق الصين، كما عكست زيارة "بوش" الأخيرة.

دعم المثلث الأمريكي-الهندي-الباكستاني

يمكن اعتبار زيارة "بوش" إلى الهند وباكستان في مارس 2006، لا الصين، إعلانا صريحا عن "المغازلة الثنائية" الأمريكية للهند وباكستان معا، وهي السياسة التي وصفها "المركز الباكستاني للدراسات الإقليمية" على كونها سياسة أمنية أمريكية جديدة، من أجل تطبيق أوسع للأجندة الأمريكية العالمية في منطقة جنوب آسيا.

ويمكن الاستناد على عدة مؤشرات، تعكس ذلك التوجه الإستراتيجي الأمريكي صوب الهند وباكستان معا:

1 - الجهود الأمريكية الأخيرة -عام 2004- في تحسين العلاقات بين الهند وباكستان، وفي تأييدها لعلاقات التطبيع بين العدوين اللدودين.

2 - تطور العلاقات الأمريكية الباكستانية (بوش-مشرف)، واتجاهها نحو شراكة طويلة المدى، وذلك على عكس ما كان في عهد "بيل كلينتون".

3 - تدرُّج إدارة "بوش" في علاقاتها مع باكستان، كما فعلت مع الهند. فكما تدرجت إدارة "بوش" مع الدولة الهندية من الحوار الإستراتيجي إلى الشراكة الإستراتيجية، تعزم حاليا على انتهاج نفس المنوال مع الدولة الباكستانية.

4 - بدء سلسلة الحوارات الإستراتيجية بين "واشنطن" و"إسلام آباد" منذ يوينو 1998، حيث تركزت معظمها حول "السلام" و"الأمن"، ثم تطور الأمر إلى العرض الأمريكي على باكستان لكي تصير حليفا أساسيا للولايات المتحدة.. حليفا لا ينتمي إلى حلف الأطلسي.

وبناء عليه، يمكن قراءة زيارة "بوش" الأخيرة إلى الهند وباكستان معا في هذا الإطار، ويبقى السؤال المطروح: هل سيصمد ذلك المثلث الأمريكي-الهندي-الباكستاني الآخذ في النمو بشكل ملحوظ؟ وهل ستضحي الهند وباكستان بمصالحهما الإقليمية مع الصين؟ وهل سينجح "بوش" في تطويق الصين وكسب الهند وباكستان كشريكين إستراتيجيين؟.

هل ستنجح أمريكا في تطويق الصين؟

على الرغم مما قد يبدو عليه المثلث الأمريكي-الهندي-الباكستاني من قوة، مقارنة بالصين وحدها، فإن رجحان الكفة لصالح الصين ليس أمرا مستبعدا، وذلك لعدة أسباب متضافرة:

أولها: أن الخلافات النووية بين الهند والولايات المتحدة ما زالت متواجدة في العمق، على الرغم مما يبدو على السطح؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى إفشال هذا المثلث. فعدم اتفاق الدولتين حول السياسة النووية سيسهم غالبا في عرقلة العلاقات بينهما، وهو ما أشار إليه "ستيفين بي. كوهين" في فبراير 2006 في مركز "بروكينجز". فقد وضعت واشنطن عراقيل كثيرة أمام العلماء الهنود، منذ إجراء اختباراتهم النووية في عام 1974، وكذلك حاولت مرارا وتكرارا إجبار الهند على توقيع اتفاقية منع الانتشار النووي، وهو ما اعتبرته الهند إجبارا عنصريا. وعلى الرغم من إعلان الاتفاقية النووية بين البلدين في 2005 – التي نصت على الاعتراف بوضع الهند النووي العسكري والسماح لها بقبول مساعدات خارجية لبرامجها السلمية- فإن تلك الاتفاقية ستستوجب بالمثل تفتيشا دوليا على المنشآت النووية الهندية، لفصل البرامج العسكرية عن السلمية، وهو الأمر الذي لن تتقبله الهند بسهولة.

ثانيها: أن باكستان لن تفرط بسهولة في صداقتها التاريخية مع الصين. فكل منهما يستفيد استفادة جمة من الآخر، فبينما تستفيد الصين من الموقع الجغرافي الباكستاني للحصول على النفط من وسط آسيا، تستفيد باكستان من الاقتصاد الصيني في تمويل مشاريعها وإنعاش اقتصادها، كما يؤكد "المركز الباكستاني للدراسات الإقليمية".

ثالثها: أن الهند على الرغم من تاريخها العدائي مع الصين، فهي لن تضحي بالمصالح المشتركة التي تجمعها بالصين، والتي ازدادت وتعاظمت في ظل الأحادية الأمريكية. وكما يشير "المركز الباكستاني للدراسات الإقليمية"، فإن إدراك الهند والصين معا للتواجد الاقتصادي والعسكري الأمريكي في جنوب ووسط آسيا، أدى إلى إعادة ترتيب أولوياتهما، ومن ثم العمل معا لتحقيق مصالح المنطقة من الاستقرار والرفاه والتنمية، وإنقاذها أولا وأخيرا من تحديات العولمة الأمريكية.

وفي النهاية، نحن أمام بديلين: بديل المثلث الأمريكي-الهندي-الباكستاني في مواجهة الصين، وبديل المثلث الصيني-الهندي-الباكستاني في مواجهة الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي.. فأي البديلين سيفرض نفسه على امتداد العقود القادمة؟.


باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات