|
دمشق- منذ أن بدأت الموجة الأخيرة من الأحداث الفلسطينية، أخذت تترد وتتواصل الدعوات من أجل وقف العنف في الأراضي الفلسطينية، ولم تقتصر الدعوات على الدول والمنظمات الدولية، بل شاركت فيها شخصيات عالمية، كانت منها الدعوة التي أطلقها "البابا" للمطالبة بوقف دورة العنف التي تشهدها الأراضي المحتلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وقد توجت هذه الدعوات، بانعقاد مؤتمر شرم الشيخ بحضور الرئيس الأمريكي، والأمين العام للأمم المتحدة، وممثل عن الاتحاد الأوروبي، والرئيس المصري وملك الأردن، إضافة إلى رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس وزراء إسرائيل، وذلك بهدف وقف العنف في الأراضي الفلسطينية، ووضع حد للأحداث المتواصلة هناك منذ أكثر من أسبوعين.
نتائج محدودة للحفاظ على هيبة أمريكا
وقد تمخض مؤتمر شرم الشيخ عن نتائج محدودة، يبدو القصد منها الحفاظ على هيبة الراعي الأمريكي، أكثرمما هي خطوات لمعالجة الوضع القائم، إذ لا تتجاوز كونها مجرد توصيات غير ملزمة للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، ذلك أن أيًا من الطرفين لم يوقِّع عليها، ولا هي احتوت خطوات وإجراءات تنفيذية واضحة بصدد ما أسماه المؤتمر "وقف العنف"، إضافة إلى عدم رضا معلن من جانب الإسرائيليين والفلسطينيين عن مجرى المفاوضات ومسارها، وبالتالي عن نتائجها.
وتدفع نتائج مؤتمر شرم الشيخ الأخير، كما دعوات وقف العنف التي تتوالى من أنحاء مختلفة في العالم إلى الوقوف عند بعض النقاط المحيطة بموضوع العنف، واستمراره، وآليات تجدده، وإمكانيات وقفه.
غير أنه، وقبل الدخول في أية تفاصيل من تأكيد التمايز بين ما يفعله الإسرائيليون في الشكل والمحتوى من جهة، وما يقوم به الفلسطينيون من جهة أخرى، حتى لا يوضع القاتل والمقتول في سلة واحدة، أو تحت عنوان "العنف المتبادل".
ويمكن القول إن الدعوة إلى وقف العنف في الأراضي الفلسطينية، تبدو أمرًا مهمًا، وهي تنسجم مع التوجهات إلى حفظ كرامة الإنسان، واحترام حياته، وهي في "ألف باء" حقوق الإنسان التي صار الحديث عنها والسعي إليها أحد ملامح عصرنا، وأبرز شعاراته.
وإذا كانت الدعوة لوقف العنف على هذه الدرجة من الأهمية، فإن المفارقة التي تحيط بها تتجسد في النتائج العملية الضحلة التي انتهت إليها المحاولات المتكررة لوقف العنف في الأراضي الفلسطينية، وليست نتائج المحاولات الجارية الآن بأفضل من سابقتها؛ إذ يمكن أن تتمخض لاحقًا عن وقف الأحداث أو انحسارها لفترة، ثم لا تلبث أن تندلع مجددًا، وبصورة أكثر أتساعًا، وربما أشد عنفًا من المرات السابقة.
محددات وقف العنف
إن الأساس في النتائج التي تؤول إليها المحاولات المتكررة لوقف العنف في الأراضي الفلسطينية، يكمن في ثلاث نقاط أساسية :
النقطة الأولى: تتصل بفهم ما يجري بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو من حيث المبدأ- وكما يعرفه العالم كله- صراع بين السكان والاحتلال، بمعنى أنه يلخص حالة فرض وإكراه من جانب المحتل، وحالة رفض واعتراض من جانب الفلسطينيين، لكن القوى الفاعلة والمؤثرة في معالجة موضوع العنف في الأراضي الفلسطينية، ترى الوضع بصورة مخالفة، حيث ترى إسرائيل التي تدير عملية العنف أصلاً، أنها تصارع الفلسطينيين على ذات الأرض من خلال الادعاء بيهودية الأرض الفلسطينية، وتتبنى الولايات المتحدة الموقف الإسرائيلي ضمنًا، وهي أهم الأطراف الفاعلة والداعية لوقف العنف، بل إنها تذهب في تأييد الموقف الإسرائيلي عمليًا إلى حد تبنيه بصورة شبه علنية.
ولاتملك الأطراف الأخرى المتصلة وذات الاهتمام بالموضوع سوى اللف والدوران في محيط الموقف الإسرائيلي- الأمريكي؛ لمحاولة التأثير عليه بصورة ما، وهو ما ينطبق على القيادة الفلسطينية، والدول العربية القوية العلاقة مع إسرائيل والولايات المتحدة، كما ينطبق الأمر على الموقف الأوربي بعموميته في عدم مقدرته الثأثير الفعال على الموقف الإسرائيلي- الأمريكي، مما يحكم في النهاية كل محاولات وقف العنف بالشروط الإسرائيلية.
والنقطة الثانية: التي تؤثر في عملية وقف العنف، أساسها الاختلال الهائل في ميزان القوى بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ حيث إن الطرف الأخير هو أكبر وأقوى قوة عسكرية في المنطقة، يقابلها وجود رمزي للقوة الفلسطينية، وهو وجود مكشوف ومحصور وتحت السيطرة من جانب الإسرائيليين، عدا أن هذا الوجود ليس قائمًا في الأساس على مبدأ المجابهة مع إسرائيل، بل على أساس التوافق معها. وفي معطيات الاختلال، يشكل الإسرائيليون عدديًا نحو ضعفي الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية، مع تأكيد فوارق نوعية في مستويات العلم والمعرفة والدخل والرفاه، يضاف إلى ما سبق، أن الفلسطينيين لايحظون بأية قوى دعم حقيقة وجدية من أية جهة في العالم، بينما يحظى الإسرائيليون بدعم سياسي وعسكري وأمني فعال من أطراف عدة، ولاسيما من الولايات المتحدة الأمريكية.
ويجعل الاختلال الواضح في ميزان القوى الفلسطيني - الإسرائيلي، الطرف الإسرائيلي الأقوى أكثر قدرة على ممارسة سياسية الأمر الواقع، وتحديد أشكال الصراع ومستواه وميدانه، وبالتالي نتائجه وتأثيراته على الطرف الآخر، وكلها تفسر معنى المطالب الإسرائيلية، ومجريات ونتائج ما يحصل في الأراضي الفلسطينية.
أما النقطة الثالثة: المؤثرة في استمرار العنف الإسرائيلي، فيجسدها ضعف وهامشية الموقف العربي والرسمي بخاصة، إذ هو لا يملك أية قدرة على المبادرة ليكون فاعلاً ومؤثرًا سواء قبل انطلاق موجات العنف أو خلالها، ومعظم ما يتمخض عنه من ردات فعل، لا يتجاوز بيانات الشجب والاستنكار، والحديث عن دعم مفترض، يمكن تقديمه للفلسطينيين في مواجهة العنف الإسرائيلي، ولايتجاوز الموقف ذلك إلى صيغ عملية بسيطة إلا في حالات نادرة؛ مما يجعل إسرائيل مطلقة اليد، سواءً في البدء بدورة جديدة من أعمال العنف، أو في التمهيد لها، كما حصل في زيارة "إريل شارون" زعيم الليكود إلى الحرم القدسي.
ويستحق موضوع ضعف الموقف الرسمي العربي وهامشيته، الإشارة إلى أن الرسميات العربية غالبًا ما تتدخل لمنع أية مبادرات شعبية عربية لدعم الفلسطينيين في مواجهة العنف الإسرائيلي، ويشمل المنع: المسيرات، والتظاهرات، وجمع التبرعات…..إلخ.
إن كل واحدة من هذه النقاط، تلعب دورًا في استمرار موجات العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وفي اجتماع هذه النقاط وتفاعلاتها، يصبح العنف الإسرائيلي سياسة رسمية إسرائيلية، لا تجد من يعارضها لا في الداخل الإسرائيلي، ولا في المحيط الإقليمي والدولي؛ مما يدفع حكام إسرائيل إلى مباشرتها، كلما وصلت سياساتهم إلى انسدادات في محاولة منهم لدفع الفلسطينيين والعرب عمومًا إلى تقديم التنازلات السياسية لصالح إسرائيل، وليست صدفة أن تأتي موجة العنف الإسرائيلي الأخيرة، بعد الانسدادات التي أصابت مسار المفاوضات الفلسطينية في كامب ديفيد الثانية الشهر الماضي.
ولعل إحداث تغييرات في النقاط الثلاث، أو في واحدة منها، سوف يعيد صياغة العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهذا قد لايعني وضع حد للعنف الإسرائيلي، لكنه سيخفف منه، ويضع ضوابط لاستخدامه، وربما يقود لاحقًا إذا حدثت تبدلات جوهرية إلى امتناع إسرائيل عن ممارسة العنف، والأساس في هذه التبدلات، إحداث تغييرات نوعية في سياسة السلطة بإظهار المزيد من التشدد إزاء إسرائيل، وانفتاح أوسع نحو المعارضة الفلسطينية، ودفع الموقف الفلسطيني تصعيدًا إلى حد الرد القوي على العنف الإسرائيلي، ومحاولة إيقاع ذات المستوى من الخسائر في الطرف الإسرائيلي، والعمل على كسب تأييد فعال من الجانب العربي والإسلامي، يضمن في الحد الأدنى دعمًا سياسيًا، قبل أن يتحول لاحقًا إلى دعم شامل ومتعدد الوجوه.
|