|
| رجب طيب أردوغان |
تضغط القيادة السياسية الجديدة لتركيا على الاتحاد الأوربي بكل ما أوتيت من قوة، لانتزاع موعد محدد لبدء مفاوضات الانضمام إليه، على غرار عشر دول أخرى من وسط وشرق أوربا. وقد جرى هذا العام تحديد سنة 2004 تاريخا لقبولها؛ ويرى المسئولون الأتراك أن بلدهم أكثر استحقاقا من غالبيتها للالتحاق بنادي بروكسيل.
ويعول قادة تركيا الجدد المنتمون إلى حزب العدالة والتنمية كثيرا على قمة العاصمة الدانماركية كوبنهاجن يومي الخميس والجمعة 12 و13 ديسمبر 2002 لإقناع كافة الزعماء الأوربيين بأحقية بلادهم في موعد محدد لقبول عضويتها، خصوصا بعد حصولهم على وعود بدعم ملفهم من قبل عدد من الدول الأوربية كبريطانيا وإيطاليا والبرتغال، وكذلك من دول ذات تأثير كبير في القرار الأوربي كالولايات المتحدة الأمريكية.
ويشير عدد كبير من المحللين إلى أنه لم يسبق لحكومة تركية -منذ أربعة عقود- أن مارست القدر ذاته من الضغوط، أو عبرت عن رغبتها في الانضمام إلى المجموعة الأوربية بهذا الإلحاح الذي أظهرته حكومة عبد الله جول المحسوبة على التيار الإسلامي؛ وهو أمر –برأي هؤلاء المحللين- يستدعي الانتباه والبحث في دوافعه وخلفياته.
لقد ثابر العلمانيون المتشددون الأتراك طيلة أكثر من سبعين عاما على تصوير الإسلاميين في بلادهم لجيرانهم الأوربيين والغربيين على أنهم "البعبع" الذي يخطط لإرجاع تركيا إلى حظيرتها الإسلامية، وبناء سد بينها وبين أوربا بشكل خاص والغرب عموما، غير أن سلوك أول حكومة إسلامية خالصة في تاريخ الجمهورية التركية أثبت خلاف ما هو رائج، حيث بدا الإسلاميون الأكثر حرصا من غيرهم على تحويل بلادهم إلى عضو كامل في النادي الأوربي - الغربي.
التيار الإسلامي مصلحته الانضمام
وما تزال المصادر العلمانية التركية -بالرغم من كل الدلائل التي أظهرها قادة العدالة والتنمية تأكيدا على تشبثهم بالانضمام للاتحاد الأوربي- تثير الشكوك حول مصداقية توجهات حكومتهم الإسلامية، غير أن مصادر أخرى محايدة تؤكد على وجهة نظر مختلفة، مفادها أن ما جرى عليه قادة الحكومة التركية الجديدة يعد أمرا طبيعيا منسجما للغاية مع مصلحة بلادهم بشكل عام ومصلحة حزبهم -وعموم التيار الإسلامي- على وجه الخصوص.
ويستدل أصحاب الرأي الأخير على صحة رأيهم بالإشارة إلى 3 مشاكل رئيسية يعاني الإسلاميون الأتراك منها كثيرا ولا يوجد حل جذري لها برأيهم إلا من خلال تحقيق الانتماء الأوربي لتركيا، والتطبيق الكامل لمعايير هذا الانتماء. وتتمثل هذه المشاكل الثلاثة في: حظر الأحزاب، وحقوق الإنسان، والملف الكردي.
حظر الأحزاب وسجن السياسيين
تعتبر الديمقراطية بمفهومها الليبرالي المتعارف عليه في الغرب الشرط الأول الذي يطلبه الاتحاد الأوربي من الراغبين في الانضمام إليه، والذي يعني تطبيقه التزام كل دولة -ترغب في عضوية الاتحاد- باعتماد نظام سياسي ينبع من إرادة الناخبين عبر صناديق اقتراع نزيهة وشفافة، ويحترم التعددية السياسية والأيديولوجية، ويحفظ الحريات العامة.
وكما هو معروف عن تركيا فإن أهم معضلة يعاني منها سياسيوها هي مسألة الديمقراطية، حيث تشير مصادر الاتحاد إلى أن الديمقراطية التركية ما تزال ناقصة. فهي تفتقد الصلاحيات السياسية الهامة الموكلة للمؤسسة العسكرية، والتأويل المتطرف للنصوص الدستورية والقانونية الذي تنتج عنه ظواهر شاذة غير مقبولة من وجهة نظر الديمقراطية الأوربية. ومن أهمها عملية الحظر المتكرر للأحزاب السياسية، وتقييد حركة العمل السياسي، والتضييق على الأقليات الدينية والقومية. في سياق متصل، يعد الإسلاميون الأتراك أنفسهم -وفي مقدمتهم قادة وأعضاء حزب العدالة والتنمية- أبرز المتضررين من الطبيعة الشاذة لديمقراطيتهم، ومن الهيمنة القوية للجيش والنخب العلمانية المتشددة على المؤسسات السياسية للبلاد.
وبشكل عام، يعتبر الإسلاميون الأتراك أنفسهم الأكثر تضررا من الطبيعة الحالية غير السوية للنظام السياسي القائم في بلدهم. فقد طالت عمليات حظر الأحزاب التي عرفتها تركيا خلال الخمسين عاما الماضية، الأحزاب ذات التوجه الإسلامي أكثر من غيرها. كما شهدت البلاد 3 انقلابات عسكرية على حكومات مدنية قائمة، بسبب مخاوف مزعومة من وصول التيار الإسلامي إلى الحكم. وتعرَّض الزعماء السياسيون من ذوي التوجه الإسلامي لأحكام بالسجن أو الحرمان من الحقوق السياسية والمدنية أكثر بكثير من سواهم.
وقد أدرك منظرو التيار الإسلامي في تركيا -حسب ما أشارت إلى ذلك العديد من التحليلات- أن انتماء بلادهم إلى الاتحاد الأوربي وحده القادر -في المدى المنظور على الأقل- على تخليص نظامهم السياسي من لعنة الانقلابات العسكرية وظواهر حظر الأحزاب السياسية.
ويرى قادة حزب العدالة والتنمية أن ما صور على أنه تناقض بين الهوية الإسلامية لتركيا وانتمائها الأوربي كان مفتعلا وواهما. فالتزام تركيا بمعايير الاتحاد الأوربي، وبالأساس معيار الديمقراطية، سيضمن للشعب التركي حقه في صيانة هويته الإسلامية والتعبير عنها بطريقة حضارية ومعاصرة، على غرار ما هو متاح للأقليات المسلمة في الدول الأوربية.
حقوق الإنسان.. لن تحلها إلا أوربا
بالإضافة إلى معنى الديمقراطية تعني عملية الانضمام للاتحاد الأوربي بالنسبة للإسلاميين الأتراك تعزيز وتوسيع دائرة الحقوق الفردية والجماعية، والحد من الرقابة الظالمة التي تفرضها مؤسسات الدولة على سلوكيات الأفراد وتوجهاتهم الشخصية بحجة حماية قيم العلمانية ومجابهة التيارات الرجعية.
ويعمل قادة العدالة والتنمية جاهدين على إثبات سلامة نيتهم إزاء العلمانية، بل إنهم يدفعون بتوجههم هذا إلى أقصاه، حيث يطالبون بعلمانية حقيقية ترفع يد الدولة في بلادهم عن الدين. فالعلمانية التركية في حقيقتها لم تكن عملية فصل للدين عن الدولة، كما هو سائد في الدول الأوربية، بل كانت شكلا جديدا من أشكال العقائد الدينية ذات الطبيعة البشرية، والتي تعادي بشكل فظ ما سبقها في الوجود من العقائد.
ويمثل "الحجاب" المعركة الحقيقية القائمة في تركيا بين أنصار العلمانية الأتاتوركية التي تعني معاداة الإسلام بشكل خاص، والعلمانية الأوربية المعاصرة التي تعني الفصل بين الدين والدولة، بما يضمن مساواة المواطنين أمام القانون، وحق المؤسسات الدينية والمتدينين في ممارسة أنشطتهم والتزام ما تفرضه عليهم عقائدهم بكل حرية، ما دامت هذه الأنشطة والممارسات لا تمس من حقوق وحريات الآخرين.
ويراهن قادة العدالة والتنمية في حل مشكلة الحجاب على عملية الانضمام للاتحاد الأوربي، وخصوصا عملية تأهيل وإعداد بلادهم لتصبح عضوا في المجموعة الأوربية. فالنساء المسلمات المحجبات في دول الاتحاد الأوربي لا يعانين من المشكلة؛ وقد تمكن عدد محدود من النساء المسلمات في ألمانيا وفرنسا وهولندا من ربح قضايا تخص حجابهن أمام القضاء الأوربي، وهو ما لم يحدث في تركيا التي تمنع عن نسائها المحجبات حق الدراسة والعمل.
الملف الكردي.. الآمال تتجدد
لقد حمل الإسلاميون الأتراك -على مر تجاربهم المتعاقبة التي انتهت بحزب العدالة والتنمية- مشروعا إزاء الأقليات القومية والدينية والطائفية، مختلفا عن ذلك الذي تبنته النخب العلمانية والقومية المتطرفة، لم تسمح لهم الظروف السياسية والأيديولوجية السائدة بالتعبير عن أسسه أو كشف تفاصيله للرأي العام.
وبالرغم من اختلافهم الأيدلوجي والسياسي جذريا مع أنصار حزب العمال الكردستاني، فإن إسلاميي تركيا -حسب ما يؤكد المتخصصون في الشأن التركي- كانوا باستمرار ضد السياسة التي تتبعها الدولة التركية في التعامل مع الملف الكردي، بمقابل تأكيدهم المتواصل على ضرورة التزام الحوار والعودة إلى قيم الأخوة الإسلامية لحل المعضلة الكردية، وغيرها من المشاكل ذات الطابع القومي والطائفي.
وقد نال الإسلاميون في مختلف تجاربهم الانتخابية الجزء الأكبر من أصوات المواطنين الأتراك من أصل كردي قياسا بسائر الأحزاب التركية الأخرى، مثلما فاز حزب العدالة والتنمية بالغالبية القصوى للمقاعد البرلمانية الخاصة بأقاليم الجنوب الشرقي التركي، حيث يشكل الأكراد الغالبية السكانية، وهو ما يؤكد على شعبية الفكرة الإسلامية في صفوف الأقلية الكردية التي عانت من عمليات اضطهاد متواصل على أيدي النخب العلمانية والعسكرية المهيمنة على القرار في تركيا.
ويدرك قادة حزب العدالة والتنمية -والحكومة التركية الحالية- أنه لن يكون بمقدورهم حل المشكلة الكردية في إطار تركي صرف، حيث لا تزال نظرة "شوفينية" ضيقة تهيمن على القادة السياسيين والعسكريين على السواء، كما يدركون أيضا أن أوربا قد تكون أفضل من يساعدهم على تحسين أوضاع الأكراد -وغيرهم من أبناء القوميات غير التركية- وضمان تمتعهم بحقوقهم اللغوية والثقافية.
ويطمح رجب طيب أردوغان ورفاقه في حزب العدالة والتنمية في الوصول إلى حل للمشكلة الكردية، شبيه بذلك الذي توفر للكثير من الأقليات القومية والدينية في عدد كبير من دول الاتحاد الأوربي، ويقوم بالأساس على معادلة "التعدد في إطار الوحدة". فعلى القومية التركية أن تعتمد آليات جديدة متحضرة ومنفتحة، على غرار القوميات الأوربية ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى نحو يلتقي مع حقيقة القيم الإسلامية التي شجعت على التعايش بين الشعوب والقبائل.
وستجنب عملية الانضمام للاتحاد الأوربي -كما يشير المحللون- الإسلاميين الأتراك، حرج مواجهة التيارات السياسية القومية والعلمانية المتطرفة من خلال التبني المنفرد لمشروع الحل السلمي للقضية الكردية. فالعمل من أجل الاستجابة للمعايير الأوربية سيوفر لقادة العدالة والتنمية فرصة تطبيق قناعتهم تجاه الأكراد دون تبديد جهودهم في معارك سياسية جانبية وباهظة الكلفة.
لقد عمل طيب رجب أردوغان، سواء خلال جولاته الأوربية الأولى، أو جولته الأمريكية الأخيرة، على رمي الكرة في الملعب الأوربي، من خلال تقديم خطاب هجومي يركز على التزامات الاتحاد حيال الملف التركي، ويحذر من مغبة جعل الاتحاد "ناديا مسيحيا" وإغلاق باب حوار الحضارات. لكن ذلك كله لم يحل دون نظر المحللين إلى الدوافع المحلية الخاصة بمتطلبات الساحة التركية، وخصوصا مسألة التقاء المصالح بين التوجه الأوربي لتركيا وأهداف المشروع الإسلامي فيها.
ومما لا شك فيه، أن ظروف زمن العولمة -برأي عدد من المتابعين لتطور التيار الإسلامي في تركيا- قد ألقت بظلالها على طريقة تفكير قادة العدالة والتنمية؛ ومن ذلك تقديرهم أنه لم يعد ثمة من مبرر للتفكير من خلال تلك النظرة الضيقة التي تقيم ستارا حديديا بين العالمين الإسلامي والأوربي. ففي السابق كانت الدولة العثمانية تملك ربع القارة الأوربية على الأقل، واليوم يشكل الوجود التركي المهاجر في الدول الأوربية علامة بارزة تنذر بمتغيرات هامة.
** كاتب وصحفي تونسي متخصص في الشؤون المغاربية
|