|
| الفلسطينيون يحرقون صورتي بوش وتينيت
|
عمان- لم يكد يجف الحبر- الذي وُقّع به اتفاق وقف إطلاق النار أو ما سُمي بـ "وثيقة تينيت" بين السلطة الفلسطينية وحكومة شارون- حتى وقعت مجموعة من "الخروقات" من الطرفين، مثلت استمراراً للحالة السابقة وتعبيراً عن الشكوك الكبيرة التي تحيط بإمكانية نجاح هذا الاتفاق الأمني على الأرض، وذلك على الرغم من الجهود التي بذلتها وتبذلها الإدارة الأمريكية لتكريس الهدوء الميداني، تمهيداً للشروع في مفاوضات سياسية على أساس تقرير لجنة ميتشيل.
إنقاذ المنطقة أم إنقاذ شارون؟!
إن أهم ما أبرزته زيارة "تينيت" إلى المنطقة هو أن الانتفاضة وعمليات المقاومة ألحقت أذى كبيراً بكيان الاحتلال، وعلى الأخص على صعيد الأمن الشخصي والجماعي لليهود؛ حيث لم تنجح أكثر الحكومات الصهيونية تشدداً وعنفاً تجاه الفلسطينيين في تكريس رجاحة ميزان القوة العسكرية الصهيونية على واقع الأرض، ووقفت عاجزة عن التصدي لموجات الاستشهاديين الذين لم تمنعهم طائرات الـ (إف 16) ولا ترسانة الأسلحة النووية عن الوصول لأهدافهم، وجعل كلفة الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية عالية جداً وفوق قدرة الاحتمال للمجتمع الصهيوني.
وأدى استمرار المقاومة الفلسطينية وتصميمها على إنهاء الاحتلال إلى إيجاد معادلة "رعب" جديدة في الصراع؛ تزعزع قدرة الإسرائيليين على الصمود وتحمل الخسائر البشرية المتصاعدة، وتدفعهم إلى التفكير في إخلاء المستوطنات ومطالبة حكوماتهم بالرحيل عن الأراضي الفلسطينية المحتلة بسبب انتفاء الدافع الذي جاءوا من أجله إلى هذه الأرض.. وهو الأمن.
وبعد الردود الإيجابية المصحوبة بالتحفظات من قِبَل الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على وثيقة ميتشيل- التي دعت لوقف ما يُسمى بـ "العنف الفلسطيني" مقابل تجميد الاستيطان والدعوة إلى عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 28 سبتمبر (أيلول) العام الماضي- كان من المفترض أن تعمل الإدارة الأمريكية، التي تبنت هذه الوثيقة، على التوصل إلى صيغة سياسية تضمن قبول الطرفين الكامل بها، ولكن تسارع موجة العمليات الاستشهادية التي أوقعت خسائر فادحة بالاحتلال، ونشرت الرعب بين الصهاينة، فضلاً عن تواصل عمليات إطلاق قذائف الهاون التي أوقعت أكثر من (120) جريحاً في صفوف المستوطنين وقوات الاحتلال- حسب اعتراف ناطق باسم جيش الاحتلال- أدى إلى تسريع وتيرة التحركات الأمريكية والأوروبية للضغط على السلطة الفلسطينية للقيام بدور أمني، يحول دون تكرار عمليات استشهادية على شاكلة العملية التي جرت في مرقص ليلي في "تل أبيب"، وأسفرت عن مقتل أكثر من 20 إسرائيليا وجرح حوالي 90 آخرين.
أما اقتصار الوثيقة على الجانب الأمني دون السياسي وترحيله إلى مفاوضات لاحقة- عوضاً عن أنه يعبر عن أولوية العامل الأمني للأسباب التي أشرنا إليها- فإنه يعبر عن عدم ثقة الولايات المتحدة الأمريكية بإمكانية موافقة حكومة شارون على وثيقة ميتشيل كاملة، خصوصاً ما يتعلق منها بالاستيطان والعودة إلى مفاوضات الحل النهائي، وهي النقاط التي تمسّك بها شارون منذ توليه الحكم وحتى الآن.
وحتى على الصعيد الأمني- الذي عالجه الاتفاق- فلم يتم تكبيل يد حكومة شارون في ملاحقة ومطاردة المقاومين الفلسطينيين، وذلك تحت حجة التصدي للإرهاب، وكان القيد الوحيد الذي وضع على قوات الاحتلال هو: عدم قصف منشآت فلسطينية أو مقرات ومراكز السلطة الفلسطينية، وعدم استخدام وسائل مميتة في التصدي للمظاهرات والمسيرات الفلسطينية!
تحدٍّ للوحدة الوطنية الفلسطينية
وعلى الرغم من أن السلطة الفلسطينية- التي وافقت بعد طول تردد على هذه المقترحات، وأعلنت أنها ستشكل المدخل لتطبيق توصيات لجنة ميتشيل، واعتبار الاتفاق الأمني جزءاً لا يتجزأ من الرزمة الكاملة التي وردت ضمن توصيات ميتشيل- فإن الإدارة الأمريكية وحكومة شارون لم يشيرا بأي شكل إلى أي ارتباط مباشر بين المقترحين، فالوثيقة التي نشرت بتاريخ 14/6/2001 في الصحف العبرية تؤكد على التزام الأطراف المعنية بـ "الاتفاقات الأمنية التي تم التوصل إليها في شرم الشيخ في تشرين الأول من العام الماضي ( أكتوبر 2000)، وفي القاهرة في كانون الثاني (يناير) 2001، والمبادئ الأمنية في وثيقة ميتشيل في نيسان (إبريل) 2001".
إن قبول السلطة الفلسطينية بتنفيذ اعتقالات في صفوف المقاومين الفلسطينيين في حال تنفيذهم عمليات ضد الاحتلال، والعمل على جمع أسلحتهم، يتناقض مع ما سبق وأعلنته السلطة نفسها بأنها لن تكون شرطة للاحتلال، ولن تنفذ اعتقالات في صفوف المقاومة؛ الأمر الذي يشير إلى تراجع ملموس في موقف السلطة الفلسطينية التي رفعت طوال الفترة الماضية يدها عن المقاومة الفلسطينية وأطلقت لها العنان، بما في ذلك تنظيم "فتح" الذي يخضع مباشرة لرئيس السلطة الفلسطينية.
وعلى الرغم من أن التحفظات التي أوردتها السلطة الفلسطينية على الوثيقة برفض تنفيذ اعتقالات فورية بحق المقاومين- على اعتبار أن وثيقة تينيت ترتب التزامات على الطرفين بعد وقف إطلاق النار وليس قبله، وأن السلطة الفلسطينية تلتزم فقط بحفظ الأمن في الأماكن الواقعة تحت سيطرتها الأمنية (مناطق أ) فقط- فإنه لم يجر تغيير على بنود الوثيقة يأخذ بهذه التحفظات بعين الاعتبار، فضلاً عن أن المقاومين سيبقون مقاومين، وبالتالي فإنهم سيكونون مستهدفين بالاعتقال مستقبلاً تحت حجة الإخلال بتعهدات السلطة الفلسطينية وتعريض "الأمن الوطني الفلسطيني" و"المصالح الوطنية العليا" للخطر.. وهي نفس المبررات التي سيقت لاعتقال المقاومين قبل انتفاضة الأقصى.
واللافت للانتباه أن الاتفاق الأمني قد تم مواجهته بمعارضة شديدة من جميع القوى الفلسطينية المشاركة في الانتفاضة، بما في ذلك حركة "فتح" المحسوبة على السلطة الفلسطينية. ولكن هذه المعارضة اتسمت بطابعين مميزين لم يتوافرا في السابق:
الأول: الحرص على عدم توجيه إدانة واضحة لموقف السلطة الفلسطينية على الرغم من معارضة ما قامت به.
الثاني: استمرار تنفيذ عمليات مقاومة من قِبَل القوى الفلسطينية- وخاصة "فتح" و"حماس"- بما في ذلك عمليات التفجير واستهداف المستوطنين، مع التركيز على المناطق التي لا تخضع للسلطة الفلسطينية أمنياً (حوالي 80% من مساحة الضفة والقطاع)؛ وذلك في محاولة لتجنب إحراج السلطة الفلسطينية التي تعهدت بممارسة دور أمني في المناطق التي تخضع لسلطتها الأمنية فقط.
ومع ذلك، فتجدر ملاحظة المعارضة المتنامية داخل تنظيم فتح للدور الأمني الذي تقوم به السلطة الفلسطينية، والذي تكرس من خلال وثيقة تينيت؛ حيث سارعت كتائب الأقصى- التي يُعتقد على نطاق واسع أنها تتبع لحركة فتح- إلى نفي بيان تم الزعم بأنه صدر عنها، بالاشتراك مع كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة "حماس"، يدعو إلى هدنة مع الاحتلال؛ حيث تبنت كتائب الأقصى في بيانها الصادر بتاريخ 5/6/2001 عدداً من العمليات التي تم تنفيذها بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار.
وهذا الموقف يتناقض مع موقف القيادة السياسية للحركة، التي أصدرت بياناً بعد اجتماع عقدته برئاسة "عرفات" بتاريخ 15/6/2001 قالت فيه: "إن التفاهمات التي توصل إليها جورج تينيت- مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية- في المجال الأمني خطوة مهمة وأولية لتنفيذ تقرير لجنة ميتشيل وتفاهمات قمة شرم الشيخ، ويتوجب الالتزام بما ورد فيها وتطبيقه بكل مسؤولية".
وربما يشير التباين في مواقف حركة فتح- من التعامل مع وثيقة تينيت- إلى بداية افتراق حقيقي بين القيادات السياسية والقيادات الميدانية، التي رفضت من قبل قرار عرفات بحل اللجان الشعبية ووقف إطلاق قذائف الهاون. وهذا في حد ذاته، قد يشكل عامل (فرملة) مُهمًّا لموقف السلطة الفلسطينية، التي لا يريد زعيمها المجازفة بخسارة التنظيم من خلال التجاوب مع مطالب الاحتلال، خصوصاً أن الواقع الشعبي والميداني ضد أية خطوات من هذا القبيل، وهو ما تم التعبير عنه من خلال المسيرات الاحتجاجية على موافقة السلطة الفلسطينية على هذه الوثيقة، والتي عمت الأراضي الفلسطينية وشاركت فيها كل الفصائل الفلسطينية.
شارون يتمترس بالأمن
موافقة حكومة شارون على الوثيقة لم تتح له الرد بشكل كافٍ على عملية تل أبيب الاستشهادية، ولكنه اضطر إلى ذلك لتغطية عجزه عن وقف الانتفاضة والمقاومة من خلال الوسائل العسكرية. فبعد مرور مائة يوم على استلامه للحكم، اضطر شارون إلى الاعتراف أمام الكنيست بوضوح أنه لم يستطع حتى الآن أن يحقق وعوده الأمنية بوقف الانتفاضة والتصدي بحزم للمقاومة. وأكد هذا الاعتراف وزيره "رحعبام زئيف" زعيم حركة "موليدت" المتشددة التي تدعو إلى ترحيل الفلسطينيين، أثناء تشييع جنازة أحد زعماء المستوطنين الذي اصطادته نيران المقاومة في 29/5/2001 حينما رد على منتقدي حكومته من المتشددين قائلاً: "أنا ببساطة أخجل؛ لأننا نضطر المرة تلو الأخرى إلى التأبين. أطلب المعذرة؛ لأننا وعدنا بالأمن، ونحن لم ننجح".
وعلى الرغم من أن اتفاق وقف النار لم يمنع حكومة شارون من الاستمرار في إجراءاتها القمعية ضد الفلسطينيين، فإن استمرار عمليات المقاومة وتصعيدها ضد المستوطنين وقوات الاحتلال، واحتمالات تنفيذ عمليات استشهادية في المناطق المحتلة عام 1948 -سيدفع بشارون للعودة إلى عمليات التصفية واستهداف مواقع السلطة والشرطة الفلسطينية تحت حجة عدم التزام الفلسطينيين بالاتفاق الأمني.
ويستطيع شارون استدراج الدعم الأمريكي لخطة التصعيد ضد الشعب الفلسطيني بالاستناد إلى فشل الاتفاق الأمني؛ حيث إن ذلك يريح هذا الرجل من الدخول في الاستحقاقات السياسية لتقرير "ميتشيل"، والتي يُفترض أن يتم التطرق إليها بعد نجاح اتفاق "تينيت" على الأرض.
وفي كل الأحوال، فإن مواقف شارون السياسية- التي أعلن عنها عند استلامه منصبه- ما تزال كما هي بدون تغيير، خصوصاً أن مقولاته عن عدم وجود شريك في الجانب الفلسطيني قد تعززت؛ وهو ما يزال يتهم عرفات بأنه "بن لادن" بالنسبة للكيان الصهيوني، ويشكك في نواياه تجاه السلام! وهذا يجعل التعويل على الاتفاق في الحيلولة دون تدهور الأوضاع و"فرملة" توجهات شارون ضد الشعب الفلسطيني في غير محله، إلا إذا كان المطلوب هو الاستسلام الكامل لشارون والرضوخ لمواقفه السياسية والأمنية.
اتفاق أمني هش.. والصراع مستمر
لقد جاءت زيارة تينيت على أرضية تفعيل الدور الأمريكي في المنطقة، بعد أن تأكد أن استمرار عدم فاعليته سيدفع بالإدارة الأمريكية إلى دفع ثمن باهظ نتيجة الحرب التي قد تندلع في المنطقة في حال لجوء حكومة شارون إلى التصعيد غير المحسوب ضد الفلسطينيين- وربما ضد بعض الدول العربية- خصوصاً أن تهديدات مباشرة بهذا الخصوص قد صدرت عن بعض أركان حكومة شارون.
ولا شك أن تينيت مارس ضغوطاً كبيرة على السلطة الفلسطينية للقبول بمقترحاته؛ ولكن هل تشكل وثيقة تينيت، التي تم التوصل لها بين السلطة الفلسطينية وحكومة شارون بمبادرة أمريكية- تحولاً مهماً في مجرى الأحداث منذ انطلاق انتفاضة الأقصى، أم أن مصيرها سيكون مثل بقية الاتفاقات والتفاهمات الأمنية التي سبقتها؟!
قد لا تتوافر إجابة فورية قاطعة على هذا التساؤل، ولكن في الوقت نفسه هناك ما يكفي من الدلائل والمؤشرات التي تؤكد أن الاتفاق الذي أنجزه مدير المخابرات المركزية الأمريكية (C.I.A ) من الهشاشة بمكان يجعله ينهار أمام أول عملية فدائية فلسطينية كبيرة أو عدوان صهيوني جديد على الفلسطينيين، لا سيما أن تاريخ الاتفاقات والتسوية السياسية لا يتجاوب مع الحد الأدنى من تطلعات الشعب الفلسطيني، ولا حتى مع الحد الذي وصلت إليه الاستحقاقات الصهيونية في عهد حكومة باراك، والتي رفضها الشعب الفلسطيني متمسكاً بحقه في كل أرضه.
ومن الضروري الإشارة إلى أن إصرار إدارة بوش على إنجاح أول اتفاق- تتدخل فيه بشكل مباشر- لا يعني أبداً نجاحه على أرض الواقع، طالما أنه لا يستجيب لتطلعات الشعب الفلسطيني، ولا يحقق الأمن المطلوب للصهاينة، وهو ما يرجح استمرار المواجهة وتواصل الانتفاضة التي شكّلت منعطفاً مهماً في تاريخ الصراع العربي- الصهيوني.
كاتب عربي متخصص في الشؤون الفلسطينية.
|