|
| أكراد العراق يتظاهرون ضد الحشود التركية |
المشكلة الكردية واحدة من أعقد حلقات المشروع الأمريكي في العراق ومنطقة "الشرق الأوسط" كلها، حيث يمثل الصراع الكردي التركي -الذي بدأ في مطلع القرن الماضي وبالتحديد مع ثورة الشيخ سعيد عام 1925- بؤرة ملتهبة في المناطق الحدودية بين تركيا والعراق. فتركيا -بكل توجهاتها الفكرية والسياسية المختلفة- ترفض إقامة دولة كردية بشمال العراق أو حتى دول اتحادية يكون لأكراد العراق دور فيها. فالأغلبية الساحقة من الشعب التركي (يمثل الأتراك نسبة 70% من مواطني الجمهورية التركية) ترفض إقامة دولة مستقلة للأكراد في العراق (حوالي 4 ملايين نسمة)، ويرون أن إقامة دولة كردية بشمال العراق، سيعنى في المستقبل القريب فصل ما يعادل ثلث أراضي الجمهورية التركية التي أعلنت في عام 1923. ذلك أن أكراد تركيا -تخمينًا 12 مليون مواطن- يقيمون على أغلب المناطق الشرقية من تركيا.
مخاوف متبادلة
بناء عليه تتخوف الحكومة التركية وقطاعات واسعة من النخبة السياسية التركية، من وجود اتفاق سري بين الإدارة الأمريكية والأكراد، يؤدي إلى إعلان دولة كردية في منطقة شمال العراق، كمكافأة مقابل دورهم في الحرب الأمريكية ضد حكومة الرئيس صدام حسين. وبدورهم، يتخوف أكراد العراق من وجود دور تركي سياسي وعسكري في تلك الحرب، يؤدي تباعًا لمنع الأكراد من تحقيق مشروع دولتهم المؤجل منذ ما يقارب قرنًا من الزمان.
لذا عارض الزعيمان الكرديان العراقيان مسعود بارزاني وجلال طالباني، إعطاء أي دور للقوات التركية -وكذا تركمان العراق- في الحرب الأمريكية، أو قبول تواجد قوات تركية كبيرة في منطقة شمال العراق. لقد وجد أكراد العراق الفرصة مواتية لتعزيز حقوقهم في منطقة شمال العراق، بعد حرب الخليج الثانية (1991)؛ فقاموا بتوسيع الحكم الذاتي الممنوح لهم في عام 1976 من حكومة الرئيس العراقي صدام حسين، مما أنزل القلق والخوف في قلوب الأتراك، باحتمال تحرك الأكراد لإعلان دولة مستقلة بدعم العالم الغربي عند وقوع الحرب ضد حكومة بغداد.
فتّش عن النفط
الصراع القومي بين الأتراك والأكراد جاء نتيجة طبيعية لانهيار الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى 1919، وظهور الجمهورية التركية عام 1923، حيث وجد الأكراد أنفسهم فجأة يوزعون بين عدة دول تغلب عليها قوميات أخرى، بينما يقفون على أراضيهم ومناطقهم التاريخية. انقسم الشعب الكردي قسرًا إلى عدة أقسام، وزعت على دول مثل العراق وتركيا وإيران وسوريا وأذربيجان وأرمينيا. لقد كان الأكراد يعيشون في أمن وسلام، كقومية مستقلة في ظل الدولة العثمانية ذات التوّجه الإسلامي. ومن ثَم لم تُشِر وقائع التاريخ -باستثناء التاريخ المعاصر- إلى وجود مصادمات عنيفة بين الأكراد والقوميات الأخرى وقت سيطرة الدولة العثمانية (1299-1923)، حيث احترمت الدولة العثمانية القوميات والأعراق المختلفة التي كانت تحت قيادتها.
ويعتقد بأن وقوع آبار النفط والغازات الطبيعية في كركوك والموصل بشمال العراق -وهي من بين المناطق التي يعيش فيها الأكراد- هي السبب الرئيسي في عدم قبول إنجلترا فكرة إقامة دولة مستقلة للأكراد أثناء مفاوضات مؤتمري لوزان وسيفر، بشأن تشكيل الحدود السياسية لدول المنطقة. حتى إن إنجلترا هي التي سددت، نيابة عن حكومة العراق، للحكومة التركية في عام 1926 مبلغ نصف مليون جنيه إسترليني مقابل التوقف عن المطالبة بأي حقوق في منطقة شمال العراق. فإنجلترا كانت مستمرة في تطبيق سياسة إضعاف الدولة التركية الجديدة، وتوتير علاقتها مع الحكومة العراقية، وهو ما يوفر لها الاستفادة القصوى من بترول الشمال العراقي.
ثم جاءت المطالبة التركية بالأراضي في شمال العراق لتفجر الخلاف بين الأكراد والأتراك، ويتحول لثورة مسلحة ضد حكومة أتاتورك، تدعو للاستقلال، ويقودها الشيخ سعيد في عام 1925. لقد أسَّس أتاتورك الجمهورية التركية على أساس العرق التركي، حيث يذكر القسم البرلماني الدستوري عبارة "أقسم بشرفي وكرامتي أمام الشعب التركي العظيم على حماية الدولة واستقلالها وسيادتها دون انقسام في الوطن أو الشعب... إلخ". ومن هنا أسمى دولته الجديدة بتركيا، ولم يبالِ بالأعراق الكردية والعربية أو غيرهما الذين يعيشون على أرض الجمهورية الوليدة. وبناء عليه نظر أتاتورك لمطالب الأكراد على أنها نوع من الخيانة للدولة الجديدة، ومؤامرة تحيكها إنجلترا ضد تركيا، ويستخدم فيها الأكراد كوقود.
واستخدم أتاتورك العنف في قمع ثورة الأكراد، وقتل منهم الكثير، ولكن الأكراد لم ينسوا حقوقهم وتاريخهم، فعادوا في عام 1983، وعلى وجه الخصوص أحد الأجنحة اليسارية العلمانية بزعامة عبد الله أوجلان؛ ليتخذوا من الكفاح المسلح طريقًا للمطالبة بحقوقهم من تركيا.
يقول مصطفى الهلالي: إن السبب في ظهور أوجلان بتوجه اليساري الشيوعي، راجع لتخاذل الدول الإسلامية عن إنصاف الأكراد، وتعرض الأكراد لأعمال قتل على أيدي دول إسلامية مثل العراق وتركيا وإيران. وغرق الطرفان في بحر من الدماء والخراب والتهجير الجبري، ما زالت أمواجه الهائجة مستمرة حتى اليوم، حيث تدّعي تركيا أنها فقدت 31 ألف قتيل وما يقرب من 100 مليار دولار خلال هذه الحرب الضروس بينها وبين الأكراد في العقدين الماضيين. وفي ديسمبر من عام 1998 -وعلى أرض كينيا- ألقي القبض على عبد الله أوجلان رئيس منظمة حزب العمال الكردستاني بطريقة استخباراتية ومسرحية في آن، ووضع في السجن لمدى الحياة، بعد تحويل عقوبة الإعدام الصادرة ضده من محكمة أمن الدولة بأنقرة للسجن المؤبد.
إجماع تركي
إن موقف الحكومات التركية بمختلف توجهاتها من حقوق الأكراد داخل تركيا تكاد تكون واحدة، وهى عدم الاعتراف أو السماح للأكراد بأي كيان مستقل. ففي وقت حكومة حزب الوطن الأم (يمين الوسط) بزعامة الرئيس الراحل تورجوت أوزال، والتي وقع في زمانها (1983 وما بعدها) الصدام المسلح مع أكراد تركيا، لم تتمكن من تنفيذ وعود ببدء حركة اعتراف بحقوق الأكراد الثقافية والمعنوية، نتيجة لتصاعد القتال من ناحية، وللضغوط التي فرضها التيار القومي المتشدد عليها من الناحية الأخرى. أما حكومة حزب الرفاه (المحافظ الديمقراطي) الائتلافية التي قادها الزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان، فقد حاولت الاقتراب من حل القضية (الاعتراف بالحقوق الثقافية لأكراد تركيا) بالطرق السلمية، ولكن الأجنحة القومية المتشددة وقفت حجر عثر أمامها، لدرجة أن هذه الأجنحة وصفت جهود استرجاع 6 من الجنود الأتراك الأسرى لدى منظمة حزب العمال في عام 1996 بالخيانة والتراجع!
أما موقف حكومة الائتلاف الحاكم التي قادها الحزب الديمقراطي اليساري (يسار الوسط) بزعامة بولنت أجاويد بين عامي 1999-2002، وضمت ثلاث توجهات سياسية رئيسية بتركيا، ممثلة في يمين الوسط (حزب الوطن الأم) والاتجاه القومي المتشدد (حزب الحركة القومية)، ويسار الوسط (الحزب الديمقراطي اليساري)، فلم يختلف عن موقف حكومة حزب العدالة والتنمية (الاتجاه المحافظ الديمقراطي) الذي يحكم تركيا اليوم. ولعلّ تدفق القوات التركية بأعداد كبيرة على منطقة شمال العراق في هذه الأيام دليل كاف على عدم وجود نوايا لدى هذه الحكومة وحزب العدالة لتقديم أي تنازل لصالح الأكراد.
بين يدي الحرب
حاولت الإدارة الأمريكية وحكومة توني بلير ببريطانيا حل هذه المعضلة التاريخية بين الأكراد والأتراك خلال سلسلة طويلة من الاجتماعات والحوارات المباشرة وغير المباشرة وفي عدة عواصم مختلفة على مدار ما يقرب من عامين ماضيين، دون أن يتم التوصل لحل واضح أو وضع خطوط متفق عليها بين الطرفين تمهد لتحقيق النجاح للسيناريو والمشروع الأمريكي البريطاني في العراق والشرق الأوسط.
وإذا كان الزعيم الكردي جلال الطالباني الذي تسيطر قواته على شرق منطقة كردستان بالعراق قد سبق أن أعلن في العاصمة التركية أنقرة، وفي حوار تلفزيوني يوم 4 مارس 2003 عن قبوله لتواجد قوات تركية محدودة بين 3-5 آلاف جندي بمنطقة شمال العراق خلال الحرب المنتظرة ضد العراق، بضغوط بريطانية أو أمريكية، فإنه عاد وانتقد الحكومة التركية فيما بعد، حين عرف نيّة تركيا إرسال قوات كبيرة (قال طيب أردوغان رئيس حزب العدالة الحاكم بتركيا بأنها ستكون ضعف عدد القوات الأمريكية المشاركة في الجبهة الشمالية للعراق) لمنطقة شمال العراق، بحجة منع تدفق اللاجئين للأراضي التركية أو منع تسلل العناصر المسلحة لحزب العمال الكردي نحو الأراضي التركية.
الرهان الأمريكي
إن الثقة المفقودة والشكوك المتبادلة بين الأكراد والأتراك تمثل عقبة هامة أمام أمريكا في توفير الأجواء النفسية والجغرافية والطبيعية والعسكرية الممهدة لنجاح مشروعها في العراق. فكلا الطرفين يُصِرّ على عدم إعطاء دور للآخر في هذه الحرب، وهو الأمر الذي يهدد بفشل المشروع الأمريكي البريطاني بالعراق حال اندلاع الصراع المسلح بين الأتراك والأكراد.
وفي حين تستنجد الأطراف التركية والكردية -على حد سواء- بأمريكا والغرب، في سبيل تحقيق أهدافها السياسية، ويحاول الطرفان الحصول على ضمانات غربية مكتوبة لكي يشارك بقوة في الحرب ضد حكومة بغداد، فإن الإدارة الأمريكية - البريطانية ترفض إعطاء تلك الوعود؛ لأنها تريد تأجيج الصراع بين الطرفين لكي يستمر وجودها بالمنطقة، إعمالاً للسياسة البريطانية الشهيرة "فرِّق تسد".
مراسل إسلام أون لاين. نت للشؤون التركية - إستانبول
|