English

 

السبت. يونيو. 7, 2003

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » تركيا

 
أهم الأخبار  

الجيش التركي والإسلاميون.. هل اقترب الانقلاب الرابع؟

محمد جمال عرفة - سعد عبد المجيد

الفريق حلمي أوزكوك رئيس الأركان
الفريق حلمي أوزكوك رئيس الأركان
هل أصبحت تركيا على صفيح ساخن تنتظر الانقلاب العسكري الرابع في تاريخها ضد الإسلاميين بعدما تصاعدت حدة التصريحات والضربات الجانبية بين فريق الجيش العلماني وقادة حزب العدالة ذي التوجه الإسلامي؟ وهل حديث رئيس الأركان التركي الجنرال حلمي أوزكوك الأسبوع الماضي عن تذمر الجيش التركي مما أسماه زيادة (الأنشطة والفعاليات الدينية الرجعية) داخل الحكومة، وتسريب أنباء لصحيفة (جمهوريت) العلمانية للتحدث عن "وجود تحركات من جانب بعض صغار ضباط الجيش للقيام بانقلاب عسكري" ضد حكومة العدالة على غرار ما وقع عام 1962، مؤشر على عودة تركيا للنفق المسدود، أم أن الأمر مجرد رفع لوتيرة التهديدات وتسخين للجبهات؟!

بداية قد يكون من المفيد أن نشير إلى أن حزب العدالة والتنمية الذي يقوده طيب أردوغان ويمثل الجيل الثاني من الإسلاميين الأتراك، يتبع إستراتيجية ذكية للغاية لمعادلة دور الجيش التركي منذ وصوله للحكم، أو على الأقل بهدف تحييد تهديداته بالانقلاب والتي مثلت خطرًا دائمًا على التجربة الديمقراطية بتركيا وتنامي الدور السياسي للإسلاميين.. هذه المعادلة تقوم على استخدام ورقة الاتحاد الأوروبي والمعايير المطلوبة كشرط للانضمام لعضويته سندًا يؤمن لحزب العدالة إحداث التغييرات التدريجية في هيكل المجتمع التركي دون أن يتصدى لها الجيش كالمعتاد.

ومع أن إستراتيجية حزب العدالة هذه يتفهمها قادة الجيش التركي جيدًا، فإنهم في حيرة من أمرهم في طريقة التعامل معها، وتكاد أياديهم تكون مكبلة حيال وقف هذه الخطوات والإجراءات التنفيذية التي تقوم بها حكومة العدالة تدريجيًّا؛ لأن تدخلهم ضدها يبعد تركيا عن حلم الانضمام للاتحاد الأوروبي؛ ولذلك بدءوا يفتعلون خلافًا ويفترضون تعارضًا بين الشروط الديمقراطية التي يتطلبها الانضمام للاتحاد الأوروبي، وبين تأثير هذا على شرف وكرامة تركيا، ويقولون -كما ذكر الجنرال أوزكوك- إن الجيش يريد أن تنضم تركيا للاتحاد الأوروبي، ولكن "بكرامة وشرف؛ لأن لكل بلد ظروفه الخاصة التي يتعين احترامها".

ومن هذه النقطة الأخيرة يمكن فهم العديد من التصريحات والمناوشات، وحتى القرارات التي اتخذها كل فريق من الفريقين في مواجهة الآخر على صعيد عشرات القضايا الخلافية بينهما، لدرجة أن الفريق (طونجر قليطش) سكرتير مجلس الأمن القومي قدم مذكرة اعتراض على مشروع الإصلاح الديمقراطي السادس المزمع عرضه على البرلمان من طرف الحزب الحاكم، ورد مسئولون في العدالة بطلب تقليص مخصصات الجيش المالية!

فقد وجّه الجنرال قليطش سكرتير عام مجلس الأمن القومي التركي رسالة إلى رئاسة الوزراء تتضمن ثلاثة اعتراضات على البنود التي تضمنتها حزمة (مشروع) الإصلاحات القانونية والدستورية السادسة، تتضمن ضرورة عدم إلغاء المادة الثامنة من قانون مكافحة الإرهاب؛ لأن ذلك من شأنه -كما قال- تشجيع الإرهاب.

ويتضمن الاعتراض الثاني ضرورة عدم الموافقة على إرسال مراقبين أجانب للانتخابات؛ لأن هذا يعني المساس بالسيادة الوطنية. فيما يتضمن الاعتراض الثالث ضرورة عدم السماح بالبث التليفزيوني والإذاعي باللغات غير التركية، مثل الكردية والعربية؛ لأن هذا من شأنه تعزيز النزعات الانفصالية.

وجاءت هذه الاعتراضات من جانب سكرتير مجلس الأمن القومي في الوقت الذي أكد فيه وزير الخارجية عبد الله جول في كافة زياراته للعواصم الغربية، وتصريحاته، على أهمية وحتمية تمرير هذه الحزمة (المشروع) من الإصلاحات للانسجام مع الاتحاد الأوروبي، وضرورة أن يتم تمرير هذه الحزمة (المشروع) السادسة في غضون شهرين، بل وتحديه بأنه "مستعد لتحمل كافة المخاطر الناجمة عن حزمة (مشروع) الإصلاحات الجديدة.

ومن الطبيعي في ظل هذه الخلافات أن يتطور الأمر إلى الحديث عن انقلاب عسكري مرتقب؛ بسبب غضب الجيش مما تفعله الحكومة من إصلاحات، خصوصًا إعادة إسلاميين - يسميهم الجيش "رجعيين" - إلى مناصب سبق أن فصلهم الجيش منها، وهو ما دعا معهد البحوث الإستراتيجية والدولية التركي للتوقع - في تقريره السنوي الذي نشرته الصحف التركية 14 مايو 2003 - بأن يقوم الجيش التركي بانقلاب إذا ما أقدمت حكومة حزب العدالة والتنمية التركية الحالية ذات الجذور الإسلامية نحو مزيد من "الإصلاحات الراديكالية" خلال الفترة المقبلة، بعضها يتعلق بقضايا الحجاب أو تقليص موازنة الجيش أو إلغاء قوانين مقيدة للحريات يعتبرها الجيش قيودًا على "الأصولية".

الإسلاميون يناوشون الجيش

ولا يعني هذا أن الجيش هو الذي يستفز حكومة العدالة فقط.. فالحقيقة أن وزراء وقادة حزب العدالة بدءوا بدورهم - وهم يركبون حصان الاتحاد الأوروبي - استفزاز الجيش، والتمهيد، ربما، لفرض أمر واقع يصب في خانة الحريات عمومًا والتيار الإسلامي خصوصًا، حتى توجيه نائب رئيس حزب العدالة دينجير فرات نقدًا حادًّا للمخصصات الضخمة للأمن والدفاع في ميزانية الدولة والتي تبلغ نحو 40% من حجم الإنفاق مقارنة بـ 0.008% من الميزانية لوزارة العدل، وقوله، في حضور جنرالات الجيش: "من أي طرف تحمون أنفسكم؟!".

بعبارة أخرى لم يَعُد قادة حزب العدالة يلتفتون كثيرًا للقضايا الهامشية الضيقة التي كانت تثير غضب قادة الجيش وتقع بسببها الانقلابات، مثل الحجاب والصلاة ومنع الخمور، ولكنهم تعدوها لمناقشة قضايا تصب في خانة تقليص هيمنة الجيش تدريجيًّا على الحياة السياسية، ووقف التميز الذي يحظى به، مقارنة بأجهزة الدولة الأخرى.

فلم يَعُد الجدل يدور حول لبس الحجاب في المصالح والمدارس الحكومية، ولا حول حضور زوجات وزراء حزب العدالة (بالحجاب) للمناسبات القومية والدبلوماسية التركية، رغم أن وسائل الإعلام التركية ذات الصبغة العلمانية اتخذت واقعة عدم مشاركة رئيس الجمهورية وقادة الجيش ورئيس الحزب الجمهوري المعارض بالبرلمان في الحفل السنوي التقليدي الذي يقيمه رئيس البرلمان التركي بمناسبة يوم السيادة الوطنية 23/4 من كل عام، ذريعة وفرصة للهجوم على حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم بدعوى "ضرورة الحفاظ على علمانية الدولة والنظام" وفق توصيات اجتماع مجلس الأمن القومي في اجتماعه الأخير يوم 30 إبريل2003.

لكن جاء الجدل حول قضايا أهم وأخطر تمس عصب سيطرة الجيش على الدولة التركية وهيبته، مثل التطرق إلى ميزانية الجيش نفسه، ومنع تدخله في قضايا التعيينات التي تقوم بها الحكومة (بدعوى أن هناك شخصيات رجعية تتولى مناصب)، بل وطرح مشاريع قوانين أمام البرلمان - ضمن حزمة قوانين الإصلاح السياسي لتوفير الأجواء الملائمة لدخول الاتحاد الأوروبي - تنص على حق من يعزله قادة الجيش من العسكريين، تحت مسمى "رجعي"، في التظلم أمام المحاكم التركية، وهو تطور هام يغل يد الجيش مستقبلاً عن طرد متدينين من الخدمة العسكرية، أو على الأقل يبطئ هذه المسألة التي لم تجرؤ حكومة سابقة على التدخل فيها، ولم ينجح حتى أربكان عندما كان في الحكم في وقفها.

وقد رصد (معهد البحوث الإستراتيجية والدولية) في تركيا هذه التطورات غير العادية فيما يخص العلاقة بين الجيش والعدالة، وتوقع أن يتدخل الجيش ويسقط الحكومة، بصرف النظر عن مدى اعتراضات الدول الغربية على هذا المسلك من الجيش إذا ما أقدمت حكومة حزب العدالة على مزيد من الإصلاحات التي تمس ما يسميه الجيش (الثوابت العلمانية والتعاليم الأتاتوركية). وأكد المعهد في تقريره السنوي الذي نشرته الصحف التركية في 14 مايو 2003 أن (تركيا التي تبحث عن هويتها منذ عدة قرون وصلت الآن إلى نقطة تحول جديدة مع انتخابات نوفمبر الماضي التي جاءت بحزب العدالة والتنمية للحكم منفردًا). وتوقع أن يعمل الجيش على فرض وممارسة بعض أنواع الضغوط على الحكومة على مراحل تبدأ بالإدلاء بتصريحات تحذيرية للرأي العام (لاحظ تصريحات الجنرال أوزكوك يوم 26 مايو)، ثم تقديم مقترحات لمجلس الأمن القومي وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني العلمانية.

وأوضح التقرير أن البديل الوحيد أمام الحكومة لمنع نزول الجيش للشوارع وإسقاطها هو إجراء تغييرات بشكل تدريجي والإصغاء لتقييمات الجيش، مشيرًا إلى أن هذا البديل يمكن أن يديم عمر الحكومة الحالية فترة أطول ويجعلها تقلل من حدة موقف الجيش تجاهها.

حديث الانقلابات العسكرية

 
  الجيش ينفي شائعات الانقلاب

ويبدو أن تسريب أنباء احتمالات الانقلاب العسكري للصحف التركية استهدف أيضًا جس نبض رد فعل طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، ولكنه رد عليها بذكاء وألقى الكرة في ملعب الجيش، وهو ما دعا رئيس الأركان التركي لإطلاق 

تصريحات غير متوازنة!

فردًّا على ادعاءات بعض وسائل الإعلام التركية بوجود قلق وانزعاج لدى (الضباط الشبان) بالجيش التركي من إجراءات حكومة حزب العدالة والتنمية، قال أردوغان: إن هذه الحملة الإعلامية "مغرضة بهدف إيقاع الفتنة وإحداث فجور في البلاد"، وقال أردوغان لجريدة وقت التركية يوم 26 مايو: إن بث بذور الشقاق وخلق أجواء الاضطرابات إهانة للوطن.

كذلك طالب مصطفى باش أوغلو رئيس نقابة المهن الصحية التركية في تصريحات لجريدة (وقت) اليومية، بمعاقبة المحرضين على القيام بانقلاب، مؤكدًا بأن الدستور والقوانين تمنع التحريض والإثارة وتعاقب كل من يقوم بها، وكان يشير على ما يبدو لما ذكرته جريدة وقت التركية الصادرة يوم 26-5-2003 من أن الصحفي مصطفى بالبان من جريدة (جمهوريت) التركية اليومية - ذات الاتجاه اليساري والأتاتوركي - يشن هجومًا وانتقادات حادة للحكومة صباح كل يوم أحد عبر برنامج في تلفزيون الدولة TRT-1 ، علاوة على قيام نفس الجريدة اليسارية الاتجاه بنشر أخبار ملفقة حول وجود قلق داخل صفوف الضباط الشبان بالجيش التركي الذين وصفتهم بأنهم "الذين يرون في أتاتورك مؤسسًا للنظام العلماني ومعلّمًا وقائدًا أوحد نحو الحياة الحديثة والمعاصرة!".

ولهذا اضطر رئيس الأركان التركي أوزكوك إلى عقد مؤتمر صحفي يوم 26 مايو الماضي دعا إليه صحفيين من 14 جريدة وصحيفة تركية (استبعد صحفا إسلامية مثل "وقت" و"زمان" و"ميللى غازتة" و"يني شفق") للرد على الشائعات المتداولة في بعض وسائل الإعلام التركية، عن وجود خلافات بين الجيش والحكومة، وشدّد على أنه لم يتلفظ بكلمة انقلاب أو ما يشبه ذلك في لقائه الأخير مع طيب أردوغان رئيس الحكومة.

محاور وذرائع الخلافات بين القوتين

وبشكل عام يمكن حصر أبرز القضايا الخلافية بين قادة الجيش التركي وحزب العدالة أو التيار الإسلامي التركي عمومًا على النحو التالي:

1-   قضية الحجاب

تظل قضية حق المرأة في ارتداء الحجاب محل إثارة وجدل دائم ومستمر لدى الوسط العلماني التركي، ولا يبدو أن هذا الجدل في طريقه للزوال في المنظور القريب، في ظلّ الحملات الإعلامية وضغوط المؤسسة العسكرية التركية التي تمارس ضد المجتمع المدني.

وآخر فصول هذا الخلاف تجلت عندما أثيرت ضجة إعلامية مفتعلة في الأوساط التركية بين يومي 22 - 23 من إبريل الماضي عقب إعلان رئيس الجمهورية نجدت سيزر عدم مشاركته في حفل مسائي يتعلق بذكرى يوم السيادة الوطنية، وربطت بعض وسائل الإعلام بين ذلك الرفض ورغبة سيزر في عدم مصافحة زوجة رئيس البرلمان المحجبة التي لا تسلم على الرجال أصلاً!

ومع أن رئيس البرلمان التركي بولنت آرينش امتنع عن اصطحاب زوجته للحفل، وتساءل: "لا أدري ما علاقة رداء زوجتي بأركان الدولة والنظام؟!"، فقد كشف هذا الموقف حالة التناقض القائمة في التجربة الديمقراطية التركية، فتارة تحترم إرادة الجماهير أمام صناديق الانتخاب وتظهر حكومات وبرلمانات - كما هو الحال مع حكومة حزب العدالة والتنمية AKP - مستندة لرأي الجماهير، وتارة أخرى تقوم جهات محددة بالعمل على تهميش وتمييع عمل هذه الإرادة.

بل إن أطرافًا تركية نوَّهت إلى أن قانون الملابس والقيافة - الذي صدر في فترة حكم أتاتورك 1923 - 1938م - يختص بموظفات الدولة فقط.. بمعنى أنه يفرض ملابس معيّنة (ارتداء التايير الغربي وأخيرًا السماح بارتداء البنطلون) على موظفة الدولة، وليس له علاقة بأفراد الشعب أو أعضاء البرلمان وغيرهم من العامة.

وقالت: إن وزير خارجية اليونان نفسه - كما ذكرت جريدة يني آسيا التركية يوم 5/5/2003 - وجّه صفعة لهؤلاء العلمانيين عندما استضاف عبد الله جول وزير الخارجية التركي وزوجته المحجبة في أثينا لاجتماع يتعلق بالاتحاد الأوروبي، وقال للصحافة التركية واليونانية: "ليس لأحد الحق في محاسبة الآخرين عن ملابسهم، وكل شخص حر في ردائه، والاتحاد الأوروبي ليس له علاقة بهذا الجدل والنقاش، نحن لا ننزعج ولا نشعر بقلق من ارتداء المرأة التركية للحجاب"!

2 - مسألة جمعية التجمع الوطني "ميللى جُوروش"

وهذه هي نقطة الخلاف الثانية بين الطرفين، حيث ظهرت هذه الجمعية التركية في ألمانيا في مطلع السبعينيات لجمع أتراك المهجر - خاصة أتراك أوروبا - وتنظيم شئونهم الحياتية (مثل بناء المساجد ودور العبادة، وقاعات الاحتفالات، ودور الاستشفاء، وتنظيم رحلات الحج والعمرة، وتعليم قراءة القرآن، وغيرها...) ويقود هذه الجمعية الزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان، وتُعَدّ هذه الجمعية هي الأكثر تنظيمًا وحركة لدى الأتراك في الخارج، وتضم إليها ألوف الأتراك. ولما كانت هذه الجمعية تعمل بين أتراك المهجر بشكل كثيف ومنظم، فإنها تقوم أيضًا بتوجيه أصواتهم الانتخابية ناحية الأحزاب المحافظة في ألمانيا، والإسلامية في تركيا.

ويشعر التيار العلماني والمؤسسة العسكرية التركية بقلق وانزعاج من مسيرة هذه الجمعية، ويوجهون لها اتهامات، حتى إن الفريق طونجر قليطش سكرتير مجلس الأمن القومي التركي انتقد بشدة هذه الجمعية خلال اجتماع عقد ببلجيكا مؤخرًا، ووصفها بالتشدد والتطرف، وأنها تدعم وتساند حزبي: (السعادة) المعارض، و(العدالة والتنمية) الحاكم.

وقد استُغلت واقعة صدور تعميم من وزارة الخارجية التركية منذ أيام للقنصليات والسفارات التركية بالخارج، تحثهم على التعامل مع هذه الجمعية، لكي يشن الجيش وبعض وسائل الإعلام المرتبطة بالتيار العلماني هجومًا تحريضيًّا من أجل وقف التعامل مع هذه الجمعية، بل ومحاولة إلصاق تهمة الإرهاب بها.

إلا أن عبد الله جول وزير الخارجية التركي، رد على هذه الحملة وعلى طلب الإحاطة الذي تقدم به مصطفى أوزيورك عضو البرلمان عن الحزب الجمهوري المعارض بقوله: إن صدور التعميم الوزاري جاء لوجود حاجة ملحَّة تستلزم حثّ السفارات التركية على التعاون مع أي جمعية أو تنظيم يقوم بتقديم خدمات وأنشطة للمواطنين في المهجر.

3 - أسلمة كوادر الدولة

وهي نقطة خلاف جوهرية بين الطرفين، دفعت طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية - في رده على ادعاء وجود حملة حكومية لتعيين كوادر جديدة بأركان ومؤسسات الدولة - للقول: "نحن أضعف وأقل حكومة تعمل في هذا الأمر، رغم التفويض الشعبي الساحق لنا، ونعتقد بحقِّ كل حكومة في تعيين الكوادر التي تعينها على تنفيذ برامجها، ويذهب الكادر مع ذهاب الحكومة". وقد نشرت جريدة "وقت" وكذا جريدة "يني شفق" التركيتان، تفاصيل وأرقاما حول الكوادر التي عُيّنت بالحكومة والدواوين والدوائر الرسمية في فترة حكم بولنت أجاويد زعيم الحزب الديمقراطي اليساري، حيث أكدت تعيين عدد 5 آلاف عضو نيابة وقضاء في الفترة ما بين 99 - 2002 موالين لحزب اليسار.

وقالت: إن التغييرات التي قامت بها حكومة حزب العدالة والتنمية منذ توليها الحكم يوم 4-11-2002 قليلة، منها تغيير رئيس هيئة الشئون الدينية محمد نوري يلماظ (قدم استقالته بإرادته بعد عمل استمر 11 عامًا)، ثم تغيير رئيس ومدير هيئة الإذاعة والتلفزيون يُوجَل ينر (قدم استقالته بإرادته بعد عمل دام حوالي 5 سنوات)، ثم النائب العام صبيح قناد أوغلو، وهذا الأخير يتم انتخابه من بين قائمة مكونة من خمسة مرشحين وبتصديق من رئيس الدولة.

أيضًا قال طيب أردوغان رئيس الحزب الحاكم - الذي يبدو أن صبره بات يقترب من النفاد - أمام الهيئة البرلمانية للحزب ردًّا على الاتهامات بأسلمة كوادر الدولة: "نحن لن نستسلم أمام خيارات الفرض والجبر"، وتساءل عن معنى وقيمة الانتخابات العامة، إذا لم يكن من حق الحكومة المنتخبة التخلص من رجال الدولة المتهمين بأعمال الفساد؟!

4 - تطويع مجلس الأمن القومي

ما زال مجلس الأمن القومي التركي بجناحه العسكري واجتماعاته الشهرية، يمثل الجهة التنفيذية العلمانية المهددة بشكل دائم للمجتمع المدني والحريات في تركيا. فمجلس الأمن القومي التركي الذي استحدثه عسكر تركيا دستوريًّا عقب الانقلابات العسكرية التي وقعت في النصف الثاني من القرن المنصرم، يقوم بفرض رقابة لصيقة على جميع مؤسسات الدولة في الداخل والخارج، حتى التعليمية منها (بواسطة ضباط يقومون بتوزيع منشورات وإلقاء دروس تعليمية عن الأمن القومي في المدارس يهاجمون فيها الشريعة والحجاب ويحثون على مسابقات الجمال).

وهذا المجلس يقدم تقارير شهرية لاجتماعات المجلس، يدعو فيها الحكومة إلى فعل كذا أو الامتناع عن كذا، بشكل أشبه بالتدخل العسكري الشهري في شئون السياسة التركية، مما دفع الاتحاد الأوروبي - في ضوء طلب تركيا الانضمام إليه - وبصفة خاصة كُونتر فِرهوجن العضو الألماني البارز في لجنة توسيع عضوية الاتحاد والمسئول عن الملف التركي، إلى طلب تحويل هذا المجلس العسكري إلى مجلس استشاري.

وقد دعا رئيس البرلمان التركي في لقاء يوم 21 مايو مع سفير هولندا بتركيا أن يكون المجلس استشاريا، وأن يكون تحت سيطرة الحكومة المدنية المنتخبة وليس العكس، إلا أنه لا يبدو أن المؤسسة العسكرية التركية مستعدة للتخلي عن تدخلها في السياسة.

وقد رفض الفريق طونجر قليطش سكرتير المجلس في ندوة ثقافية علنية عقدت في وقت سابق بإستانبول، انضمام تركيا للإتحاد الأوروبي، إذا كان هذا يعني تقليص صلاحيات المجلس العسكري.

ومن الواضح أن عوامل الشدّ والجذب والارتخاء بين حكومة العدالة والمؤسسة العسكرية التركية تمثل نوعًا من اللعب يشبه إلى حد كبير ما يسمى بلعبة القط والفأر.

وإذا كانت قيادات حزب العدالة تحاول الاحتفاظ برباط جأشها في تعاملها مع ضغوط المؤسسة العسكرية عليها، في إطار سياسة مفادها عدم توفير الفرصة لأجواء من التوتر والاضطراب تلحق الأذى باستقرار الجبهة الداخلية وبأوضاع الاقتصاد التركي، فإن قطاعًا من الشارع السياسي التركي يتخوّف من تعرض هذا الحزب لمصير مشابه لمصير حزب الرفاه (أغلق عام 1998)، إذا لم يتخذ مواقف جادة وواضحة من تدخل الجيش بالسياسة.

ويرى البعض أن حزب العدالة لديه فرصة تاريخية في تقليص الدور السياسي للمؤسسة العسكرية التركية، في ظلّ سيطرته الساحقة على الحكومة والبرلمان، والاستفادة من أجواء الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كما يعتقد هذا القطاع أن عدم الظفر بهذه الفرصة قد يؤدي إلى استمرار سيطرة وهيمنة العسكر على الأمور في تركيا لعقود أخرى قادمة، مثلما تؤدي سلبية الحكومة أو ترددها مع تصرفات الجيش المتعارضة مع الحريات والمجتمع المدني، إلى ضياع فرصة تركيا في اللحاق بالقطار الأوروبي.

فهل يخرج حزب العدالة عن صبره، ويعيد التوازن المفقود بين العسكر والمدنيين، أم يفقد العسكر صبرهم أولاً ويضربون (كرسيًّا في الكلوب) ويفسدون فرح العدالة؟!


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
مراسل إسلام أون لاين. نت للشؤون التركية - إستانبول

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات