|
من بين خضم تفاعلات واتصالات وصفقات ومواقف عديدة حفلت بها الفترة الماضية منذ وقوع تفجيرات نيويورك وواشنطن، يمكن رصد مفارقة مثيرة بين موقفي روسيا وإيران. فقد سار التحول التدرجي في الموقفين باتجاهين متعاكسين وإن كانا متوازيين. حيث صدرت من طهران إشارات مرونة وتعاطف تجاه واشنطن إثر وقوع التفجيرات مباشرة، بينما تبنت موسكو موقفًا متحفظاً بشدة على ما اعتبرته "تسرعًا" أمريكيًا بتوجيه الاتهام إلى أية جهة كانت.
والحاصل الآن أن علاقة طهران بواشنطن يُغلِّفها فتور وصل إلى التراشق الإعلامي، بينما تزداد التسهيلات التي تقدمها موسكو لحملة واشنطن يومًا بعد يوم. فما هي أسباب هذه التحولات؟ وكيف يمكن تفسير تقاطعها رغم وجود عوامل مشتركة كثيرة في المصالح والأهداف والمواقف؟
إيران.. من المرونة إلى التشدد
جاء موقف إيران الفوري من تفجيرات نيويورك وواشنطن مواكبًا للاتجاه العام الذي ساد معظم دول العالم، فأكدت طهران إدانتها لحوادث التفجير ورفضها قتل الأبرياء من المدنيين. وكان لافتًا أن بعث عمدة طهران برسالة إلى نظيره عمدة نيويورك لتعزيته في ضحايا تفجيرات مبنى مركز التجارة العالمي؛ وكذلك تصريحات كبار المسؤولين الإيرانيين وضح فيها رفض طهران للعمليات التي استهدفت المدنيين الأمريكيين.
ورأت الولايات المتحدة الأمريكية في هذا السلوك الإيراني إشارات يمكن الوثوق بها والبناء عليها في تطوير موقف إيراني مؤيد للتحالف، الذي أعلنت واشنطن نيتها تكوينه لضرب ما وصفته بقوى الإرهاب في العالم بعد 48 ساعة فقط من وقوع التفجيرات. ووضح ترقب واشنطن لأية إشارة إيجابية من جانب طهران في وصف وزير الخارجية الأمريكي كولن باول لموقف إيران بأنه "بادرة مشجعة تستحق الدراسة"، ما يعني أن الإدارة الأمريكية تنتظر المزيد من طهران في الاتجاه ذاته.
الملاحظ أن موقف طهران لم يشذ عن الاتجاه العام لمواقف مختلف دول العالم بالتعاطف مع ضحايا التفجيرات، ورفض أعمال العنف غير المشروع، لكن يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية فسّرت ذلك الموقف بالتوقع لا بالواقع. فانتظرت من طهران الانضمام إلى التحالف الجديد، أو على الأقل تقديم أكبر قدر ممكن من التسهيلات والمساندة، وساعد على رفع سقف التوقعات لدى واشنطن ذلك الاتصال الهاتفي بين الرئيس الإيراني محمد خاتمي وكوفي عنان أمين عام الأمم المتحدة؛ حيث أبدى خاتمي استعداد إيران لبذل ما بوسعها لمحاربة "الإرهاب"، وأكد خاتمي هذا المعنى بقوله لعنان خلال الاتصال: "يمكنكم الاعتماد تمامًا على الجمهورية الإسلامية".
لكن الذي لم تلتفت إليه واشنطن أن إيران من اللحظة الأولى ركَّزت في خطابها السياسي والإعلامي على ضرورة أن تكون أية جهود لمكافحة الإرهاب، أو مساعي القبض على المسئولين عن حوادث الحادي عشر من سبتمبر تحت مظلة المجتمع الدولي؛ أي تحت رعاية الأمم المتحدة، وليس بشكل منفرد.
وقد فاجأ هذا الموقف الإيراني واشنطن ولندن، وكان سببًا رئيسيًا في الزيارة التاريخية التي قام بها وزير الخارجية البريطاني جاك سترو لطهران، وهي الزيارة الأولى من نوعها لوزير خارجية بريطاني إلى إيران منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 (هذه الزيارة مقررة من فترة طويلة، لكن لم يتم تحديد موعد لها). وكان من الواضح أن الزيارة تهدف إلى استكشاف الموقف النهائي لطهران، وما إذا كانت مواقفها المعلنة ثابتة أم قابلة للتعديل تحت شروط معينة. وكشفت تصريحات المسؤولين الإيرانيين- عقب مغادرة سترو طهران بل وأثناء وجوده فيها- أن اتفاقًا بين الطرفين لم يتم، وهي النتيجة ذاتها التي خرج بها وفد الترويكا الأوروبية الذي قام بزيارة مماثلة لإيران.
مثَّلت مباحثات كل من سترو ووفد الترويكا الأوروبي نقطة تحول في الموقف الإيراني، بدت ملامحها من تصاعد حدة انتقاد المسؤولين الإيرانيين لطريقة إدارة واشنطن للأزمة، حتى إن خاتمي -الذي انتقد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر والإرهاب على وجه العموم- تغيرت لهجة تصريحاته بوضوح عقب مباحثاته مع سترو؛ فوصف الرئيس الأمريكي جورج بوش بالمتغطرس، منتقدًا التسرع في توجيه أصابع الاتهام إلى أسامة بن لادن وحركة طالبان، ومؤكدًا ضرورة أن يكون أي تحرك دولي باتجاه محاربة الإرهاب تحت رعاية الأمم المتحدة، وهو وإن كان ذات الموقف الذي تبنته طهران من البداية.. لكن الجديد أن المرونة التي غلفته قد اختفت وحل محلها ارتياب وتحفظ شديدان.
روسيا.. من التشدد إلى المرونة
اختلف تطور الموقف الروسي كثيرًا عن نظيره الإيراني؛ ففي حين بدأت طهران مواقفها بحذر وتحسس للخطى قبل أن تنقلب متمردة على الحملة الأمريكية، ومعلنة عداءها لها، ورفضها للمشاركة فيها، سار الموقف الروسي في الاتجاه المعاكس. فخرجت تصريحات المسؤولين الروس في البداية معترضة، يغلب عليها التحفظ والإحجام عن إبداء أي تأييد لإشارات واشنطن بشن حملة عنيفة على أفغانستان. وكان هذا الموقف سببًا في مسارعة الولايات المتحدة الأمريكية إلى تفعيل الخط الساخن مع موسكو، وإيفاد مبعوثين للتباحث واستكشاف حقيقة الموقف الروسي وإمكانية تطويعه بما يتفق مع المخططات الأمريكية.
وفي المقابل، سارعت موسكو إلى مخاطبة الجمهوريات الواقعة على حدودها الجنوبية والمعنية بالشأن الأفغاني -لا سيما تلك المرشحة لدور في الحملة الأمريكية- بغرض تقييد استجابتها للعروض الأمريكية، وربط مواقفها بالموقف الروسي، في إشارة واضحة فهمتها واشنطن جيدًا مفادها أن الطريق إلى هذه الجمهوريات والحصول على تعاونها يجب أن يمر بموسكو أولاً؛ ومن الطبيعي بعد ذلك أن تزداد المرونة والتعاون الذي تقدمه موسكو لواشنطن.
أوجه التشابه
رغم أن كلا من إيران وروسيا متعارضتان في المواقف بصورة شبه كاملة، تظل هناك توافقات كثيرة بينهما بشأن المسألة الأفغانية، ومن أهم تلك التوافقات:
1-الموقف من طالبان:
معروف أن بين إيران وروسيا في جانب وحركة طالبان في الجانب الآخر عداء شديدًا، وتشترك الدولتان منذ فترة طويلة في رغبة التخلص من طالبان وإنهاء سيطرتها شبه الكاملة على الأراضي الأفغانية. لكن رغم التوافق حول رغبة التخلص من طالبان، فإنه لم يكن ممتدًا من قبل إلى دعم المعارضة الشمالية؛ فموسكو ليست حريصة بذات درجة طهران على نصرة المعارضة الشمالية.
2-مواجهة الاقتراب الأمريكي:
تتفق إيران وروسيا على رفض أي اقتراب أمريكي من مناطق النفوذ أو نطاق المصالح الخاصة بكل منهما، ومن الطبيعي أن يثير دخول أمريكا إلى أفغانستان هواجس عميقة لديهما؛ فهي الجبهة الشرقية مباشرة لإيران، وتقع على حدود الضفة الجنوبية لروسيا، وملاصقة للجمهوريات السوفيتية السابقة.
3- تحجيم المد الإسلامي الأصولي:
والتوافق هنا جزئي، فإيران مهتمة بتحجيم المد الأصولي الإسلامي "السُّني" على وجه الحصر، بينما موسكو ترى خطرًا عليها من تنامي أية تيارات أو اتجاهات إسلامية عند حدودها الجنوبية. من هنا يأتي الاتفاق على ضرورة الحد من قوة باكستان على سبيل المثال، بينما يتضاءل الاتفاق عند الحديث عن بعض التنظيمات والتيارات الإسلامية "الشيعية" الموجودة في بعض جمهوريات الكومنولث المستقلة.
أسباب الافتراق
تفسير التحول في الموقف الروسي يأتي ضمن ثلاثة احتمالات رئيسة:
1-إبرام صفقة:
ومقومات هذا الاحتمال تكمن في الاتصالات المكثفة التي أجرتها الإدارة الأمريكية مع المسؤولين الروس؛ حيث حاولت واشنطن إقناع موسكو بالمشاركة في التحالف مقابل تلبية عدد من المطالب والاحتياجات الروسية تشمل مساعدات اقتصادية ثنائية ودولية، وغض الطرف عن الممارسات الروسية في الشيشان.
2-اللحاق بالركب:
أي أن انتقال موسكو سريعًا من الرفض إلى القبول لم يكن لحدوث اتفاق من البداية مع واشنطن، وإنما لاكتشاف موسكو أنها ستكون الخاسر إذا لم تنضم إلى الركب الأمريكي، ولعب موقف الجمهوريات السوفيتية السابقة- لا سيما المحيطة بأفغانستان والقريبة منها- دورًا في تغيير قناعة موسكو؛ فقد أرادت موسكو في البداية أن تفرض عليها اتخاذ موقف موحد بالامتناع عن التعاون مع واشنطن، وحاولت التحدث مع واشنطن باسم تلك الجمهوريات. لكن محاولتها قوبلت بالرفض، ونجحت واشنطن في التعامل مباشرة مع بعض هذه الجمهوريات، واستقطاب مواقفها لخدمة عملية "الحرية الدائمة"؛ فاضطرت إلى خفض سقف التشدد بالموافقة على تقديم تسهيلات لوجستية فقط دون مشاركة فعلية في العمليات العسكرية الأمريكية. وسرعان ما اكتشفت أن هذا الموقف الوسطي لن يعود بأية مكاسب؛ فلا هو رفض كامل ولا هو مشاركة كاملة.
3- توريط أمريكا:
وهو احتمال قائم، ومطروح بقوة لدى المراقبين في سياق تفسير تحولات الموقف الروسي، مفاده أن موسكو لم تغفر لواشنطن نشاطها العلني والسري ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، والدعم الكبير الذي قدمته لفصائل المقاومة الأفغانية. ولذا ترحب الأوساط الروسية -خاصة العسكرية منها- بانزلاق واشنطن إلى "المستنقع" الأفغاني، لكنها فقط تحاول ترتيب الأمور بحيث لا يتاح لواشنطن الخروج منه دون مساعدة موسكو التي ستفرض شروطها وقتئذ.
وواقع الحال أن جميع هذه التفسيرات محتملة وحاضرة، لكن بدرجات متفاوتة؛ إذ لا يمكن بحال الدفع بعدم وجود صفقة أو حد أدنى من التفاهم بين موسكو واشنطن، وربما يعزى ذلك إلى رغبة موسكو بالفعل في اللحاق بالقطار الأمريكي، والعمل في الوقت ذاته على توريط واشنطن في أفغانستان.
أما بالنسبة لإيران، فيمكن رصد أهم أسباب التحول فيما يلي:
1-مستقبل أفغانستان:
من الواضح أن واشنطن لم تقدم لطهران تطمينات كافية بشأن المستقبل الأفغاني. فمصلحة طهران في التخلص من نظام حكم طالبان مقرونة بإحلال المعارضة الشمالية محلها، مع وجود دور واضح ومحدد للفصائل الشيعية الموالية لإيران في شكل وتركيبة نظام الحكم. ولا توجد مؤشرات لموافقة واشنطن على هذه المطالب أو اطمئنان طهران لصدق هذه الموافقة، إذا كانت واشنطن قد أبدتها أساسًا.
2- دعم المعارضة:
التوافق الحاصل بين طهران وواشنطن حول مساندة المعارضة الشمالية المسلحة لا يعني بالضرورة أن تقدم طهران يد العون لواشنطن عسكريًا، حتى وإن كان في نطاق لوجستي وحسب. ذلك أن واشنطن مضطرة بالفعل إلى الاستعانة بقوات المعارضة الشمالية في المرحلتين الثانية والثالثة من عملياتها العسكرية وتحقيق ثاني أهدافها العملياتية؛ وهو إنهاء سيطرة طالبان على الأراضي الأفغانية.
3- غموض الهدف الأمريكي:
جزء كبير من الخلاف الحاد والمعلَن الذي انتهت إليه مرحلة جسّ النبض بين طهران وموسكو كان بسبب غموض الأهداف الأمريكية من وراء الحملة الدولية التي تشنها حاليًا. فتأكيدات مسؤولي الإدارة أكثر من مرة على أن الحملة لن تقتصر على أفغانستان، وأن مداها الزمني سيطول، أثارت هواجس شديدة لدى طهران، لا سيما أن واشنطن فتحت ملفات أثارت غضب إيران، مثل: وضعية حزب الله وحركة حماس والمقاومة الفلسطينية، وهو ما اعتبرته طهران غير مقبول بحال.
ولذا راحت إيران تحسس عنقها خشية التفات الحملة الأمريكية إلى هذه الملفات إثر الانتهاء من الملف الأفغاني؛ لذا جاء تركيزها في رفض الحملة بمجملها والضربة العسكرية تحديدًا، على عدم مشروعية القيام بعمل عسكري خارج نطاق الأمم المتحدة، وضرورة وجود إجماع دولي من خلال المنظمة الأممية على أي إجراء يُراد اتخاذه، لتسجل طهران بذلك موقفًا سياسيًا ودبلوماسيًا وقانونيًا تحتج به إذا اتجهت واشنطن بالفعل إلى اتهام تنظيمات أو حركات مقاومة أو دول أخرى برعاية الإرهاب.
والواقع أن ذلك التحول النسبي في موقف إيران جاء لتقترب من النمط التقليدي لعلاقاتها مع واشنطن، بغض النظر عن خصوصية المشهد الراهن ووجود مكاسب محتملة، سواء على صعيد الوضع في أفغانستان أو بالنسبة لتطوير العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية.
سامح راشد باحث في الشؤون السياسية
|