|
| نجم الدين أربكان رئيس الوزراء التركي الأسبق وزعيم حزب الرفاه الإسلامي المنحل |
رتبت وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أون لاين حلقة نقاشية حول "الحالة الإسلامية في تركيا"، وذلك في يوم 19-01-2006. وكان من أبرز الحضور في الندوة الدكتور عمر كوركماز مدير معهد الدراسات الإنسانية بأنقرة، والأستاذ محمد العادل مدير مركز التخطيط الإستراتيجي والعلاقات الدولية بأنقرة، والدكتور عمرو الشوبكي الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، والدكتور أحمد عبد الله مستشار شبكة إسلام أون لاين، والدكتور عصام العريان القيادي البارز بجماعة الإخوان المسلمين بمصر. إضافة إلى أ. وسام فؤاد الذي قدم ورقة حول الحالة الدينية في تركيا. كما شارك في الندوة عدد من الضيوف، سواء من أسرة إسلام أون لاين أو من خارجها، وسوف تنشر مساهماتهم مع ختام الجهد المبذول في مجال تجميع الشهادات على الحالة الإسلامية التكية وتحليلها.
سمات الحالة الإسلامية في تركيا
وفي ورقته التي قدم فيها استخلاصاته للشهادة على الحالة الإسلامية التركية، رفض أ. وسام فؤاد اختزال الحالة الإسلامية في تركيا في أحزابها الإسلامية، وأشار إلى أن الحالة الإسلامية التركية تتجاوز هذه الأحزاب لصالح حالة اجتماعية وثقافية ودينية تبدأ بالطرق الصوفية ومؤسساتها وتمر بالحركات التربوية كالنورسية والسليمانية، وتنتهي بالحالة الحزبية. وأوضح أن الصورة الحزبية الإسلامية التركية ينبغي أن تدرك بتعددية مراحلها التي بدأت بالمرحلة العفوية التي أنشئت فيها أحزاب على خلفية إسلامية، لكن غلب عليها الانفعال بالضغوط العلمانية أكثر منها الارتكان لرؤى ناضجة، ومرت الحالة الحزبية الإسلامية التركية بمرحلة النضج الفكري المحافظ على يد حركة الرأي الوطني بأحزابها الخمسة المتتابعة، ثم مرحلة النضج السياسي الواقعي التي يمثلها حرب العدالة والتنمية.
كما أشار الباحث إلى أن تعددية مداخل بناء الحالة الإسلامية التركية بين المدخل الديني الثقافي الذي ارتبط بكل من الطرق الصوفية (النقشبندية نموذجا) من ناحية والحركات الإسلامية التربوية من ناحية ثانية (النور نموذجا)، بينما جاءت أجيال جديدة بمدخل جديد، ألا وهو المدخل السياسي (حركة الرأي الوطني بتجلياتها المختلفة). ورأى أن العلاقة بين هذين المدخلين أثرت على بنية الحالة الإسلامية التركية إيجابا، كما أثرت على تفاعلات الأحزاب الإسلامية سلبا.
وأوضح الباحث أهمية المدخل الاقتصادي في التعبير عن هذه الحالة الإسلامية التركية ودلالاته الاجتماعية والسياسية، وأهمية التمييز بين القوة الاقتصادية الذاتية للحالة الإسلامية وبين الميول الانتخابية للشرائح الاجتماعية الثرية والمتوسطة في تركيا. ورغم أهمية هذين الاعتبارين، فإن ما يميز الحركة الإسلامية التركية قوتها الاقتصادية الخاصة ذات التجليات المختلفة المشاركة في أوجه النشاط الاقتصادي التركي المختلفة.
كما بين أن من أهم سمات الحالة الإسلامية التركية أنها تتسم بالتعددية الصحية التي لا ينشغل فيها مكونات الحالة الإسلامية بالصراع فيما بينهم، بل يهتمون بهدف وجودهم الإصلاحي. وقد فضل الباحث تسمية أسلوب العمل بأنه غير صراعي ولم يسمه تعاونيا؛ لأنه بالفعل لم يكن تعاونيا وتكامليا، بل كان أقرب إلى العمل المستقل المنفصل الذي لم يهتم فيه أي فصيل بما حقق الفصيل الآخر من نجاح أو إخفاق.
ورأى الباحث أن أهم سمات الحالة الإسلامية التركية أيضا تلك السرعة في الاستجابة للمتغيرات، مشيرا لتجاوب قطاع عريض من الحالة الإسلامية مع حركة الاتحاد والترقي قبل الاستقلال (النورجية والنقشبندية) ثم تنكر لها مع الاتجاه نحو الكمالية. ثم تكيف منهج الحركة في فترة الحظر المطلق فعرفت الدعوة السرية والأولوية للمدخل الثقافي بدون تنظيم ولا عضوية، فقط قراءة وتعليم وتعلم، ثم استجابت بسرعة للانفراجة السياسية فدخلت فئات من كل المكونات في الأحزاب التي رأت أنها كانت قريبة من أفكارها، ولم تكن هذه العضويات فردية، بل ارتقت لمستوى الظاهرة. ثم لم تلبث مع الاتجاه نحو التعددية السياسية أن أسست أحزابا متعددة متتالية يعقب تأسيس بعضها حظر البعض الآخر.
ويستخلص أيضا أن من أهم سمات الحالة الإسلامية التركية رفض الاستقطاب الإسلامي العلماني، والحرص على تجنب الانكماش السياسي، وحسن تقدير مصلحة الوطن في الممارسات السياسية.
كيف ندرك الحالة الإسلامية في تركيا؟
وفي كلمة للأستاذ محمد العادل المدير العام لمركز التخطيط الإستراتيجي والعلاقات الدولية بالعاصمة التركية: أنقرة، أشار العادل لعدة ملاحظات منهجية تتعلق بالظاهرة التركية، كان على رأسها أن التجربة الإسلامية في مجملها يجب أن يعاد تعريفها وتعريف منهج النظر إليها، بحيث إن محاولات البعض إقصاء تجربة عدنان مندريس عن مسيرتها بدعوى كونه ليبراليا هي محاولات لا تعبر عن منظور سليم لإدراك علاقة النخبة بثقافة تركيا التي يمثل الإسلام أحد جواهرها. ورأى أن نفس القول ينطبق على الرئيس التركي تورجوت أوزال الذي ازدهرت في عهده الحريات العامة والحالة الإسلامية على السواء. كما أشار إلى أن التركيز على الحالة الإسلامية لا يعكس أيضا منظورًا قويًّا لتناول الخبرة التركية، حيث إن مجمل الحالة الثقافية والسياسية التركية مهمة لتقييم عموم المشهد التركي، وإدراك التعددية داخل الحركة التركية مهم جدا لفهم وجهة تركيا نفسها، وهي وجهة من المهم الاعتناء بها في مجملها بصرف النظر عن الاعتناء بالحالة الإسلامية.
وعليه، يرى الأستاذ محمد العادل أن إسهامات وإضافات الوجود اليساري في تركيا مهمة سواء في ذاتها أو في علاقتها بالحالة الإسلامية، ولا تقل أهمية عنها الحالة الليبرالية التي اعتبرت ثقافة تركيا وزكتها ولم تتجاوزها، بل إن صدمات الليبرالية بالمؤسسة العسكرية هي التي أدت لتراجع الأيديولوجية الكمالية كأيديولوجية صلبة غير قابلة للتجديد واستيعاب المستجدات على المسرح التركي، وبدأت سمات التجديد فيها تتبدى مغلبة المصالح التركية العامة.
ويرى أ. محمد العادل أن الحالة الإسلامية التركية أيضا في حاجة لإدراكها بنفس العين التي تحرص على اكتشاف التعدد داخلها. فالنورسية على سبيل المثال هي أكثر من اثني عشر فصيلا، ولكل منها مواقف وأطروحات تخرج عن الصورة الذهنية الجامدة التي تروج عن هذه الحركة. ويرى أن التجربة الحزبية الإسلامية أيضا في حاجة لاختبار استقلالها عن الجسد الإسلامي والجسد الاجتماعي والاقتصادي. فبرغم استفادة الحزبية الإسلامية من الوعاء الثقافي الذي أنتجته التكوينات الإسلامية التركية إلا أن استقلالية الحالة الحزبية حمت هذه التكوينات. وهذا يقودنا لقضية أخرى تتمثل في مؤسسية الحالة الإسلامية التي تعتبر مجموعة من الكيانات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية المنفصلة مؤسسيا وقانونيا، لكنها مرتبطة برباط أيديولوجي يكفل لها السلامة من تبعات السياسية ويضمن أن تؤدي مجتمعة نفس الدور الإصلاحي الذي تنشده.
ويشير أ. محمد العادل إلى أن أحد أهم أسباب نجاح الحالة الإسلامية في تركيا هو المتمثل في الاستقلال عن الحركات الإسلامية في الخارج، والتركيز على الخصوصية التركية، حيث تم بناء نموذج تركي خالص لإدارة الوجود الإسلامي بهذه الدولة التي تنجرف بقوة في اتجاه معاد لثقافتها، وهو ما كفل هذا التقدم. وإن كان هذا برأيه لا ينفي وجود قطاعات واعية بالحركة الإسلامية العربية ومنها جناح أربكان.
مركزية الهاجس السياسي
أما الدكتور عصام العريان، باعتباره شاهدًا على الحالة الإسلامية التركية، فقد وجه انتقاده الأساسي للورقة المقدمة معتبرًا أنها قامت على رؤية حملت هاجس السلطة لدى الحركة الإسلامية العربية وناقشت بها الخبرة التركية فأدت لزيادة المكون الرصدي الخاص بالخبرة الحزبية الإسلامية التركية على حساب رصد وتشريح بقية مكونات الحالة الإسلامية التركية التي يراها تفوق في أهميتها أهمية المكون الحزبي، فضلا عن أن الحالة الإسلامية دفعت نحو تجاوز السياسة للسلطة واعتبار الحركات الاجتماعية. كما أشار الدكتور عصام العريان لتركيز الورقة على الحالة الإسلامية متجاوزة الإطار البيئي الذي تحركت فيه، وهو يرى أن السياسة كظاهرة اجتماعية مرتبطة ببيئتها، وأن إبداع المنظمات السياسية في بيئة من البيئات مرتبط بمستويات الحرية الموجودة في هذه البيئة وهامش تحركها ومحاولات تقليصها، وهو يرى أن الحالة السياسية التركية كانت وليدة الجهود الثقافية لكل من حمل الرسالة الإسلامية التركية بالإضافة للتغيرات التي طرأت على مناخ الحريات والتي اتسع نطاقها على أيدي رؤساء ورؤساء حكومات ليسوا بإسلاميين.
الخبرة الأهلية التركية والإسلام
|
| مصطفى كمال أتاتورك مؤسس جمهورية تركيا الحديثة العلمانية عام 1923 |
أما الدكتور أحمد عبد الله، فيرى أن الخبرة التركية ثرية، وهو ما يجعله يطرح سؤالا يتعلق بسبب تأخر مكانة التجربة التركية في منظور الحركات الإسلامية بالرغم من أن هذه التجربة بالغة الثراء من حيث دلالاتها الاجتماعية والسياسية، إذ قدمت أدبيات مهمة جدا فيما يتعلق بعلاقة السياسة بالدين وعلاقة الإسلام بالمجتمع، والعلمانيات وإعادة تعريفها. ومن زاوية ثانية طرح الدكتور أحمد عبد الله سؤاله عن سبب تركيز الدراسات المتعلقة بالحالة التركية على "وضع الدولة/السلطة/الخلافة/الكمالية" وتطوراتها في تركيا بدءا من سقوط الخلافة وحتى اليوم مرورا بالإجراءات الأتاتوركية، في الوقت الذي توجد فيه مساحات تخلو من الدراسة والاهتمام، ولم تجد من يركز عليها بالشكل اللائق بحجمها ووزنها، ألا وهي مساحة حضور المجتمع وتركيبته وتفاعلاته، ويرى أن اختزال التجربة التركية في الدولة وتطوراتها أمر يشوبه القصور الشديد، وأن الاهتمام بالمساحة الأهلية والمجتمعية مهم جدا لتوضيح الصورة، قبل سقوط الخلافة وحتى الآن..
منطق الدولة وتراجع الفروقات الأيديولوجية
أما الدكتور عمرو الشوبكي فقد دافع عن فكرة النموذج السياسي في تحليل وفهم أداء الحركة الإسلامية وحركات المجتمع المدني المختلفة، وأنه يقف ضد تجريم السياسة. ويضيف أن تحفظ الحركات الإسلامية في مصر أو غيرها على الحركة الإسلامية يقودنا إلى طرح تساؤل حول من يملك معيار التقويم؟ وهو يرى أن كلمة د. عصام العريان انطوت على قدر من مركزية الإخوان المسلمين وأعرب عن عدم اتفاقه مع هذه الرؤية. وطرح د. عمرو الشوبكي أيضا رؤية تتعلق بمنطق الدولة الذي قاد إلى تلاشي الفوارق القوية بين اليسار واليمين. ورأى أن الإسلاميين أنفسهم لو وصلوا للحكم في أية دولة سيتصرفون بمنطق الدولة لا بمنطق الفصيل، وأن كفاءة الأداء الإسلامي في الحكم هو معيار الاستفادة من خبرة الإسلاميين، وهو ما يزكي الاستفادة من الخبرة التركية مقارنة ببعض الخبرات السلبية كالخبرة السودانية. كما اعتبر د. عمرو الشوبكي أن الإنجاز الحقيقي للعدالة والتنمية يتمثل في تجاوزهم نموذج صياغة الأحلام الكبرى والمشروعات الكبرى، واتجاههم للتركيز على المشروعات الصغرى القابلة للتحقيق.
مشروعان للاستقلال والالتحاق
وقد أشار أ. حسام تمام الباحث في شئون الحركة الإسلامية المصرية إلى مقارنة بين طرحين، أولهما طرح حركة الرأي الوطني بزعامة أربكان وحركة العدالة التنمية. وهو يرى أن جوهر أي مشروع إسلامي يتمثل في شقين، أولهما الشق الاقتصادي وثانيهما الشق السياسي. ووفق هذين المحكين يعتبر أ. حسام تمام أن مشروع نجم الدين أربكان كان يخطط لبناء مشروع يقوم في سياسته على الاستقلال الحضاري والتوجه شرقا بمرجعية إسلامية، بالإضافة لخبرته في النموذج الاقتصادي العادل، ويرى أن خبرة العدالة والتنمية تسير على عكس هذا المشروع وتقدم مشروعا للالتحاق بالغرب متبنية في إطاره الرؤية الاقتصادية الليبرالية الجديدة من ناحية، ومن ناحية أخرى يحمل مشروعها السياسي اتجاه نحو الغرب.
المجتمع التركي هو المحرك الأساسي
أما الدكتور عمر كوركماظ المدير العام لمركز الدراسات الإنسانية بأنقرة، والمستشار السياسي للمهندس نجم الدين أربكان فيوجه الندوة باتجاه مزيد من فهم المجتمع التركي مشيرا إلى أن الساحة التركية شهدت حل أحزاب إسلامية وإغلاق بعضها ومصادرة أموالها ومنع بعض سياسييها من مزاولة النشاط السياسي وسجن البعض الآخر، لكن ما إن يعاد فتح الباب حتى تجد الظاهرة تعود بحيويتها. ويخشى الدكتور عمر من أن يقود الاهتمام بالسياسة والحزبية الإسلامية إلى التعامل مع قمة جبل الثلج في الحالة الإسلامية التركية؛ وهو ما يؤدي لفقدان مفاتيح فهم الحالة الإسلامية التركية التي قامت على حيوية المجتمع وقوته وثقافته. ويضرب د. عمر المثال برجل أعمال ثري ومثقف ومشهور، لكنه عندما دخل الانتخابات لم يحصل على صوت واحد، ويرى د. عمر أن هذا يعكس خاصية هامة من خواص هذا المجتمع الذي لا يمارس السياسة اعتباطا. ويرى د. عمر أن حيوية هذا المجتمع قامت على مستويات عديدة وقوية، وكانت أولى درجاته في الثقافة 500 مدرسة إسلامية الآن، وأكثر من 3000 مجلس تحفيظ للقرآن الكريم، وعدد كبير جدا ممن يتطوعون لتحفيظ القرآن في البيوت والجلسات الخاصة، ويتطور المستوى قليلا لنصل إلى عدد كبير من منظمات المجتمع المدني الحقوقية والخيرية والنوادي والمنظمات النسائية، وهذه المؤسسات الكبيرة تتعدد أسماؤها وتتوزع جغرافيا، وإن كانت غير مرتبطة تنظيميا بالحالة الإسلامية. وبعد هذا يأتي دور المنظمات الاقتصادية، سواء منها ما كان مرتبطا بالحركة الإسلامية التركية أو من خلال رجال الأعمال الذين يتفاوضون لدعم الأحزاب التي على وشك الفوز وبإمكانها أن تضيف رصيدا لحقوق وحريات رأس المال في المجتمع التركي.
|