English

 

الاثنين. أغسطس. 23, 2004

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » بنجلاديش

 
أهم الأخبار  

بنجلاديش.. سياسة دامية رغم الديمقراطية

عبد الحافظ الصاوي

معارضون يشعلون النار في شوارع دكا - مشهد مألوف في العاصمة
معارضون يشعلون النار في شوارع دكا - مشهد مألوف في العاصمة
بنجلاديش.. حالة من الأداء السياسي والاجتماعي والاقتصادي المثير للدهشة، خاصة عند الحديث عن تقويم العائد للعملية الديمقراطية التي تعيشها البلاد منذ مطلع التسعينيات، وتداول السلطة عبر انتخابات توصف من جهات محايدة بأنها ديمقراطية.

فعلى الصعيد السياسي ما زالت لغة العنف هي أداة الحوار بين القوى السياسية، وعلى الصعيد الاجتماعي تعاني البلاد من تفشى الفساد؛ إذ تحتل بنجلاديش المرتبة الأولى بين بلدان العالم من ارتفاع معدلات الفساد، وذلك حسب تقويم منظمة الشفافية الدولية لعدة سنوات، وأيضا انتشار ظاهرة الغش في المراحل التعليمية المختلفة خاصة المرحلة الثانوية.

وعلى الصعيد الاقتصادي فما زالت البلاد تصنف ضمن البلدان الأشد فقرا، كما أن الكوارث الطبيعية تلم بها بشكل شبه منتظم سنويا من وجود أعاصير وفيضانات، تكون سببا في تشريد الملايين من سكانها البالغ عددهم نحو 130 مليون نسمة. تسارع المنظمة الدولية والحكومات في تقديم الدعم لها للتخفيف من حدة الخسائر الناجمة عن ذلك.

المفترض أن العملية الديمقراطية تأتي بثمار إيجابية على مختلف الجوانب الحياتية في بنجلاديش؛ فإزاحة آخر حكومات العسكر في بنجلاديش عام 1991 بقيادة الجنرال حسين إرشاد جاءت بتحالف قوى المعارضة ومباركة رجل الشارع. ولم تفرض من الخارج؛ لذلك كان من الواجب أن تهذب الأداء السياسي بشكل رئيسي، فتنتفي ظاهرة العنف والقتل والتفجيرات. ولكن الملاحظ أن شيئا من هذا لم يختفِ بل هو أسلوب اعتمدته -على ما يبدو- القوى السياسية هناك. فقد حملت لنا وسائل الإعلام النتائج النهاية لتفجيرات تعرض لها اجتماع حزب رابطة الشعب المعارض بقيادة الشيخة حسينة واجد يوم السبت الموافق 21-8-2004 بنحو 20 قتيلا و200 جريح.

وأتى رد فعل أنصار الحزب بإشعال النيران في المباني والسيارات المجاورة لمكان انعقاد المؤتمر. ولم يتوقف الحدث عن هذا فقط؛ فقد نشرت وسائل الإعلام أن أنصار حزب رابطة الشعب ردوا على هذا التفجير بإشعال النيران في أحد القطارات، وأن المحصلة الأولية تشير إلى وقوع نحو 20 قتيلا، وعزم الحزب على عقد إضراب عام لمدة يومين احتجاجا على الحدث، وذلك على الرغم من إدانة الحكومة لحادث التفجير، ووصف رئيسة الوزراء الباجوم خالدة ضياء للحدث "بالعمل الجبان". في الوقت الذي طالبت فيه زعيمة المعارضة الشيخة حسينة واجد الحكومة بالاستقالة لعجزها عن تأمين الاجتماع، بل واتهام الحكومة بأنها مدبرة الحادث لاغتيال الشيخة حسينة واجد.

حاضر العنف.. امتداد للماضي

حادث التفجيرات وتداعياته ليس الحادث الوحيد الذي عرفته الساحة السياسية في بنجلاديش. فعلى الصعيد القريب شهدت بنجلاديش عدة تفجيرات؛ منها استهداف السفير البريطاني في مايو الماضي -الذي ترجع جذوره إلى أصول بنجالية- وذلك أثناء خروجه من أحد المساجد وزيارة أحد الأضرحة الموجودة به. كما وقع انفجار بالقرب من أحد الفنادق ونتج عنه إصابة نحو 18 شخصا. وأعلن أن الهدف كان استهداف محافظ مدينة سلهت الذي ينتمي إلى حزب رابطة الشعب. وفي عام 2001 تعرض مكتب حزب رابطة الشعب لتفجير مماثل لتفجير السبت نتج عنه وقوع 21 قتيلا وجرح العشرات. ولكن الاختلاف بين تفجير يونيو 2001 وأغسطس 2004 اللذين أصابا حزب رابطة الشعب أن الأول وقع إبان وجود الحزب في السلطة وإدارة البلاد، بينما الثاني وقع أثناء وجود الحزب في صفوف المعارضة.

أما على المدى البعيد فقد عرفت بنجلاديش دوامة العنف السياسي منذ الإعلان عن قيام دولتهم بالانفصال عن الباكستان في عام 1971 بقيادة الشيخ محمد نجيب الرحمن مؤسس الدولة؛ حيث لم يتم الانفصال عبر القنوات الدبلوماسية والمفاوضات، بينما تم عبر القتال الذي دعمت فيه الهند حركة الانفصال بشكل أساسي وكبير، ووقع العديد من القتلى قدروا بالآلاف، وحتى بعد نجاح حركة الانفصال أتى الدور على معارضي الانفصال من أبناء البلاد الذين ينتمون إلى القومية البنجالية؛ فتعرض بعضهم للقتل أو الإجبار على مغادرة البلاد إلى الباكستان أو التجريد من الممتلكات.

ولما كانت دوامة العنف والتخلص من الخصوم السياسيين اعتُمدت كآلية للتعامل؛ فقد راح ضحيتها مؤسس الدولة وجميع أفراد أسرته الشيخ محمد نجيب الرحمن، إثر عملية اغتيال داخل منزله في عام 1976، ونجا من هذه المذبحة ابنتاه اللتان كانتا خارج البلاد في ذلك الحين بغرض الدراسة، إحداهما الشيخة حسينة واجد التي تتزعم المعارضة الآن، والتي تعرضت لبعض الإصابات في التفجير الأخير. ثم أعقب ذلك اغتيال رئيس الدولة الجنرال ضياء الرحمن -زوج رئيسة الوزراء الحالية الباجوم خالدة ضياء- في عام 1981. ولكن عمليتي الاغتيال اللتين طالتا مؤسس الدولة ورئيسها ضياء الرحمن كان يقف خلفهما جنرالات الجيش. وهو ما ظهر بعد ذلك. فحوكم رئيس البلاد السابق الجنرال حسين إرشاد بتهمة اغتيال الجنرال ضياء الرحمن وسجن 17 سنة، مضى جزء كبير منها وخرج بعد صفقة سياسية بين حزبه وحزب رابطة الشعب في انتخابات برلمانية أجريت في عام 1996 أتت بحزب رابطة الشعب إلى السلطة.

من الفاعل؟

ما أشرنا إليه لم يكن إلا أبرز عمليات العنف بينما العنف كسلوك سياسي يعرفه الشارع البنجلاديشي بشكل مؤسف خاصة في الأوساط الطلابية. فكل حزب لديه تنظيمات طلابية مدربة على العنف ولديها بعض الأسلحة الخفيفة والمتفجرات اليدوية التي تستخدمها بين الحين والآخر. وأبرز هذه التنظيمات "الساترو ليك "وهو تنظيم طلابي يتبع حزب رابطة الشعب، و"الساترو دول" وهو تنظيم يتبع الحزب القومي البنجالي الحاكم حاليا، و"الساترو شابير" وهو تنظيم طلابي يتبع حزب الجماعة الإسلامية.

وممارسات العنف لهذه التنظيمات تظهر بوضوح داخل أروقة الجامعات خاصة في الانتخابات الطلابية؛ حيث يتعرض البعض للقتل أو لحدوث عاهات مستديمة؛ فمهما كانت النتائج للانتخابات الطلابية فهي لا ترضي الخاسر فيها. كما أن هناك بعض المناسبات القومية أو الحزبية تثير أحداث العنف مثل يوم اللغة القومية الذي راح ضحيته بعض الرموز السياسية البنجالية قبل الانفصال عن الباكستان عندما طالبوا بأن تكون اللغة الرسمية داخل باكستان الشرقية -بنجلاديش حاليا- هي اللغة البنجالية، ويحتفل به سنويا، ويسمى هذا اليوم بيوم اللغة القومية، ويتعرض فيه معارضو الانفصال وأنصار الجماعة الإسلامية للملاحقة والاضطهاد. وأيضا اليوم الوطني للبلاد وذكرى اغتيال مؤسس البلاد الشيخ محمد نجيب الرحمن. وغالبا ما ينتهي التحقيق في شأن هذه الحوادث دون الوصول إلى القبض على الفاعل ومحاكمته من قبل الدولة، بل تظل النتائج مفتوحة مما يبرر لهذه التنظيمات والخصوم السياسيين الحق في توجيه الاتهامات، وتوقيع الجزاء خارج نطاق الدولة والقانون.

بالإضافة إلى ما ذكرناه من الخلفية التاريخية للعنف والممارسات الخاطئة يوجد عامل هام وحيوي، وهو ضعف الجهاز الأمني للبلاد القادر على حماية الأمن بصفة عامة وحماية الفاعليات السياسية بصفة خاصة مثل المؤتمرات الحزبية ومقار الأحزاب، والقيادات الحزبية؛ إذ يرجع هذا الشأن إلى الأحزاب نفسها، وهى بطبيعة الحال لا تملك المقدرة على تحقيق الأمن والقيام بواجبات الدولة. وضعف الجهاز الأمني للبلاد يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف الإمكانيات المادية؛ فدولة مثل بنجلاديش يصعب عليها الإنفاق على رواتب رجال الأمن بالعدد الكافي، وتوفير الأجهزة والمعدات اللازمة للقيام بهذه العملية.

من الصعوبة بمكان أن نرجع سبب هذه الأحداث إلى وجود دعم خارجي تقف وراءه بعض التنظيمات أو الدول؛ فحتى عندما طالت التفجيرات بعض دور السينما وإحدى الكنائس رجحت قوات الأمن دون حسم أن يكون الفاعل هو الجماعات المتشددة داخل البلاد.

قد تكون هناك بعض الاحتمالات التي لا ترقى إلى مستوى اليقين أن تأتي هذه الأحداث في إطار التصفيات الحزبية التي لها من التاريخ ما يرجح هذا الدور، وهذه الحلبة تضم فريقين منافسين لحزب رابطة الشعب هما: الحزب القومي البنجالي الحاكم والجماعة الإسلامية. أو تأتي في إطار المتشددين الإسلاميين الذين ينكرون على حزب رابطة الشعب مرجعيته العلمانية وتحالفه مع الهند بشكل كبير.

أو قد يكون ذلك بتدبير بعض أعضاء حزب رابطة الشعب أنفسهم بهدف استعطاف أفراد الشعب؛ حيث إن الانتخابات العامة على الأبواب، وإن كان هذا التوقع فيه شيء من التجني، ولكن باب التوقعات يظل مفتوحا على مصراعيه في ظل غياب قانون رادع وقادر على حسم الأمور ووضعها في نصابها.

في الختام نستطيع القول: إن نجاح بنجلاديش في إجراء انتخابات توصف بأنها حرة ونزيهة من قبل المراقبين الدوليين لم يستطع أن يخرج البلاد من دوامة العنف ولا مستنقع الفساد ولا دوامة الفقر. وهى النتيجة التي تجعلنا نطرح مجموعة من التساؤلات:

1- هل عمر التجربة قصير -14 سنة تقريبا- بحيث لم تنضج بعد؟

2- هل الديمقراطية لا تصلح لبلدان العالم الثالث؟

3- هل هناك مستفيدون من بقاء تجربة بنجلاديش على ما هي عليه حتى لا تؤتي ثمارها؟

وبعد هذه التساؤلات لا بد أن يكون لدى القوى السياسية الرئيسة في بنجلاديش الشجاعة في أخذ قرارات حاسمة بشأن تنظيماتها الطلابية المسلحة؛ فيتم تفكيكها وعدم التفكير في أن تمتلك أي قوى سياسية أسلحة من شأنها أن تشجع على تبني ثقافة العنف. وأن ترضى بالتجربة الديمقراطية سواء كانت نتائجها لصالحها أم ضدها. والكف عن توجيه الاتهامات للخصوم السياسيين بأنهم وراء هزيمتهم الانتخابية أو تدبير أحداث العنف. وقبل هذا وبعده فإن وجود الديمقراطية وحدها غير كاف في ظل دولة ضعيفة تعجز عن تحقيق الأمن الداخلي.      

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات