English

 

الأربعاء. مارس. 27, 2002

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » شئون عربية

 
أهم الأخبار  

قمة المبادرة السعودية.. مرحلة التصدع

محمد جمال عرفة

ثلاثة أسباب وراء غياب مبارك عن القمة
ثلاثة أسباب وراء غياب مبارك عن القمة
القاهرة - لم يسبق أن تأخر أي رئيس مصري عن حضور القمم العربية السابقة باستثناء قمة بغداد الشهيرة أواخر السبعينيات التي شهدت مقاطعة عربية لمصر؛ لإبرامها معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل في عهد الرئيس السابق السادات، وإذا كانت القمم السابقة التي تغيب عنها رئيس مصر قد سعت دول عربية أخرى كبرى مثل العراق وسوريا لقيادتها، فإن حالة الضعف والمشاكل الداخلية التي تواجه غالبية الدول العربية المنافسة للزعامة المصرية حاليا سوف تنعكس بوضوح على القمة العربية الحالية في بيروت.

وليس الغياب المصري هو فقط السبب في ضعف قرارات هذه القمة وهوانها، ولكنها الحالة العربية عموما؛ فهذه القمة هي الأولى التي تُعقد بنصف عدد الرؤساء تقريبا (12 من 22 غائبون)، وحتى الدولة المضيفة للمؤتمر (لبنان) انفجرت بها أزمة داخلية شبة طائفية بسبب استبعاد الرئيس "لحود" كلا من رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب من مشاوراته مع رؤساء الدول، خصوصا في ظل التوزيع الطائفي للمناصب والاختصاصات.

وهناك الضغوط الأمريكية التي بدأت قبل عقد القمة بشهرين، ووصلت إلى حد عقد لقاءات مع رؤساء ومسئولين عرب لمعرفة ماذا سيبحثون في قمتهم، وطلب المشاركة فيها، بل وإملاء جدول الأعمال (المتحدث باسم الخارجية الأمريكية طلب من القادة التركيز على المبادرة السعودية فقط!!).

والأخطر أن المبادرة السعودية نفسها أصبحت محل خلافات واضحة بين الدول العربية، ليس فقط لأنها تزيد رصيد بوصة المبادرات العربية الباحثة عن السلام دون مقابل على الطرف الصهيوني، ولكن لأن بنودها هي نفسها كانت غامضة، وتم طبخها على عَجل في ظل التسخين الأمريكي، وحتى وإن تمت المصادقة على المبادرة السعودية، فلن يكون لها أية مفعول، على ضوء غياب الكثير من الزعماء العرب.

فلا شك أن قرار إلغاء مشاركة كل من مبارك وعرفات وكذلك الملك عبد الله ملك الأردن في القمة سيلقي بظلال سلبية على المؤتمر التاريخي الذي من المفترض أن يبتّ بشأن تبني المبادرة السعودية لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط في ظل غيبة أهم الدول المعنية بالقضية.

كذلك قد يؤثر الحضور الضعيف للقادة العرب على صدور قرارات ذات شأن فيما يتعلق بالمصالحة العراقية – الكويتية على الرغم من حالة الانسجام غير العادية بين وفدي البلدين لأول مرة منذ عشر سنوات التي لم يحسن الوسطاء استغلالها لإنهاء واحدة من عوامل الفُرقة العربية.

الحكومات تعارض أمانة الجامعة!

أما أغرب الغرائب والعجائب، فهو ما تكشّف من جفاء ومعارضة الحكومات العربية لمساعي الأمين العام الجديد "عمرو موسى" لتجديد شباب هياكل الجامعة عبر إعادة هيكلة الأمانة العامة، وإجراء بعض التعديلات الأساسية على بعض لجان الجامعة لتنشيطها مثل رفع مستوى المشاركة العربية في المجلس الاقتصادي للجامعة ليكون على مستوى رؤساء الوزارات وليس وزراء الخارجية؛ وهو ما أغضب حكومات كثيرة، وأثار اعتراضات واضحة من بعض وزراء الخارجية في لقاءاتهم الأخيرة.

والتهمة التي أسمعها بعضهم للأمين العام بوضوح في ظل هذه الأجواء العربية المضطربة هي أنه يحدث تغييرات بدون موافقة أحد، وأنه لا يمكن إقرار ما يفعله سوى بتغيير الميثاق الخاص بالجامعة نفسه، كما أنه يقوم بالتغيير مرة واحدة دون تدرج، ويقيم هياكل إدارية تتكلف مصاريف باهظة! وفي ظل هذه الأجواء غير الودية مطلوب من الأمين العام إقناع الحكومات بورقة عمل وسط بين الورقتين الكويتية والعراقية لإنجاز المصالحة التاريخية، ومطلوب منه دور في مسائل خطيرة كالمبادرة السعودية ومساندة القضية الفلسطينية وغيرها.

ما بعد القمة مزيد من عدم التنسيق

وخطورة كل هذه التطورات على الساحة العربية أنها تهدد ليس فقط بتعزيز السيطرة الأمريكية على القرارات العربية، وإعطاء شارون فرصة للانتصار أمام الفلسطينيين الذين لن تفعل لهم القمة شيئًا سوى زيادة المساعدات والمعونات لتسمينهم قبل أن يقتلهم شارون، فضلا عن زيادة الخلافات العربية، وتجميد مشاريع الوحدة العربية، وانعدام التنسيق العربي في العديد من القضايا الخطيرة ليصبح الفلسطينيون في النهاية نهب المبادرات الفردية والضغط الأمريكي – الصهيوني وتحت رحمة تينيت وميتشيل!!

لغز غياب مبارك ونصف القادة

وتظل مسألة غياب الرئيس مبارك عن القمة لغزا رغم التمهيد لذلك بعدة أخبار في الصحف المصرية المعارضة والقنوات الفضائية، خصوصا أن الرئيس حسني مبارك هو زعيم أكبر دولة عربية في قمة بيروت، وأن القاهرة الرسمية شنت حملة على قناة "الجزيرة"؛ لأنها أكدت عدم حضوره وشددت على حضوره، ثم عادت لتعلن عدم حضوره (!).

كما يضاف لهذا اللغز إعلان الأردن عدم مشاركة الملك عبد الله؛ مما يعزز التكهنات المتضاربة التي أثيرت تفسيرا للغياب، والتي يدور بعضها حول الخلافات العربية بشأن المبادرة السعودية وعدم الحضور احتجاجا على الضغط الأمريكي باتجاه إقرارها، أو الاحتجاج على عدم السماح لعرافات بالحضور والتضامن معه.

فعلى الرغم من تأكيد كل من رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحرير والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى حضور الرئيس مبارك للقمة، لوحظ أن وزير الخارجية المصري أحمد ماهر قال في تصريحات للصحفيين، نقلها التليفزيون المصري مساء السبت الماضي: إن مصر ستشارك في القمة، ولكنه فيما يتعلق بمسألة تأكيد حضور الرئيس مبارك ألمح إلى أنه لا يملك حق الرد على هذا وليست من اختصاصه؛ لأن هذا يعود لرئاسة الجمهورية المصرية، وبالتالي فعلى الصحفيين ألا ينتظروا منه إجابة بشأن الحديث عن تحركات الرئيس مبارك! وهو ما أثار المزيد من البلبلة، خصوصا أن وزير الإعلام المصري صفوت الشريف قال بدوره -ردا على الأنباء الأولى الخاصة بعدم مشاركة مبارك–: "إنه لم يصدر من القاهرة أي بيان رسمي بشأن قرار الرئيس مبارك حضور قمة بيروت من عدمه"!.

والأغرب أنه في الوقت الذي شنّ فيه رؤساء تحرير صحف مصرية حملة على قناة "الجزيرة"، واتهموها بأنها تستقي أخبارها من عند (باعة البطاطا)؛ لأنها نقلت عن مصدر مسئول أن مبارك لن يشارك، كان التلفزيون المصرية يعلن خبر عدم مشاركة مبارك!!

ووفقا لما تم التصريح به أو أثير في العاصمة المصرية القاهرة يمكن الحديث عن ثلاثة أسباب أو تفسيرات للبلبلة التي أثيرت حول حضور أو عدم حضور الرئيس المصري للقمة على النحو التالي:

أولا: (السبب الأمني):

لوحظ أن حديث وزير الخارجية المصري حول تحركات الرئيس المصري (قبل إعلان عدم مشاركة مبارك) قد عكس بُعدا أمنيا؛ حيث أحال الوزير الصحفيين لرئاسة الجمهورية المصرية لمعرفة مسألة حضور مبارك القمة، كما أن هناك حذرًا مصريًّا فيما يتعلق بتحركات الرئيس المصري، خصوصا بعد المحاولة السابقة لاغتيال مبارك في أديس أبابا عام 1995، وبعد أحداث 11 سبتمبر، وتحديدا فيما يتعلق بزيارات الرئيس للدول غير المستقرة أمنيا ومنها لبنان بالطبع.

وقد أكد "مكرم محمد أحمد" رئيس تحرير مجلة "المصور" الحكومية، المقرب من الرئيس مبارك (قبل إعلان إلغاء الزيارة) في مقاله الذي يُنشر في عدد الجمعة المقبل 29 مارس: "أن هناك بالفعل تقارير أمنية تنصح (مبارك) بعدم حضور قمة بيروت لأسباب محض أمنية"، وهو ما يعزز الحديث عن السبب الأمني.

وربما يكون لهذا أيضا علاقة بما أعلنه (سامي شرف) وزير شئون الرئاسة الأسبق خلال حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من أن حياة عرفات مهددة في القمة وأنه معرض للاغتيال؛ حيث نقلت صحيفة "العربي" الناصرية المصرية يوم الأحد الماضي عن شرف قوله لعرفات في اتصال هاتفي: إن حياته معرضه للخطر في بيروت، وإنه لديه معلومات مؤكدة في هذا الصدد(!)، وإن عرفات أبلغه أنه سيأخذ هذه التحذيرات في الحسبان.

كما قد يكون لهذه المخاوف الأمنية علاقة أيضا بالتهديدات التي وجهت إلى الرئيس الليبي القذافي من جانب جماعات شيعية لبنانية بسبب مسئوليته عن اختفاء الإمام "موسى الصدر"؛ وهو ما حدا به لإعلان عدم حضوره أيضا رغم ربطه ذلك بالخلاف حول مبادرته.

ومعروف أن مسألة استهداف الجماعات الإسلامية المصرية للرئيس المصري أصبحت غير واردة بعدما أعلن قادتهم المراجعات الشهيرة الأخيرة، وأصدروها في أربعة كتب توزع في المكتبات المصرية، وتشير بوضوح لخطأ منهج اتباع العنف ضد الحكومة المصرية، بيد أن وجود مصريين ضمن أتباع "بن لادن" والقاعدة أمر لا يمكن إغفاله، خصوصا "أيمن الظواهري" الذي يقود الجناح العسكري لتنظيم الجهاد المصري.

ثانيا: (الضغط على واشنطن):

فليس سرا أن هناك حالة من التوتر في العلاقات المصرية – الأمريكية على خلفية العدوان الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وتحيز واشنطن لشارون إلى حد اشتراط تنفيذه للمطالب الأمنية الإسرائيلية كشرط للسماح بحضوره القمة؛ وهو ما قد يحول القمة في حالة عدم حضوره للتشدد ضد إسرائيل، والتلويح بعدم مشاركة مبارك في القمة كان موجها –كما يقول محللون- لواشنطن كنوع من الضغط خصوصا بعد مسرحية شارون الخاصة بإعلان رغبته في المشاركة بالقمة بدل عرفات، وحديثه عن احتمال عدم السماح له بالعودة !!.

وقد نقلت صحيفة "السفير" اللبنانية عن وزير الخارجية المصري "أحمد ماهر" ما يفيد هذا المعنى؛ حيث قال في تبريره لغياب مبارك (رغم أنه قال من قبل: إنه لأسباب داخلية وارتباطات مُلحة للرئيس في مصر): "إن بعض الغياب قد يكون سببا لمزيد من القوة أكثر من الحضور، وغياب الرئيس حسني مبارك مثل غياب الرئيس ياسر عرفات الذي سيعزز مكانة هذه القمة ودورها، وقد يجعلها من أنجح القمم؛ لأنها ستكون مدعوة إلى الرد على أسباب هذا الغياب، وهي معروفة…" دون أن يقول ما هي الأسباب.

ومضى الوزير المصري بالقول: "غياب الرئيس مبارك يمكن استثماره في تزخيم ما يصدر عن القمة سواء عبر بيانها الختامي أو عبر التأييد الكامل لمبادرة الأمير عبد الله بن عبد العزيز".

وفي هذا الصدد تقول مصادر مصرية: إن مبارك ربما حصل على تطمينات أمريكية بضمان مشاركة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في القمة، وعودته إلى رام الله بالضفة الغربية دون أي شروط إسرائيلية بدليل التصريحات الأمريكية المتتالية عن إمكانية اللقاء بين عرفات وتشيني قبل القمة، والحديث عن قرب توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار، بيد أن الواقع أثبت عدم وفاء الأمريكان بوعدهم؛ حيث تم منع عرفات، بل وطالبه مبارك نفسه بالبقاء بعدما تسربت أنباء عن خطط إسرائيلية لمنعه من العودة، وتدمير بقية مقار السلطة، وإنهاء الحكم الذاتي.

وكان قد تردد –دون نفي رسمي مصري- أن السلطات المصرية قررت إلغاء إيفاد بعثة رسمية إلى إسرائيل، رداً على رفض إسرائيل الالتزام بالسماح لرئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات بالعودة إلى مناطق السلطة الفلسطينية، إذا ما سمح له بالسفر إلى القمة العربية في بيروت؛ حيث كان من المفروض أن تصل البعثة المصرية برئاسة مستشار الرئيس المصري "أسامة الباز" ورئيس المخابرات عمر سليمان إلى إسرائيل؛ للمساعدة في الجهود المبذولة لوقف النيران الإسرائيلية – الفلسطينية.

واعتبرت الأوساط السياسية المصرية أن هذا يأتي ضمن الضغط المصري على واشنطن وتل أبيب للسماح لعرفات بالخروج والعودة دون مضايقات.

ثالثا: خلافات القادة العرب وتضارب المبادرات:

كان من الواضح قبل عقد قمة بيروت أن هناك نوعًا من البلبلة حول طبيعة الموضوعات أو المبادرات المطروحة حولها، كما أن هناك عزوفًا من جانب الكثير من القادة العرب عن الحضور ( 8 قادة تأكدت عدم مشاركتهم في البداية، وارتفع العدد إلى 12)، وجاء طرح المبادرة السعودية ثم الليبية ليزيد الأجواء تلبدًا في سماء القمة، خصوصا أنه كان من الواضح أن القاهرة غير مرتاحة للمبادرة السعودية، وتخشى التعارض بينها وبين المبادرة الليبية، كما تسربت أنباء غير مؤكدة عن نظرة القاهرة إلى وقوف واشنطن وراء المبادرة السعودية على أنها محاولة لسحب البساط من تحت أقدام أكبر دولة عربية، وخلق حالة سيولة في الموقف العربي.

وقد نشرت معلومات في القاهرة تشير إلى وجود خلافات عربية وتضارب قد يؤدي لفشل القمة، حتى إن المحرر السياسي لصحيفة (الوفد) المصرية المعارضة اعتبر أن احتمال عدم مشاركة مبارك في القمة –وفقا لمصادر مصرية وعربية كما قال- هي "رسالة إلى أصحاب الجلالة والفخامة ملوك ورؤساء وأمراء الدول العربية بضرورة اتخاذ موقف عربي موحد في مواجهة المشاكل التي يتعرض لها الوطن العربي"، وهو ما يشير بوضوح لخلافات بين القادة العرب حول جدول الأعمال والقرارات، خصوصا حول قضيتي فلسطين والعراق.

مفترق طرق بين الحكام وشعوبها

ولأن ضعف القمة وقراراتها متوقع في ظل غياب أكثر من نصف الزعماء، يخشى مراقبون أن تنعكس حالة الضعف والهوان العربي على العلاقة بين الحكومات والشعوب العربية التي توالت إحباطاتها من جراء القمم المتتالية، وهجوم مبادرات السلام العربية في وقت تصعد فيه إسرائيل، وتعلن استعدادها لحرب.

ويزيد من هذا الإحباط أن الحكومات تمنع أي نوع من التضامن أو المظاهرات مع الفلسطينيين، وتتمسك بالتوسل أو إعطاء الأمريكيين 100% من أوراق اللعبة رغم الشكوك المؤكدة في موقف واشنطن المنحاز لإسرائيل، وتصدر المبادرات السلمية واحدة تلو الأخرى قبل أن ترفض إسرائيل ما قبلها!!.

وقد التفت بعض الكتاب المصريين لهذا المعنى الخطير، وسماه الكاتب المصري مكرم محمد أحمد "شكوك الشارع العربي!"، حتى إنه قال: "إن التحدي الحقيقي لقمة بيروت هو قدرتها علي مخاطبة شكوك الشارع العربي" الذي يعتبر هذه المبادرات العربية (مقابل استمرار حرب شارون على الفلسطينيين) محاولة للالتفاف على حركة المقاومة الفلسطينية، وهو ما يفسره آخرون على أنه إذعان للضغوط الأمريكية أيضا!!.

المشكلة ليست بالتالي ما سوف تبحثه القمة ولا قراراتها المعروفة سلفا، ولكنها ما بعد القمة وتزايد الخلافات العربية في وقت هم أحوج ما يكونون فيه للتضامن، واستغلال واشنطن لهذا الضعف والتفتت في الموقف العربي. والأخطر موقف الشارع العربي من هذا الانحدار وانفراط عقد الإجماع العربي، خاصة مع غياب وسائل التنفيس والتعبير الديمقراطي عن غالبية الدول العربية؟!


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات