|
لم تحظ زيارة الرئيس الإيراني محمد خاتمي إلى المملكة العربية السعودية التي اختتمها السبت 14-9-2002، وقام خلالها بأداء مناسك العمرة ولقاء الأمير عبد الله ولي العهد وكبار المسؤولين السعوديين، بما تستحقه من اهتمام من وسائل الإعلام العربية والأجنبية، بالرغم من أهميتها، لا سيما في ظل سخونة التفاعلات المحيطة بكل من الدولتين، وذلك رغم حرص كل منهما على إبراز الطابع غير الرسمي للزيارة.
الهواجس والمصالح
هناك دوافع واضحة لدى الساسة الإيرانيين للمبادرة إلى الدفع بخاتمي نحو زيارة جدة، والاجتماع بكبار المسؤولين السعوديين، وهذه الدوافع ليست بعيدة عن مثيلتها الخاصة بالسعودية. ومن المفارقات أن الدولتين اللتين وقفتا على طرفي نقيض إبان الحرب العراقية الإيرانية طوال عقد الثمانينيات هما اللتان يجمعهما الملف العراقي ذاته بعد عقد ونيف من انتهاء حرب الخليج الأولى.
فمصلحة إيران في عدم ضرب العراق تكاد تتطابق مع مصلحة السعودية، رغم وجود بعض التباين في المسببات والدوافع.
فإذا كانت الرياض تخشى تقسيم العراق واستبعاده من معادلة القوة والتوازن في المنطقة العربية، فإن طهران تخشى ذلك التقسيم أيضا، لكن لأسباب أخرى، فهي لا تخشى استبعاد القوة العراقية من المعادلة الإقليمية لأن هذا يصب في صالح الثقل الإقليمي الإيراني، بل إن تقسيم العراق سيعني مباشرة إقامة دولة شيعية في الجنوب تكون بمثابة رأس حربة للسياسة الإيرانية في كتف الجسد العربي، لكن في المقابل سيكون على طهران أن تقبل إقامة دولة كردية في شمال العراق، وهو ما يجعل شبح انتقال عدوى الاستقلال إلى الأقليات في إيران غير بعيد.
وفي الإطار ذاته، فإن مجرد التخلص من نظام الرئيس صدام حسين واستبدال سلطة مركزية أخرى بالنظام العراقي الحالي لا يقدم أية فوائد لإيران حتى وإن لم يؤد إلى تقسيم العراق، حيث لا ضمان لطبيعة النظام القادم، بينما يمثل النظام الحالي مصدر اطمئنان لإيران في ظل القيود العديدة المفروضة عليه إقليميَّا ودوليَّا.
كما أن مجرد طرح فكرة تقسيم العراق أو استبدال نظام حكم آخر بالنظام الحالي من شأنه أن يرسي مبدأ قابلاً للتكرار في المنطقة، وهو ما تدركه جيداً الرياض وطهران، وربما تصبح هذه النقطة مفصلية في الموقف السعودي، نظراً لتمتع طهران بنظام حكم أكثر ديمقراطية وأكثر تعبيراً عن الشعب واقتراباً من الحريات السياسية بالمعنى الليبرالي الغربي، وهو ما تفتقده الرياض، وإن كان نظام الحكم فيها من أكثر النظم الحاكمة في الخليج والعالم العربي استقراراً، لكن التدهور الحاصل في العلاقات مع الولايات المتحدة لا بد أن يثير قلق العائلة الحاكمة في الرياض من أية احتمالات لتدخل أمريكي بصورة أو بأخرى بعد الانتهاء من الملف العراقي.
العامل الأمريكي أيضاً يلعب دوراً في توازي المخاطر وتطابق المصالح بين إيران والسعودية، فقد شهدت السنوات السابقة تناغماً كبيراً بين السياسات الأمريكية والخليجية في قضايا وموضوعات عديدة، مقابل تنافر وتوتر بين واشنطن وطهران، خاصة في فترات كانت طهران تمثل فيها تهديداً مباشراً لأمن دول مجلس التعاون الخليجي، التي مثلت في المقابل علاقاتها مع واشنطن رادعاً لطموحات إيران الإقليمية.
غير أن سياسات واشنطن بدأت تتجه مؤخراً بعيداً عن المصالح الخليجية، مقابل تحسن كبير طرأ على العلاقات الإيرانية الخليجية على مختلف المستويات.
وبعد تفجيرات سبتمبر وانكشاف النظرة الأمريكية العدوانية للعرب والمسلمين، فإن ضلع التناغم في أضلاع مثلث (أمريكا - إيران - الخليج) لم يعد (الخليج - أمريكا) لتحييد أو تحجيم إيران، إذ انتقل هذا التناغم إلى ضلع (الخليج - إيران) للحد من جموح واندفاع رأس المثلث (أمريكا).
وفيما يتصل بالعامل الأمريكي أيضا، يشار إلى بدء الولايات المتحدة مؤخراً فتح ملفات داخلية سعودية تمثل حرجاً للعائلة الحاكمة، ليس فيما يخص حقوق الإنسان فقط، بل في اتهامات بفساد مالي وأخلاقي لأفراد من العائلة الحاكمة أيضا، توازياً مع اتهام السعودية بتصدير الإرهاب عبر نظام التعليم بها، وتمويل المؤسسات التعليمية الإسلامية في مناطق متعددة في العالم.
ومعلوم أن هذا الدور السعودي يمثل إضافة لعناصر قوتها ومكانتها المعنوية، ولذا فإن ما تفعله واشنطن هو بالفعل ضرب كل مقومات الدور السعودي خارجيًّا، وتقويض دعائم الحكم داخليًّا. والقادة السعوديون على وعي بذلك، وبالتالي فإن عدم التصدي للضغوط الأمريكية سيضع ساسة السعودية قريباً في مأزق يصعب عليهم الخروج منه.
فرص التحرك
لا يزال التقارب الإيراني العربي في طور التكوين، وبالتالي يصعب التنبؤ بفرص نجاحه، لكن بالإمكان استشراف تلك الفرص من خلال المؤشرات والإرهاصات المتاحة بالفعل.
وأول هذه المؤشرات أن بداية التقارب تأتي من الجانب الإيراني، وهي مسألة لها دلالتها في مصداقية طهران في رغبتها للتنسيق مع العرب لمواجهة واشنطن، فلو أن الخطوة الأولى كانت عربية لأصبح موقف طهران محل شك، أو على الأقل محل جدل كبير ما لم تثبته عمليًّا.
لكن الحاصل أن إيران هي التي بادرت إلى التحرك نحو الخليج والعرب في اتصال سياسي على أعلى مستوى، بما يعكس جدية تحركها من جهة، ورغبتها الملحة في استكشاف موقف القيادة السعودية على أعلى مستوى أيضاً.
وربما كان للزيارة التي قام بها ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى قبل أسبوعين دور في تمهيد الأجواء أمام طهران لإحداث اختراق، والارتقاء بمستوى التنسيق مع دول الخليج العربية. وهو ما يتسق أيضاً والبيان الصادر عن لقاء سبق تلك الزيارة وجمع وزيري خارجية السعودية وإيران، أعربا خلاله عن تطابق المواقف من القضايا والمستجدات في المنطقة.
كذلك فإن ما تناقلته الأنباء عما جرى في اجتماع مجلس الأمن القومي الإيراني عشية زيارة خاتمي لجدة يشير بوضوح إلى تحول بوصلة السياسة الخارجية الإيرانية تجاه الدول العربية، وأن ثمة اقتناعا لدى القادة في طهران بأن مواجهة المخاطر المحدقة بالمنطقة ككل تستلزم مزيداً من التقارب والتنسيق مع الدول العربية عموماً والخليجية خصوصاً، الأمر الذي انعكس بعدها مباشرة في زيارة خاتمي للمملكة.
ومن اللافت أن ما تسرب عن ذلك الاجتماع عالي المستوى تضمن مقترحات تتعلق بالتعاون الإقليمي بين إيران والدول العربية بما فيها غير الخليجية، وتضمن أيضاً ضرورة تحسين العلاقات مع الدول التي لا تزال علاقاتها بطهران متوترة مثل مصر، وهو إشارة أخرى إلى جدية إيران في رغبتها التنسيق مع الأطراف العربية لعلمها أن المشاركة المصرية في أية ترتيبات إقليمية تمثل شرطاً ضروريًّا لنجاحها.
قيود وعقبات
لكن هل يعني هذا تطابقاً كاملاً في المواقف والسياسات بين طهران والرياض؟
تصعب الإجابة عن هذا التساؤل بالإيجاب، حيث لا تزال بعض المشكلات عالقة بين الدولتين، كما لا تزال بعض المواقف والسياسات تسير في اتجاهات غير متوازية، إن لم تكن متعارضة، هذا بالطبع فضلاً عن هاجس التهديد الأمني الذي يؤرق دول الخليج، ويمثل أحد ثوابت الفكر الإستراتيجي الخليجي، خاصة ما يتعلق منه بإدراك دول الخليج لطموحات الجار الإيراني "اللدود".
- على المستوى الأول تمثل مسألة الوجود العسكري الأجنبي عموماً - والأمريكي تحديداً - إحدى كبريات المسائل الخلافية بين طهران والرياض، فإيران ترفض هذا الوجود مبدئيًّا، وطالما تبنت مبدأ "أمن الخليج مهمة دول الخليج"، وهو ذاته الطرح الذي تبنته في مواجهة إعلان دمشق الذي كان يفترض أن يفسح دوراً في الأمن الخليجي لكل من سوريا ومصر.
- وعلى المستوى الثاني يُعد الموقف من الصراع العربي الإسرائيلي أحد مجالات التباين بين الدولتين، فرغم التراجع الكبير في شدة اللهجة الإيرانية الرافضة للتسوية السلمية حلاً للصراع، فإن التصعيد المتواصل في هذا الصراع أعاد منطق رفض التسوية السلمية من حيث المبدأ إلى صدارة الخطاب الإيراني، هذا بينما شددت المملكة العربية السعودية من لهجتها الانتقادية لواشنطن وتل أبيب جراء التواطؤ بينهما لوأد الانتفاضة الفلسطينية وتفريغ الحلول المتاحة من مضمونها، بما في ذلك مبادرة الأمير عبد الله التي تحولت إلى مبادرة عربية، لكن يظل التمسك العربي والخليجي (بما فيه السعودي بالطبع) برفع شعار "السلام خيار إستراتيجي" موضع اختلاف واضح بين الجانبين.
ومؤخراً برزت قضية مكافحة "الإرهاب" لتضاف إلى القضايا التي تتباعد فيها المواقف والسياسات السعودية والخليجية عموماً عن تلك الإيرانية، فرغم أن طهران قدمت عوناً كبيرا للولايات المتحدة في حملتها "العالمية" لمكافحة ما تسميه واشنطن "الإرهاب" - خاصة في مرحلتها العسكرية الأولى ضد أفغانستان - فإن تأييد طهران لواشنطن ظل دائماً مشروطا بتحفظات مبدئية.
وفي المقابل فإن موقف الرياض كان، ولا يزال، أقل تحفظاً عن طهران، وباستثناء رفض ضرب العراق فلا تحفظات أو اعتراضات سعودية تقريباً على التحركات الأمريكية لمكافحة ما تسميه واشنطن "الإرهاب"، بما في ذلك إدراج بعض منظمات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي ضمن لائحة الإرهاب الأمريكية، فهذا التعسف من قبل واشنطن لم يقابل من السعودية بأي رد عملي تقريباً.
بل فيما هو أبعد من ذلك، تعرضت المملكة لضغوط سياسية وإعلامية شديدة من واشنطن لوقف تقديم مساعدات اقتصادية للفلسطينيين، خاصة أسر الشهداء والاستشهاديين، حيث تعتبر واشنطن ذلك مساهمة من السعودية في تعويضهم، وتشجيعاً لغيرهم على ممارسة "الإرهاب"!.
ومن غير المعلوم يقينا حدود الاستجابة السعودية لمطالب واشنطن بوقف "تمويل الإرهاب" بهذه الطريقة، لكن الملاحظ أن تلك الاتهامات الأمريكية للرياض قد تراجعت حدتها في الأسابيع الأخيرة، وهو ما لم يكن ليحدث إذا لم تلمس واشنطن تلبية لمطالبها.
- أما فيما يتعلق بإدراك السعودية وبقية دول الخليج للعلاقة مع إيران، فمن الصعب تماماً على المراقب أن يتفاءل سريعاً باختفاء النظرة الخليجية المتوجسة تجاه إيران لأسباب عديدة منها:
1- الإرث التاريخي: فالعلاقة بين العرب والإيرانيين لم تكن في يوم أفضل مما هي عليه الآن، لا في العهود التاريخية القديمة التي كان للفرس خلالها طموحاتهم الإقليمية التوسعية على حساب العرب، ولا في التاريخ الحديث والمعاصر سواء في العهد الشاهنشاهي أو في ظل الجمهورية الإسلامية التي كان تصدير الثورة الإسلامية إلى الدول العربية المهمة الأولى لسياستها الخارجية على مدى سنوات.
2- التباين المذهبي: لا يحول اختلاف الأديان أو المذاهب دون قيام علاقات جيدة بين الدول شعوباً وحكومات، ويفترض بالتبعية أن يكون الاختلاف المذهبي أقل تأثيراً في إبطاء عجلة تحسن العلاقات بين إيران وجاراتها العربيات، لكن الأمر الواقع يشير إلى غير ذلك، حيث توجد نسبة يعتد بها من الشيعة خاصة في البحرين والمنطقة الشرقية من السعودية، وبالتالي فمن الطبيعي أن يصبح الهاجس المذهبي حاضراً بقوة في العلاقات الإيرانية الخليجية حتى الآن، بالرغم من تخلي إيران الرسمية عن شعار تصدير الثورة منذ سنوات.
3- تفاوت القوة: شأن أي طرفين بينهما تفاوت في عناصر القوة، لا بد أن يخشى الضعيف القويَّ، وينظر له دائماً بارتياب وعدم ثقة، أو على أحسن تقدير بحذر، وفي الحالة الإيرانية السعودية، أو الإيرانية الخليجية عامة، فإن التفاوت في عناصر القوة واضح وكبير لصالح إيران، ويشمل مختلف هذه العناصر وليس القوة العسكرية وحسب، فهناك فجوة واسعة بين ضفتي الخليج في عدد السكان والموارد المتاحة، ومؤشرات الكفاءة البشرية بما في ذلك التعليم والصحة وغيرها.. فضلاً عن التفاوت في الجوانب الجيوسياسية الجيوإستراتيجية مثل المساحة والموقع الجغرافي وطبيعة المناخ والتكوين الطبوغرافي للأراضي. إضافة إلى الرصيد الحضاري والثقافي الذي يمثل رافداً مهماً لقوة الدولة بمعناها الشامل.
إذاً لا ينبغي توقع قيام تحالف إستراتيجي فجائي بين إيران والسعودية أو إيران ودول الخليج أو الدول العربية، فمقومات "إستراتيجية" هذا التحالف، أو بالأحرى ديمومته، صعبة التحقق. لكن ما يمكن التطلع إليه هو تحالف تكتيكي مؤقت يستهدف مصالح بذاتها ويدرأ أخطارا بعينها، مع ملاحظة أن السعودية هي أقل دول الخليج العربية تضرراً بالخلافات والعوامل المشار إليها قبل قليل، نظراً لكونها أكبر الدول الخليجية مساحة وسكاناً، ولتميزها في النواحي الجيوسياسية من حيث الموقع الجغرافي والثقل الإقليمي الذي تتمتع به، إضافة إلى الرصيد المعنوي لوجود المواقع الإسلامية المقدسة فيها.
لذلك فهي دائماً أقرب الدول إلى الاقتراب من إيران أو العكس، لكن هذه الخصوصية السعودية لا تفتح الباب أمام تحالف كامل ودائم غير قابل للتفكك، ويظل تأثيرها محصوراً في حدودٍ كمية وليست نوعية، أي ربما تكون مساحة التوافق بينها وبين إيران أكبر، أو لفترة زمنية أطول، وربما يغطي التوافق قضايا ومجالات أوسع، لكنه يظل في النهاية محكوما بالثوابت الحاكمة للعلاقات بين إيران ودول الخليج، فضلاً عن ارتهانه بالثابت الأكبر وهو ارتباط الخليج الوثيق بواشنطن.
سامح راشد باحث في الشؤون السياسية
|