English

 

الاثنين. يونيو. 2, 2003

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » إيران

 
أهم الأخبار  

إيران.. التقدم إقليميا على بساط التشيع

د. محمد السعيد عبد المؤمن

خاتمي وحمد
يدرك المتتبع للتحركات الإيرانية على الساحة الإقليمية والدولية منذ بداية الأزمة العراقية أن إيران تسعى لإقامة حزام أمني جديد لها، حيث تبينت أن موقف الحياد الفعال الذي اتبعته خلال الأزمة الأفغانية ثم بداية الأزمة العراقية قد استنفد أغراضه، وأصبحت في حاجة إلى موقف جديد أكثر فعالية تستثمر فيه عددا من الإيجابيات التي تحققت من خلال موقفها الأول، فضلا عن رصيد باتت تنميه خلال تلك الفترة لها عند بعض دول المنطقة العربية وخارجها، وحتى تختبر قدرتها على المبادأة، بعد أن تخلت عنها مؤقتا انتظارا لظروف أكثر مناسبة. وتشير الأحداث إلى نجاحها في ذلك، مما يقتضي التعرف على هذا الإنجاز.

وإذا كانت الرحلة الأخيرة للسيد محمد خاتمي -رئيس الجمهورية- إلى أربع دول عربية هي لبنان وسوريا واليمن والبحرين، وزيارة آية الله جنتي- رئيس مجلس الرقابة على القوانين وزعيم المحافظين- لمصر، وكذلك تحركات المسئولين الإيرانيين الأقل شأنا كل حسب أهمية المكان الذي يتوجه إليه، قد كشفت إلى حد ما عن التوجه الإيراني الجديد، فإنها تعتبر حلقة في سلسلة التحرك الإيراني لتحقيق الهدف؛ لأن نظرة سريعة إلى التقارير الإخبارية التي وردت عن هذه التحركات تبين أن الدول التي تم التوجه إليها تشترك في شيء يهم إيران أيديولوجيا، وهو وجود قاعدة جماهيرية شيعية مثل اليمن والبحرين، أو مراكز ضغط شيعية مثل حزب الله في لبنان، أو عناصر حكومية شيعية مؤثرة مثل العلويين في سوريا، أو توجه عاطفي تجاه آل بيت النبوة مثل مصر، فضلا عن حزب الوحدة الشيعي والجالية الشيعية الكبيرة في أفغانستان، فإذا أضفنا إلى ذلك عودة "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" الشيعي من إيران إلى العراق في نفس التوقيت، أمكننا أن ندرك أن السياسة الخارجية الإيرانية تعمل على إقامة حزام أمني شيعي حول إيران في مواجهة التهديدات المستمرة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية لها.

ويؤكد المحلل أمير يوسفي في مقاله بصحيفة "إيران" ذلك المعنى بقوله: "ربما يرى بعض الأطراف أن زيارة خاتمي للدول العربية الأربع هي من أجل دعم الإسلام الشيعي، وتقوية قراءة الأصول الشيعية، وتأكيد أن ساسة إيران يرسمون حزاما أمنيا مع الدول الشيعية أو التي بها أغلبية شيعية، وإحباط الحركة الصهيونية في المنطقة، وتقديم بديل قوي للإسلاميين السنة، ولكن المؤكد أن هذا جزء من أهداف الرحلة والمصالح الإيرانية، وأن الجزء المهم الآخر هو الدعوة للمنظمات والحكومات الشيعية بالتدبير والحكمة في المقاومة ومواجهة الضغوط الأجنبية، ولا شك أن هذه السياسة تفتح الباب للتوسط بين المقاومة العنيفة والاستسلام، وتعلن عن توجه إسلامي جديد يتمثل في إسلام العقل والمنطق، الذي يدرك التنوع في عين التضامن والكثرة في عين الوحدة والثبات في عين التعايش. (صحيفة "إيران"، 15/5/2003).

لا شك أن إيران تزرع لها جذورا في كل أرض تنبت فيها بذور التشيع، وهي تتعهدها على الدوام، وفي كل الظروف، وتحت أي مسمى، ولدى أي نوع من الحكومات، منتظرة يوم يأتي الحصاد. يقول آية الله هاشمي رفسنجاني في حديثه لمجلة "الطريق" (راهبرد): "إننا- باعتبارنا دولة شيعية- نساعد الشيعة في كل مكان، حتى لو كانوا حزبا أو أقلية برلمانية، لقد أصبح للشيعة مركزية الآن في إيران بعد قيام الثورة الإسلامية وإقرار نظام ولاية الفقيه في الحكم، وإن الشيعة قوة إسلامية كبيرة، وهم أكثر الفرق الإسلامية اعتدالا، لذلك فسوف تجد لها- في رأيي- مكانا بين المناضلين في المستقبل". (صحيفة "إطلاعات"، 16/4/2003م).

نظرية إيرانية للأمن

وتشير تقارير مباحثات المسئولين الإيرانيين مع دول الطوق الشيعي إلى نقاط أساسية، هي: وضع القوات الأجنبية -وخاصة الأمريكية- في المنطقة، دعم المنظمة الدولية لتقوم بدور محوري، إخلاء المنطقة العربية من السلاح النووي بما فيها إسرائيل، محاربة الإرهاب في المنطقة، إدانة الإرهاب الإسرائيلي، الاتحاد والتضامن بين الدول الإسلامية، انتخابات حرة نزيهة في العراق لاختيار حكومة وطنية، دعم العلاقات الثنائية علميا وثقافيا، عقد اتفاقات أمنية. كما عقدت إيران بعد زيارة خاتمي مؤتمرا أكدت فيه اهتمامها بهذه المسائل، تحت عنوان: "الوحدة الإسلامية في مواجهة التحديات"، شارك فيه 250 عالما من 30 دولة منها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وألمانيا وروسيا والنمسا فضلا عن البوسنة، إلى جانب عدد من الدول العربية، مثل سوريا ولبنان واليمن والسودان والسعودية وفلسطين والعراق والمغرب والجزائر وتونس. (صحيفة "همشهري"، 17/5/2003م).

وقد اعتمد النظام الإيراني في تقاربه مع الدول ذات التجمعات الشيعية أسلوب المبادأة، وهو أسلوب ضاغط لا ينتظر مبادرات، بل يقدمها، وردود أفعاله جاهزة ليس فيها مجال للتردد. يقول خاتمي في لقائه مع علماء الشيعة والسنة في البحرين: "إن إيران ليست في حرب مع أية دولة، وتؤمن أن تعاون دول المنطقة يحقق أمنها والمصالح المشتركة لشعوبها، ويضمن مستقبلها". (صحيفة "همشهري"، 18/5/2003م).

وهذا يعني أن إيران حريصة على هذا التقارب، وقد خططت له على المدى القريب والبعيد، ووضعت في خططها كل الاحتمالات معتمدة على خبرتها في علاقاتها مع هذه الدول، وعلى قدرتها على التحرك السريع الفعال، وإمكانات الفقه السياسي المساعدة، وهذا يعني أيضا عدم وجود احتمال للتراجع، كما يشير كذلك إلى أن هذا التقارب لن يكون على حساب مكاسب حققتها إيران في المنطقة العربية أو في غيرها، أو حتى داخل إيران، قبل الثورة أو بعد انتصارها، فنظرية الأمن الإيرانية مثلا تقوم على نفس فكرة المبادأة، باعتبار أن من حق إيران -بما لديها من مبررات تاريخية وجغرافية وبشرية وسياسية وعقائدية- أن تضع نظرية أمن تحقق مصالحها وطموحاتها، وتكون قابلة للتطبيق من خلال اتخاذ الأساليب المناسبة وفق المتغيرات الدولية، وتقدم هذه النظرية عددا من المعطيات القابلة للمناقشة، ولها إمكانية القبول من الأطراف الأخرى، أهمها:

1- إن الجانب العسكري في مفهوم الأمن -رغم كونه الجانب الغالب- لم يعد يلعب دورا أساسيا بعد الحرب العراقية - الإيرانية وحرب الخليج الثانية وما تلاها من أزمات؛ لأن دول المنطقة تستورد السلاح ولا تنتجه، والسلاح المستورد لا يحقق أمنا قوميا بل أمنا مستوردا.

2- إن الاتحاد والتضامن والتعاون بين دول المنطقة وحدها هو الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه أمن المنطقة، ويتحقق من خلال القضاء على الخلافات بين هذه الدول أو خفضها إلى أدنى مستوى، وخاصة في أربع مسائل، هي: الخلاف الحدودي، الخلاف المذهبي، الخلاف العرقي، الخلاف الأيديولوجي.

3- ضرورة توفر عدة عناصر للمشروع الأمني، أهمها الإدراك المشترك لمعنى الأمن بعيد المدى، عدم التعارض مع الأمن العالمي، التطرق إلى كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، قابلية التطور الطبيعي مع تقدم الأنظمة العالمية.

وتتدرج نظرية الأمن الإيرانية من هذه المعطيات إلى بعدين أساسيين: أحدهما بعد عقائدي، يتمثل في تغيير سلوكيات المنطقة في اتجاه قيم "آل البيت" للالتفاف حولها وتنفيذ وصاياها، ودمج العبادة بالسياسة، والآخر بُعد نضالي يتمثل في إيجاد قوة ذاتية من دول المنطقة بكل إمكاناتها البشرية والعسكرية والاقتصادية والأمنية تحول دون وجود قوى أجنبية. يقول آية الله هاشمي رفسنجاني مخطط السياسات العامة في إيران: "مبادئنا في السياسة الخارجية ليست على مستوى واحد، فلنا أولويات وأشياء مقدمة على أخرى، سواء تجاه دول أو شعوب معينة، وسواء تجاه أحداث أو ظروف معينة، ومن الصعب إيجاد اتفاق إجماعي حول المسائل الهامة في السياسة الخارجية تجاه أية دولة؛ لذلك عندما يحتدم الخلاف بين الأجهزة المختلفة يتدخل "مجمع تحديد مصلحة النظام" لحسم الأمور، فعلى سبيل المثال هناك اختلاف حول العلاقات مع الولايات المتحدة، وكذلك حول العلاقات مع مصر، فإن تحول هذا الخلاف إلى معضلة فإننا نتدخل، وإذا لم نجد حلا إلا الرجوع إلى الشعب فسنقترح عمل استفتاء شعبي، لكن بشرط موافقة مجلس الشورى الإسلامي وتأييد الزعيم. (صحيفة "إطلاعات"، 15/4/2003م).

التعامل مع الولايات المتحدة

وإذا كان الرئيس خاتمي مع نفيه لوجود محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ينفي أيضا نية الاتجاه لعمل استفتاء شعبي حول العلاقات معها، فهو يؤكد أسلوب التقية السياسية الذي يضع شروطا للعلاقات مع الأعداء من أهل الكتاب سواء في وقت السلم أو وقت الحرب، وهي تتيح في الوقت نفسه إعطاء مساحة للتفاوض من أجل المصلحة القومية أو المذهبية، يقول غلام رضا آصفي - المتحدث الرسمي باسم الخارجية-: "إن أسس السياسة الخارجية لإيران هي العزة والحكمة والمصلحة، وإن الموقف الرسمي في أية ظروف يخضع لهذه الأسس، ويقره الزعيم ويترجم في تحركات رئيس الجمهورية ووزير الخارجية، وليست مواقف الآخرين أيا كانت مواقعهم داخل النظام أساس العمل في السياسة الخارجية. (صحيفة "همشهري"، 5/5/2003م).

ويشرح علي شمخاني وزير الدفاع الإيراني الموقف الحالي للنظام بقوله: "إن إيران تتبع سياسة المواجهة الوقائية في مواجهة التهديد الأمريكي، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى اتهام إيران من ناحية والضغط على المحافل الدولية لإدانتها، كما تسعى لتوحيد صفوف معارضي الجمهورية الإسلامية من ناحية أخرى، فضلا عن الحرب الإعلامية والنفسية التي تشنها علينا، إلا أننا لا نعتقد أنها ستقوم بعمليات عسكرية ضدنا لأسباب كثيرة منها: دعم الجماهير للنظام، العوامل الجغرافية، القدرة الدفاعية، البنية الشعبية للقوات المسلحة. (صحيفة "كيهان"، 18/5/2003م).

تحصين الداخل بالوحدة

وفي إطار فكرة الحزام الأمني الشيعي يعمل قادة إيران في نفس الوقت على تقوية الجبهة الداخلية، وحصر الخلاف بين الأحزاب والجماعات السياسية إلى أضيق نطاق، من خلال تدخل علماء الدين لدى هذه الجماعات ودعوتهم لدعم النظام، يقول آية الله إمامي كاشاني في خطبة الجمعة: "كفوا عن الخلاف، ولا تضربوا وحدة البلاد، هل ولاية الفقيه غير استقامة حياة الناس وعمارة الدنيا والآخرة؟ فلماذا تهزون هذا الصرح؟" (صحيفة "همشهري"، 17/5/2003م)، ويقول آية الله جوادي آملي: "إن الدعوة للمباحثات مع أمريكا، أو إلى فصل الدين عن السياسة، أو إقرار وكالة الفقيه بدلا من ولاية الفقيه، أو الاستقالة الجماعية والخروج من الحكم والسياسة، كلها عوامل فتنة تضر النظام ولا تفيد أصحابها في الدنيا والآخرة، لماذا يرفض ولاية الفقيه من قبلها في عهد الإمام الخميني؟ اجعلوا خدمة الناس منهجا للعمل الدنيوي والأخروي" (صحيفة "إطلاعات"، 17/5/2003م).

وقد حاول الزعيم خامنئي أن يضع النقاط فوق الحروف عندما أعلن صراحة أنه لا مباحثات مباشرة مع أمريكا ولا عودة للعلاقات معها، محذرا من الترويج للاستسلام للولايات المتحدة وسياساتها، ومؤكدا أن التحدي الأمريكي النظري لإيران يهدف إلى خلق مجال لتحقيق أهدافها، ويشرح ذلك بقوله: "إن أمريكا تسعى منذ عشر سنوات إلى محاربة إيران نظريا وعقائديا وأخلاقيا بالتوازي مع المواجهة العملية، مستهدفة قطع العلاقة بين النظام والجماهير من خلال إيجاد التردد والشبهة في أذهان الناس حول الأصول الاعتقادية والقيم الأخلاقية والثورية؛ وهو ما يؤدي إلى إضعاف العلاقة بين الشعب والنظام، فضلا عن تهيئة الرأي العام العالمي لإجراءاتها العسكرية أو شبه العسكرية. إن تجربة العراق تعطي صورة لأسلوب الولايات المتحدة الذي يتلخص في نقطتين: الأولى تتمثل في فصل الشعب عن النظام، والثانية في إيجاد مجموعة تتأثر بالخوف وتقبل الاستسلام، وهي تعلم أن هذا الأسلوب لا يجدي مع إيران؛ لأن الناس مع استيائهم من بعض الأمور يثقون في مسئولي النظام، وأن الشباب المتحمس مستعد للدفاع عن النظام الإسلامي، لذلك فإن طريق العلاج الوحيد لمواجهة تطلعات أمريكا وأكاذيبها هو دعم البناء الداخلي للبلاد والنظام، فليس لأحد حق تسليم الوطن للعدو، ولأن تسليم الوطن ليس فرصة لا تهدر، إن الشعارات المطروحة مثل محاربة الفساد، طلب العدالة، الفكر الحر، النهج العلمي والإنتاج العلمي، الأسلوب الهادئ المتعقل، محاربة البطالة، دعم العملة الوطنية، تعميق دعم النظام، هي شعارات موضع ترحيب من القيادة، وتساعد على تقوية بنية النظام. (صحيفة "كيهان"، 13/5/2003م).

وفي إطار تلك الجهود قدم "حزب المؤتلفة الإسلامي" المحافظ مبادرة إلى "جبهة المشاركة الإصلاحية" للتفاهم والتنسيق بينهما من أجل حل المشكلات، وطالب مسئوليها بعدم الاستقالة، والكف عن التلميح في الأحاديث بتدخل الأجانب في الشئون الداخلية لإيران. (صحيفة "رسالت"، 18/5/2003م).

السؤال المطروح الآن هو: هل يتوقف الحزام الأمني الإيراني الجديد عند مواجهة التهديد الأمريكي والإسرائيلي لإيران أو تخفيف أثره في المنطقة؟ أم يمتد لنشاطات أخرى على حساب أهل السنة والدول العربية؟ على كل حال فإن من الضروري مراقبة التحركات الإيرانية في المنطقة، ومتابعة تصريحات المسئولين الإيرانيين من أجل معرفة حقائق الأوضاع، والتنسيق معهم عند اللزوم من أجل مصلحة المنطقة ودولها.


أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس- القاهرة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات