English

 

الاثنين. ديسمبر. 26, 2005

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » شؤون عالمية

 
أهم الأخبار  

أمريكا اللاتينية اليسارية.. صداع في رأس واشنطن *

غسان الخوري

الرئيس البوليفى يشن هجوما على سياسات الولايات المتحدة فى أميركا اللاتينية فى أول خطاب بعد تنصيبه
الرئيس البوليفى يشن هجوما على سياسات الولايات المتحدة فى أميركا اللاتينية فى أول خطاب بعد تنصيبه
ما زالت القارة الأميركية تسلك طريقها باتجاه اليسار. إنها تواصل عملية القضاء على الديكتاتوريات التي بدأت في الأوروغواي عام 1980 بلعبة ديمقراطية مثالية. آنذاك، خسر العسكر الاستفتاء الدستوري الذي كانوا يحاولون من خلاله تشريع النظام القائم منذ العام 1973. ومنذ ذلك التاريخ تغيرت الأمور بشكل جذري في تلك المنطقة من العالم التي تكمن أهميتها بثرواتها البشرية والطبيعية ونطقها بلغات أوروبية (الإسبانية والبرتغالية) ووجودها في القارة الأميركية الى جانب الولايات المتحدة.

موراليس ليس الأول أو الأخير

وعلى رغم أن الإدارة الأميركية دعمت أحياناً الأنظمة الديكتاتورية وأحياناً أخرى الانقلابيين الذين استعملتهم ونبذت بعضهم فيما بعد، إلا ان أرجنتين "فيديلا" وشيلي "بينوشيه" وحزب "PRI" الذي حكم المكسيك نحو 70 سنة وديكتاتوريات أخرى بالمعنى الحقيقي أو المجازي للتعبير في كولومبيا وفنزويلا والإكوادور وكوستاريكا سقطت أمام إرادة الشعب كما سقط الذين راهنوا في البرازيل قبل العام 1985 على استمرارية نظامهم. لكن الدستور الذي وضع عام 1988 وما زال قائماً حتى اليوم أقر نظاماً ديمقراطياً حديثاً.

اليوم جاء دور التغيير في بوليفيا التي رغم أن حكمها منذ نحو عشرين سنة لم يعد ديكتاتورياً، لكنها ما زالت تراوح مكانها بين ديمقراطية شعبها، غير المهيأ بأكثريته، وديكتاتورية السياسيين التقليديين المرتبطين بالعولمة والسياسة الأميركية أو الأوروبية والشركات الخاصة. فهذا البلد الصغير (نحو 9 ملايين نسمة) الذي يعتبر من أفقر دول العالم يملك ثاني أكبر احتياط للغاز الطبيعي في أميركا اللاتينية بعد فنزويلا. أي أنه غني تحت الأرض وفقير فوق الأرض، وعندما ترى ثرواته النور تختفي وتتبعثر بيد نحو 100 عائلة تمسك أكثر من نصف خيرات البلاد.

ظاهرة جديدة، بعد "لولا" البرازيل، جاء فوز الزعيم النقابي الهندي من السكان الأصليين إيفو موراليس برئاسة بوليفيا. نائب منذ ثماني سنوات، رغم محاولات الأميركيين طرده من البرلمان بتهمة دعم زراعة الكوكا، عرف الرئيس الجديد خلال طفولته مرارة السير حافي القدمين ورعاية حيوانات لاما مع والده في برد منطقته القارس لأسابيع لم يأكل خلالها سوى قشور البرتقال التي يرميها المارة. دخل المدرسة لكنه اضطر لمغادرتها في الخامسة عشرة من عمره. لعب كرة القدم فاشتهر بين مزارعي نبات الكوكا وعمل معهم ثم انخرط في العمل النقابي. حرك الشارع والسكان الأصليين (62 في المئة من المواطنين) فأسقط الحكومات التي كان يعتبرها بعيدة عن مصالح شعوبها ليصبح في الشهر المقبل رابع رئيس للبلاد بعد أول احتجاجات قام بها خلال خريف 2003.

استياء أمريكى وأوروبى

الأكيد أن الولايات المتحدة لم تكن مرتاحة إلى خيار البوليفيين مثل معظم دول الاتحاد الأوروبي التي لم تنظر إليه بعين الرضا بشكل كامل، بل قبلت بإرادة الشعب.

فما هي الأسباب التي تدفعهم إلى هذا الشعور؟ وهل أن مصيره سيكون مثل مصير زعماء "شعبويين" آخرين: السجن أو المنفى أو "من دون سلطة" رغم بقائهم على رأسها؟ فالأمثال كثيرة في تلك المنطقة من العالم من نورييغا مروراً بعبد الله أبو كرم وجميل معوض واليخاندرو توليدو وحتى لولا الذي يهزون عرشه قبل نهاية ولايته عام 2007 من خلال ملفات الفساد. ترى هل يحكم موراليس بمساعدة نائب الرئيس الماركسي المعتدل، أستاذ الرياضيات وعلم الاجتماع، والعقل المدبر لمسار التغيير في ظل ضغط العولمة.

أهم الأسباب تكمن في الإعجاب الذي عبر عنه الرئيس الجديد برؤساء لا يكنّ لهم الأميركيون الارتياح مثل الكوبي كاسترو والفنزويلي شافيز وبمعيار آخر البرازيلي لولا والأرجنتيني كيرشنر. ورغم مطالبة بوليفيا "الشيلي" بمخرج على المحيط الهادئ فإن تفاهم الرئيس لاغوس مع نظيره الجديد سيكون ضمن الإرث الذي سيخلفه لليسارية ميشال باشيلي التي ستفوز بلا شك برئاسة البلاد في الدورة الثانية منتصف الشهر المقبل. وربما سيحل الوفاق بين البلدين بدل الأزمة أو الحرب التي يتكهن بها البعض ويراهن عليها البعض الآخر.

ففقدان أميركا الشمالية وزنها السياسي ونفوذها الاقتصادي في القارة الأميركية برز واضحاً عندما نظم الرئيس بوش أخيرا قمة الدول الأميركية في الأرجنتين التي أفشلتها أجواء مشاكل دول "ميركوسور" ورفض اتفاقية "التجارة الحرة بين الدول الأميركية". إنها تتخوف الآن من إمكان تعايش موراليس مع الشركات العالمية، كما يفعل شافيز، من دون التخلي عن أفكاره "اليسارية الثورية". خصوصاً ان الأجواء السياسية (فوزه في الانتخابات بالأكثرية الساحقة) والاقتصادية (مخزون الغاز) والاجتماعية (الدعم الشعبي) تسهل مهمته التي ستكمنه من "إعادة صهر بوليفيا".

ومن بين هذه الأسباب أيضاً الرفض الغربي لزراعة نبات الكوكا الذي تعتبر بوليفيا ثالث منتج له في العالم. لكن موراليس يكرر ما يقوله المسنون والعلماء بأن خصائص هذه الورقة تختلف عن الكوكايين وأن فوائدها طبية وصحية وغذائية. إنها تكسر العطش والجوع وتقضي على التعب بسبب الضغط الجوي في بلد يرتفع نحو 3 آلاف متر عن سطح البحر وبالتالي ينتقص إلى الأوكسيجين، في حين يؤكد استعداده للتعاون في مكافحة المخدرات وتوقيع جميع الاتفاقات والتعهدات اللازمة.

فبعد فرز نتائج الانتخابات تبين أن أول هندي سيحكم البلاد حصل على أكثرية الأصوات حتى في مدن "البيض" الغنية، في حين يشكل الهنود الأصليين نحو 64 في المئة من السكان. ما يشير إلى رغبة في الانتقام من الجيران الشماليين والضجر والإحباط والتعب الذي يلف الناخبين الذين آثروا اختيار من يقوم بالإضرابات كي تتوقف. لكن إيفو موراليس استعجل تأكيد أنه سيكون صوتاً للمنبوذين والمحتقرين الذين لا صوت لهم: "لن يتكلموا بعد اليوم بصوت خفيف وكأنهم يطلبون المعذرة".

وعلى رغم أن من المعروف أن ما يقوله "المرشح" خلال الحملة الانتخابية لا يطبقه "الرئيس" حين يحكم، لكن أفكار تأميم الثروات الطبيعية ما زالت تقلق دول الغرب.

وقد باتت هذه الدول تخاف من أن يصبح اختيار الشعوب "غير المهيأة" رؤساء من خارج نادي" المحاورين والطائعين" تقليداً وقاعدة في منطقة نفوذ الولايات المتحدة واليابان وأوروبا. هذا، في حين تتطلع الصين، رابع قوة اقتصادية في العالم، في نفس الاتجاه فتجد حلفاء محتملين، فقراء، تتفاهم معهم عقائدياً وينامون على ثروات مهمة.

إضافة إلى ذلك إن عدم وجود أي جنرال في الجيش البوليفي اليوم أصله غير هندي، وارتياح رئيس اتحاد رجال الأعمال "روبرتو مصطفى" لخيار شعب بلاده ونيّة شركة النفط الإسبانية ريبسول YPF بالاستمرار على رأس الشركات الكبرى في بوليفيا لم تساهم في تبديد هواجس الإدارة الأميركية بل زادت مخاوفها.

سيف أميركي وتمنع لاتيني

فالجار الشمالي يفضل "علاقات استراتيجية" تضمن إمساكه بقادة هذه الدول الذين يعرفون كيفية التحكم بمجتمعاتهم "على الطراز العربي" لحمايتها من "هجمة الديمقراطية الإمبريالية السيئة النتائج والمجحفة بحق شعوب غير مؤهله...". ويعتقد أن الشعوب "تخطئ فتختار حكومات يسارية وتطالب بتغييرات في هيكلية الدول وبليبرالية جديدة فشلت برأيه في الشيلي والبرازيل والأوروغواي وفنزويلا..."، لكنه خفي عليه أن ما تريده هذه الشعوب هو العمالة والعدالة والغذاء والضمان الصحي والتعليم خفض نسبة الأمية لا تحالف قادتها "الاستراتيجي" مع الغرب.

إن أنظمة دول أميركا الوسطى والجنوبية الحالية معظمها يسارية. لكن سيف العولمة والعدالة الأميركية" مسلّط على الجميع لئلا تقوم تحالفات قوية بين البرازيلي والأرجنتيني ومحور كاسترو - شافيز وصولاً إلى رؤساء الأوروغواي والشيلي وبوليفيا وغيرهم. أي يجب أن يفهموا أن "الشعبية" هي غير "التقدمية" وإلا فإن ملفات الفساد أو التجويع تنتظرهم. والمتشدد الذي عمل في مناهضة الشيوعية أيام ريغان "دان فيسك" أصبح اليوم مساعدا لوزيرة الخارجية لمنطقة أميركا اللاتينية وهو بانتظار "زلات القدم".

لا شك أن شعوب أميركا اللاتينية لن ترجع إلى الوراء في مسيرة التغيير والإصلاح التي بدأتها رغم عدم النضج السياسي لأكثريتها واعتماد اقتصاد معظمها على أميركا الشمالية وأوروبا واليابان، وحملة اليمين الأميركي والأوروبي الذي وصف هذا التحول بغير الديمقراطي وأطلق شعارات مثل : "من بوليفيا إلى كوكاليفيا".

ففي الوقت الذي أصبح فيه موراليس خائفاً من استمرار هرب الرساميل أكثر من قلق الأميركيين من خلق سوق مشترك للنفط الفنزويلي والغاز البوليفي والأرجنتيني يتحكم بطاقتها، إنه لم يتردد في تأكيد نيته مكافحة الفساد وأنه سيمارس "حق إدارة ملكية الدولة لثرواتها" وسيبحث عن "شركاء لا مالكين لغاز بلاده" مطمئناً بضمان الاستثمارات الأجنبية وعدم التأميم وأنه مستعد للحوار وإعطاء الشركات العالمية الخاصة حقها، لا أكثر من حقها. كما أوضح أنه لن يعتمد على بقايا يسار الخمسينات والستينات الماركسي المتحجر بل على يسار الهنود، وأن إبعاد علاقته بكاسترو وشافيز تختلف عن إبعادها مع بوش.

في مطلق الأحوال بدأ اجتياح السكان الأصليين لأميركا اللاتينية مع اليخاندرو توليدو في البيرو لكن هذا المحامي دين بالفساد، وسيستمر هذا الاجتياح مع موراليس شبه الأميّ. أما تقدم اليسار في هذه المنطقة لا يمكن كبحه بتعيين متشددين مناهضين للشيوعية بل بمساعدة المجتمعات المدنية على النهوض وتطويرها والسير وراءها في ديمقراطيتها، التي يلزمها تشذيب لا فرض ديمقراطية مستوردة بديلاً عنها، واحترام تكويناتها الاجتماعية وتقاليدها وهويتها الوطنية لإبعاد شبح الخوف من الشعبوية الذي يقابله شعور بالعنصرية يتحكم برأي ومشاعر هذه المجتمعات. لذلك يمكننا الاستمرار في تساؤلنا: هل بدأ يتحقق حلم هذه الشعوب أم شارف على نهايته؟


*مقال نشر بجريدة الحياة 24/12/2005 تحت عنوان " يقظة الشعوب الأصلية تعيد أميركا اللاتينية الى اليسار".

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات