|
| بشار الأكثر مرونة من أبيه
|
دمشق- تستحق سياسة سوريا الخارجية - في الآونة الأخيرة - أن ترتبط باسم الرئيس السوري بشَّار الأسد رغم روابطها الوثيقة والقوية بالسياسة السورية التقليدية التي تمت صياغتها وممارستها في خلال العقود الثلاثة الماضية. وسبب الميل إلى سياسة بشَّار الخارجية راجع حقيقية إلى البصمة الشخصية، التي تركها الرئيس على السياسة الخارجية، سواء بجهده الخاص وحضوره، أو من خلال نشاط حكومته التي لا شك في تقاربها مع نهجه ومنحاه في توجهات سياسة سوريا الخارجية في المستويين الإقليمي والدولي.
والكلام في سياسة سوريا الخارجية، يقود إلى التوقف عند محددات تلك السياسة، والتي تندرج في ثلاث نقاط أساسية، أولها: التوجه إلى تحسين العلاقات مع دول الجوار، والثاني: التأكيد على المواقف الأساسية في موضوع الصراع العربي - الإسرائيلي، والثالث: اتباع قاعدة سياسة المصالح.
لقد توجَّهت سوريا - بعد حرب الخليج الثانية وما تركته من تأثيرات سلبية على سوريا والمنطقة - إلى إعادة صياغة علاقاتها مع دول الجوار، خاصة في ضوء انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي - حليف سوريا القوي وشقيقاته من دول شرق أوروبا الاشتراكية – وهو ما تطلَّب من سوريا إعادة ترتيب علاقاتها. وبدت دول الجوار هي الأحق في تحسين العلاقات معها، خاصة أن الخلافات مع الدول المحيطة بلغت في عقد الثمانينيات وبداية التسعينيات حدَّ الوصول إلى حافة الهاوية، التي تسبق الصدام، وهو أمر ينطبق على العلاقات مع الأردن وتركيا والعراق.
وبلغت تلك الخلافات حدَّها الأعلى مع العراق بانضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضدَّه في حرب الخليج الثانية عام 1991م، التي هدفت علنًا إلى إخراج القوات العراقية من الكويت، فيما كان مضمونها تثبيت الوجود الغربي والأمريكي، خاصة على منابع النفط في الخليج.
تجارة واتفاقيات أمنية
ومنذ النصف الثاني من التسعينيات، أخذت العلاقات مع دول الجوار السوري تتحسن، ففتح خط للعلاقات التجارية مع العراق في العام 1997م بموجب اتفاق النفط مقابل الغذاء، وأخذت تتحسن العلاقات السورية مع تركيا بعد أزمة عام 1998م، والتي بلغت حد الحشد العسكري التركي على الحدود السورية، قبل توقيع الاتفاق الأمني السوري - التركي في العام ذاته، ثم جاءت مناسبة وفاة الملك حسين فرصة لتحسين العلاقات مع الأردن من خلال مشاركة الرئيس الأسد في تشييع العاهل الأردني عام 1999م؛ وكلها ترافقت مع تحسن في علاقات سوريا ولبنان بالتوجه إلى "قوننة" العلاقات السورية – اللبنانية، بالاستناد إلى اتفاقية الأخوة والصداقة الموقعة بين البلدين في عام 1991م، بعد أن كانت العلاقات ذات طابع كيفي وغير "مقنَّن"، تغلب عليه رادارات القوة السورية.
العلاقات محكومة بالصراع العربي - الإسرائيلي
وتحسُّن علاقات سوريا مع الجوار، لم يكن مقتصرًا على الجوار المباشر، بل امتد إلى الجوار الأبعد، ومنه تطوير العلاقات مع إيران، ودول الخليج العربي، والمملكة العربية السعودية، ومصر. وتقدم وقائع سنوات التسعينيات الأخيرة كثيرًا من المعطيات والشواهد التي تعكس تحسن علاقات سوريا مع الدول المجاورة.
والحق، فإن التوجُّه السوري إلى العلاقات مع دول الجوار ظلَّ محكومًا بقضايا الصراع العربي - الإسرائيلي وتطوراته. وفي هذا يكمن تفسير سياسة التقارب الشديد بين سوريا وإيران، كما يمكن تفسير التردِّي المتصاعد في علاقات سوريا مع الفلسطينيين والأردن، حيث وقَّع الفلسطينيون اتفاق أوسلو مع الإسرائيليين عام 1993م، ووقَّع الأردن اتفاقية وادي عربة للسلام مع إسرائيل عام 1994م.
لقد فرض هذا المحدد مستوى التردد بين التقارب والتباعد في علاقة سوريا مع العديد من دول العالم في خلال العقد الماضي، ومنها العلاقة مع الولايات المتحدة؛ حيث تحسَّنت بصورة ملموسة العلاقات عندما توجَّهت واشنطن لتلعب دورًا بارزًا في عملية السلام وفي المفاوضات السورية – الإسرائيلية انطلاقًا من مدريد 1991م على أساس قرارات الشرعية الدولية، والتي يرى فيها السوريون ضرورة قيام إسرائيل بانسحاب شامل من الأراضي العربية المحتلة، وتأمين الحقوق الشعب الفلسطيني، ولكنها ما لبثت أن تدهورت العلاقات السورية مع الولايات المتحدة، عندما ظهر تراجع في الدور الأمريكي في عملية السلام، وفي تبنِّي واشنطن المواقف والسياسات الإسرائيلية.
الانتقال من المصالح الأيدلوجية إلى الاقتصادية
وبطبيعة الحال، فإن علاقات سوريا الإقليمية والدولية لم تكن منفصلة عن مصالحها سواء كانت مصالح مباشرة، أو مصالح غير مباشرة. ولا شك أن انهيار الاتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا - التي كانت ترتبط بعلاقات مصالح قوية ووثيقة مع سوريا - دفع الأخيرة للبحث في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي، فأخذت تحسِّن علاقاتها، ليس مع جوارها فقط، إنما مع دول أوروبا الغربية وجنوب شرق آسيا واليابان وغيرها على قاعدة المصالح الاقتصادية المباشرة، وهي القاعدة التي تعتمدها تلك الدول بخلاف قاعدة المصالح الأيدلوجية والإستراتيجية التي كان يعتمدها الاتحاد السوفييتي في العلاقة مع سوريا.
وبالرغم من الاتجاهات التقليدية التي اعتمدها بشَّار في سياسته الخارجية، فإنه أضاف إليها قدرًا من الحيوية والمتابعة، وهو ما تم تجسيده في أمرين:
الأمر الأول: قيام سوريا بإصدار جملة من القوانين والمراسيم والأنظمة ذات التأثير على علاقات سوريا الخارجية، ومنها تصديق اتفاقيات تعاون مع عدد كبير من الدول العربية والأجنبية وبعض هذه الاتفاقات، كانت تنتظر التصديق منذ سنوات. وتم إصدار قوانين، وإجراء تعديلات على قوانين أخرى؛ لتحسين شروط الاستثمار، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الدول العربية والأجنبية، وهو ما يصنع أساسًا تطورات يمكن أن تكون مهمة في علاقات سوريا الإقليمية والدولية.
والأمر الثاني: تنشيط الحركة من وإلى دمشق، التي استقبلت عشرات من وفود عربية وأجنبية، زارت سوريا خلال العام الأخير. وكان بين الزوار، قادة وكبار مسؤولين ووزراء من دول مختلفة، تم خلال زياراتهم توقيع اتفاقات تعاون في مجالات عدة.
وتوازن الزيارات إلى دمشق - مع عشرات الزيارات لكبار المسؤولين السوريين إلى دول عربية وأجنبية - إنما هدفها تعزيز علاقات سوريا السياسية والاقتصادية والعلمية مع تلك الدول. وفي سياق ذلك، كانت زيارات الرئيس بشار الأسد إلى معظم الدول العربية ودول أجنبية بينها إيران وأسبانيا وفرنسا وألمانيا، إضافة إلى حضوره القمتين العربيتين في القاهرة وعَمَّان، ومشاركته في القمة الإسلامية بالدوحة، قد ساهمت في فتح آفاق جديدة لعلاقات سوريا العربية والدولية.
إصلاح العلاقات الإقليمية وتوطيدها
وأهم ما حدث في المحيط العربي والإقليمي، هو تحسن العلاقات السورية الفلسطينية، وإنهاء القطيعة مع السلطة الفلسطينية، وتقدم سوريا لدعم الانتفاضة. ومثل ذلك أيضًا، تحسُّن العلاقات السورية مع العراق من خلال توسيع حجم المبادلات التجارية معه، ثم في التوجُّه إلى تغيير نمط العلاقات السورية اللبنانية بتخفيف التدخلات السورية في الشأن اللبناني الداخلي، وإعادة انتشار الجيش السوري في لبنان بسحبه من بيروت، وتخفيف عدده، وفتح قنوات تبحث في مستقبل العلاقات السورية - اللبنانية.
وينتسب إلى هذا النسق من تحسُّن علاقات سوريا الإقليمية، توقيع اتفاق منطقة تجارة حرة مع العراق، وأخرى مع المملكة العربية السعودية، وثالثة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وتدشين شبكة الربط الكهربائي السداسي مع مصر وتركيا والعراق والأردن ولبنان، وكله توافق مع تحسن في علاقات سوريا مع إيران وتركيا.
وترافقت التطورات الإيجابية في سياسة دمشق الخارجية نحو جوارها، بالعودة إلى سياسة أكثر حذرًا في العلاقة مع الولايات المتحدة، وما يتصل بسياستها في المنطقة، خاصة في الموقف من الصراع العربي - الإسرائيلي، وفي الموضوع الفلسطيني، وفي الموقف من العراق والعقوبات المفروضة عليه.
حذر مع أمريكا وانفتاح على أوروبا
وقابل الحذر في العلاقة مع الولايات المتحدة، انفتاح على الدول الأوروبية، وسعي سوري إلى "حلحلة" الموضوعات العالقة في العلاقات مع بعض الدول الأوربية. وكانت من ثمار الانفتاح السوري على الدول الأوربية: ثلاث زيارات قام بها الرئيس بشار الأسد إلى أسبانيا وفرنسا وألمانيا، تناولت مجرياتها العلاقات الثنائية بجوانبها المختلفة، وعلاقات تلك الدول - والاتحاد الأوربي عامة - بقضايا المنطقة وبخاصة الصراع العربي - الإسرائيلي وعملية السلام، حيث تسعى سوريا إلى دور أوروبي ملموس ومحسوس في المنطقة سواء بالتوازي مع الدور الأمريكي، أو بالتعاون معه - وهذا هو الأكثر إمكانية - طبقًا لتوجهات أغلبية الدول الأوروبية.
ولم يكن النهج السوري في التعامل مع الدول الأوروبية مقتصرًا عليها، بل سعى لأن يكرِّس نفسه في العلاقات السورية - الروسية بالعمل على إحياء هذه العلاقات، وتعزيز فرص التعاون الثنائي في المجالات العسكرية والاقتصادية والعلمية؛ وهي مجالات تقليدية في علاقات دمشق - موسكو.
بشار: لا للتشنُّج
لقد امتاز هذا التطور العام في سياسة سوريا الخارجية عمومًا، بترافقه مع سياسة التهدئة في العلاقات العربية والدولية، والبُعْد عن التشنجات التي غالبًا ما رافقت سياسة دمشق، التي أظهرت قدرًا أقل من التصادم مع السياسات العربية والدولية دون أن يعني ذلك اتفاقها مع بعض السياسات. ومثال ذلك، اعتراض سوريا على الموقف المصري - الأردني حيال الانتفاضة الفلسطينية، طبقًا لمحتويات المبادرة المصرية - الأردنية التي سعت إلى وقف الانتفاضة. كما أن هناك مثالاً آخر في الموقف من سياسة الولايات المتحدة إزاء الصراع العربي - الإسرائيلي بتطوراته المختلفة، والموقف الأمريكي من العراق، وهو اعتراض لا يذهب إلى حدِّ القطيعة والمواجهة مع السياسة الأمريكية في المنطقة. وهذه من مزايا المرحلة الجديدة في سياسة سوريا الخارجية في العام الأول من عهد بشار الأسد.
|