English

 

الخميس. يونيو. 1, 2000

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » سوريا

 
أهم الأخبار  

أية إصلاحات تحتاجها سوريا ؟

فايز سارة

Image
دمشق- جرى التركيز الفترة الأخيرة عند تناول الشأن السوري واحتمالاته في المرحلة المقبلة على ثلاثة موضوعات أساسية، أولها الإصلاح الاقتصادي، والثاني تحديث الدولة والمجتمع، والثالث تطوير الواقع السياسي. وقد تفاوت الاهتمام والحديث حول كل واحد من هذه الموضوعات من حيث أهميته وضروراته ومحتوياته، لكن التركيز الشديد، كان على موضوع الإصلاح الاقتصادي. 

ويبدو أن الكثير من الوقائع والطموحات، التي يتشارك فيها السوريون والعهد الجديد، تبرر ترتيب الأولويات في المواضيع المطروحة، وخاصة تقديم الموضوع الاقتصادي على غيره، وإعطائه المكانة الأبرز في الاهتمام سواء من طرف المهتمين الذين تابعوا أوضاع سوريا، أو من جانب العهد الجديد الذي تحاول حكومته في الجانبين العملي والنظري الإجابة عن أسئلة الواقع الاقتصادي في سوريا، بل هي تحاول أن تتجاوز ذلك إلى محاولة الإجابة عن أسئلة المستقبل الاقتصادي، ويبدو الأمر في هذا حاضرًا من خلال العديد من الندوات المتخصصة التي نظمتها الحكومة السورية في دمشق مؤخرًا. 

الإصلاح الاقتصادي

ودون أدنى شك، فإن الاهتمام بالاقتصاد السوري واحتمالاته، يلبي حاجة أغلبية السوريين المُلِحَّة في تجاوز مأزق الاقتصاد ومشكلاته، ومعالجة ما تركه من آثار عميقة في حياتهم اليومية والاجتماعية، من ملامحها البطالة وقلة فرص العمل والتضخم وتدني الدخول وغيرها، كما أن معالجة واقع الاقتصاد، تلبي طموحات العهد الجديد في التجاوب مع التأييد العام الذي أظهره السوريون لأطروحات العهد الأولى، ولما اتخذه من خطوات عملية في التعديلات القانونية والإدارية، وفي مكافحة الفساد، وهو ما عبَّر عنه تصويت الأكثرية السورية في الاستفتاء لصالح الرئيس الجديد، إضافة إلى أن معالجة الاقتصاد من شأنها أن تعزز موقع سوريا وقوتها في الخارطة الإقليمية والدولية.

تحديث الدولة والمجتمع

ولا شك أن تحديث الدولة والمجتمع في سوريا، وتطوير الواقع السياسي موضوعان مهمان كالموضوع الاقتصادي، حيث إن لعملية التحديث ضروراتها ومنها ضرورات اقتصادية وعلمية وثقافية واجتماعية، وهي تلبي احتياجات لدى جمهور السوريين، كما تلبي حاجات للعهد الجديد، وطموحه في العصرنة والتقدم، ولا يقل أهمية وضرورة عن ذلك موضوع تطوير الواقع السياسي، ولا سيما في مسائل أساسية منها موضوع توسيع المشاركة والمسؤولية الشعبية والسياسية في إدارة الدولة والمجتمع عبر الصحافة والمؤسسات النقابية والسياسية والتمثيلية القائمة، والتي ستطالها عملية التحديث والتجديد بطرق وآليات مختلفة، والتي سيكون من نتائجها مزيد من الحقوق للمواطن السوري، ترتب عليه المزيد من المسؤولية في إنهاض المجتمع وتقدمه.

الإصلاح القضائي

وثمة موضوع آخر له أهمية كبرى في الإصلاحات التي تحتاجها سوريا، وهو موضوع القضاء بشقيه القانوني والإداري والذي يتضمن تحديث القوانين وتطويرها بالتوازي مع تجديد وإصلاح الممارسة القضائية والعدلية، وقد كان ذلك أمراً جرى التأكيد عليه مرات كثيرة في السنوات الماضية، وأصبح الآن أكثر ضرورة وإلحاحاً؛ ليتناسب مع أطروحات وحاجات الإصلاح والتجديد، ويكون جزءاً من العملية كلها.

الإصلاح الفكري والثقافي

لكن أهمية الموضوعات السابقة وضروراتها، لا تبعدنا عن الأصل في الإصلاح المطلوب والمنشود في سوريا، التي تتطلع إلى مستقبل أفضل، وجوهر الإصلاح المطلوب إصلاح فكري - ثقافي، يتصل بإعادة ترتيب أولويات وقيم السوريين وأفكارهم، بعد الاختلاطات التي تعرضوا لها هم وغيرهم من شعوب العالم في العقود الماضية، وهي اختلاطات رسخت قيم ومفاهيم مجتمع الاستهلاك الغربي وأنماطه في الحياة والموقف منها، وجميعها تركت في حياتهم متغيرات متعددة المستويات في فعلها وتأثيراتها.

ولعل الأهم في ملامح الإصلاح الفكري - الثقافي، إعادة تعزيز دور المؤسسة التربوية - التعليمية للتعليم الجامعي وما قبله خاصة، وفي فروعه المختلفة، وتطوير واقع المؤسسات المعنية بالعملية الثقافية وبخاصة وزارة الثقافة وما يتبعها من مديريات تهتم بالطباعة والنشر والسينما والمسرح والموسيقى والمكتبات العامة، ويتطلب الأمر في هذا الاهتمام بواقع اتحادي الكتاب والصحافيين، والمساعدة في تطوير واقع هذين الاتحادين لإخراجهما إلى ممارسة نشاط نقابي وإبداعي خلاق عوضاً عما هما فيه.

غير أن الإصلاح في هذا الجانب ليس وصفة تكتب، وكلاماً يقال، بل هو- في الأساس كما هو الحال في التوجه إلى الإصلاحات في المجالات الأخرى - دراسة للوقائع والمعطيات، من أجل تحديد الآفاق المستقبلية، واتخاذ الخطوات العملية اللازمة لعلاجها.

محدودية الإنتاج الثقافي والفكري:

إن بين المعطيات الأساسية في الواقع الفكري - الثقافي في سوريا محدودية المنتج المعرفي والثقافي، وتدني مستوى الكثير منه، ومن ذلك، أنه تصدر في سوريا بضع مجلات يغلب عليها الطابع الأدبي، وغالباً فهي لا تجد الكثير من القراء، ومثل ذلك صدور عدد محدود من مجلات متخصصة، تبدو في حالة انفصال عن الواقع واحتياجاته.

وسوريا التي تنتج سنويًّا ألف كتاب في المجالات المختلفة، لا يباع من أفضل كتاب منها أكثر من ألفي نسخة؛ لأسباب تتصل بالنوعية وبالتوزيع وبالأسعار، بينما تبقى نسخ أغلب الكتب أسيرة المستودعات لسنوات طويلة. ولا تنتج مؤسسة السينما الوحيدة التي تملكها الدولة سوى عدد محدود من الأفلام محكومة بمعطيات محددة أبرزها الحصول على جوائز المهرجانات، وتتشابه الأعمال السينمائية مع مثيلاتها من الأعمال المسرحية والموسيقية في قلتها.

سوء الإدارة وضعف التمويل:

وبين معطيات الواقع الفكري والثقافي، سوء الإدارة في المؤسسات، ونقص التمويل نتيجة ضعف الميزانيات، وميزانية وزارة الثقافة السورية مثال بارز، وكان نقص التمويل سبباً في الحد من الإنتاج السينمائي والمسرحي، كما كان نقص التمويل في ضوء استمرار برنامج النشر سبباً في رفع أسعار الكتب التي تصدرها وزارة الثقافة، فصارت كتبها التي اشتهرت بنوعيتها وبرخص أسعارها كغيرها من الكتب التي تصدرها دور النشر السورية الأخرى.

تدهور مكانة العلم والعلماء:

ولعل الأهم في معطيات الواقع الفكري والثقافي، تراجع مكانة العلم والمعرفة، وتردي أوضاع ومكانة العاملين في المجالين في إطار التردي العام في مكانة العاملين في الدولة، وبينهم أساتذة الجامعات والتعليم ما قبل الجامعي، ومعلمي المدارس الابتدائية الذين يقع على عاتقهم التأسيس المعرفي والثقافي للجيل الجديد.

ومما لا شك فيه، أن إصلاح أوضاع العاملين وفي ميدان التعليم خصوصاً، سوف يخرج هذه الفئة من ترديات أوضاعها، وهو يساهم في تأكيد مكانة العلم والمعرفة في المجتمع، وتكمل معالجة أوضاع المؤسسات الثقافية، وإصلاح إدارتها ودعم إمكانياتها الأساس المناسب للدخول إلى الإصلاح الفكري والثقافي، وبذلك يمكن المضي بعيداً في هذا الاتجاه؛ لتكون منعكساته على الميادين الأخرى ملموسة ومحسوسة في الميدانين الآجل والعاجل، مما يوفر أساس لإصلاحات جوهرية وعميقة في سوريا، تشمل السياسة والاقتصاد وتجديد المجتمع والقضاء وغيرها

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات