English

 

السبت. مايو. 27, 2006

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » عمليات التسوية

 
أهم الأخبار  

كديما وحماس.. تكريس الأحادية *

ديفيد ماكوفسكي

ترجمة - مروى صبري

 ديفيد ماكوفسكي
 

اقرأ محاور الدراسة، وهي:


يبدأ ماكوفسكي دراسته بالقول بأنه "لا خلاف على أن أولمرت كان الوحيد من المرشحين لرئاسة الحكومة الإسرائيلية في انتخابات مارس 2006 الذي قدم أجندة شديدة الوضوح ينوي حزب كديما العمل على أساسها إذا ما وقع الاختيار عليه لقيادة الحكومة الإسرائيلية؛ حيث أعلن "أولمرت" عزمه على سحب 60.000 مستوطن على الأقل إلى داخل التكتلات الاستيطانية المتاخمة لما يطلق عليه اسم "الخط الأخضر".

ورغم حصول كديما على 29 مقعدًا فقط من إجمالي مقاعد الكنيست الـ120 فإن اليمين قد فقد قوته التي تمتع بها سابقًا، بانخفاض عدد المقاعد التي يسيطر عليها من 70 إلى 50 مقعدًا، وبات يسار الوسط يحظى بأغلبية واضحة داخل الكنيست، مع علم المواطنين الذين صوتوا لصالحه أن أصواتهم ستشكل تأييدًا لخطة "أولمرت"، وليس معارضتها.

والآن بعد أن أصبح الفصل بين إسرائيل وغالبية أجزاء الضفة الغربية هدفًا جوهريًّا للحكومة الإسرائيلية الجديدة، هناك العديد من الأسئلة والقضايا التي يجب تناولها مثل: ما هو حجم هذا الانسحاب الإسرائيلي؟ هل سيشمل الانسحاب كل من المستوطنين والجنود الإسرائيليين؟ هل سيكون هناك تنسيق مع الجانب الفلسطيني؟ وفي حالة حدوث ذلك، ما الصورة التي سيتخذها هذا التنسيق؟ وما هي أكثر القضايا التي سيجري التنسيق بشأنها؟ وهل الولايات المتحدة على استعداد لمساعدة إسرائيل، ولو بصورة جزئية على الأقل، على الاضطلاع بتكاليف فك الارتباط مع الضفة الغربية؟ وهل ستحاول الولايات المتحدة التفاوض بشأن خط الانسحاب كمقابل لكسب تأييد الأعضاء الآخرين في اللجنة الرباعية أو إعلانهم الاعتراف أو شبه الاعتراف بالحدود الإسرائيلية الجديدة؟ هل من الممكن أن يزيد فك الارتباط من احتمالات التوصل إلى سلام دائم بين إسرائيل والفلسطينيين؟.

كديما وحماس.. الثنائية المفقودة

يبدو أن الفوز الصعب الذي حققه حزب "كاديما" بقيادة "إيهود أولمرت" في الانتخابات التي عقدت في مارس 2006، وما سبقه من فوز "حماس" في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية قد نقل الصراع العربي - الإسرائيلي من مسار التعاون الثنائي إلى مسار القرارات أحادية الجانب. فبينما تنظر "حماس" إلى التعاون الثنائي باعتباره أمرًا غير مرغوب فيه؛ لأنها ترغب في تدمير إسرائيل، يعتبر "أولمرت" أن مثل هذا التعاون أمر من المتعذر تحقيقه في الوقت الراهن بالنظر إلى المشكلات المحيطة بالسلطة الفلسطينية، بما لا يجعل ثمة بديلاً أمام "كديما" عن خطة الفصل الإسرائيلية.

لقد أدهش أولمرت، القائم بأعمال رئيس الوزراء في إسرائيل، العالم في مارس 2006 حين أعلن تعهده بتفكيك غالبية المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وذلك كجزء من الحملة الانتخابية لحزبه حينئذ؛ إذ أوضح وقتذاك أن خطته من المحتمل أن تتضمن نقل 60.000 مستوطن على الأقل من معظم أجزاء الضفة الغربية لإعادة توطينهم في تكتلات استيطانية قائمة بالضفة الغربية على حدود "الخط الأخضر" الذي كان قائمًا قبل عام 1967.

أما أحد أكبر الأسئلة التي لم يتم حسمها بعد فهي ما إذا كان سيتم إجلاء قوات جيش الدفاع الإسرائيلي إلى جانب المستوطنين، أو ما إذا كان سيتم الإبقاء عليها لتأمين وادي الأردن ونهر الأردن باعتبارهما الحدود الأمنية لإسرائيل من ناحية الشرق وللتعامل مع التهديدات الصادرة عن "حماس" والتحديات الإرهابية الأخرى داخل الضفة الغربية. من المحتمل أن تعتمد الإجابة النهائية على هذا السؤال على مستوى الدعم الذي ستوليه الولايات المتحدة إلى خطة "أولمرت".

ومن خلال الإعلان عن تجميع مستوطني الضفة الغربية في تكتلات أكد "أولمرت" على أنها ستبقى دومًا جزءًا من إسرائيل مثل "معاليه أدوميم" و"أرييل"، يكون "أولمرت" قد طرح بذلك خطة تسمح بتواجد امتداد كبير للفلسطينيين في الضفة الغربية يجعل من الممكن قيام دولة فلسطينية، ويكون كذلك قد بدأ بالفعل في وضع ما يمكن أن يتحول في يوم من الأيام إلى الأساس الذي ستقوم عليه الحدود الإسرائيلية المستقبلية.

وعلى الرغم من أن "أولمرت" حرص على عدم الإشارة بصورة محددة إلى حدود الجلاء الاستيطاني بالضبط فإنه أوضح أن الحاجز الأمني الإسرائيلي سيشكل الأساس الذي سيجري بناء عليه دراسة أي جلاء للمستوطنين الإسرائيليين. وتجدر الإشارة إلى أن ما يقدر بنحو 193.000 إسرائيلي يعيشون على 8% من أراضي الضفة الغربية في المنطقة الواقعة بين حدود ما قبل عام 1967 والطريق الحالي للحاجز الأمني.

ولعلّ ذلك يكشف أن الجهود التي ستبذلها إسرائيل للجلاء عن غالبية المستوطنات القائمة بالضفة الغربية وتطبيق خطة أولمرت تُعَدّ جهودًا فريدة من نوعها ومؤشرًا واضحًا على التغيير الجوهري الذي طرأ على السياسة الإسرائيلية منذ الفترة اللاحقة على حرب عام 1967، ذلك أن الانسحاب المزمع من قبل إسرائيل من بعض أجزاء الضفة الغربية لن يضع نهاية للصراع بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، وإنما سيحد كذلك منه بصورة تضاعف من احتمالات التوصل إلى تسوية تدريجية في المستقبل. وإن كان ذلك قد لا يعني أن الانسحاب الإسرائيلي سيتبعه على الفور قيام دولة فلسطينية، بيد أنه من المؤكد أن يمهد الطريق لظهور دولتين في المنطقة.

وقد جاء الإعلان عن خطة "أولمرت" في وقت يحاول فيه الإسرائيليون التوفيق بين كراهيتهم لدور بلادهم كقوة محتلة بالنسبة للفلسطينيين، واعتقادهم الراسخ بأن تولي "حماس" للسلطة الفلسطينية قد جعل من فكرة بناء شراكة حقيقية محض خيال.

ويتسم هذا الاعتقاد بأهمية جوهرية، حيث نجد أنه في الوقت الذي عرض فيه "أولمرت" على رئيس السلطة الفلسطينية الأكثر اعتدالاً "محمود عباس" إمكانية الدخول في مفاوضات قبل أن يمضي قدمًا في توجهاته الانفرادية، فإن هذا الخيار لا يبشر بالنجاح، ويرجع السبب في ذلك إلى عدة عوامل من بينها الأزمة الدستورية التي يواجهها "عباس" مع "حماس" والشكوك الإسرائيلية في قدرة "عباس" على التوصل إلى اتفاق، إضافة إلى الواقع السياسي داخل إسرائيل الذي يتسبب في السقوط السريع للحكومات التي تخفق في مفاوضاتها مع الفلسطينيين.

ويمكن القول، إن هذا تحديدًا الإطار الذي ولد بداخله الخيار الانفرادي لـ"أولمرت" القائم على فكرة أن إسرائيل بمقدورها إجلاء أكبر عدد ممكن من المستوطنين من "الجانب الخطأ" من الحاجز الأمني، وبذلك تحد من، بل وربما تنهي تمامًا من وجهة نظرها الاحتلال الذي بدأ عام 1967.

وثمة عوامل تسهم في رسوخ القناعة بخطة أولمرت، لعلّ أهمها، الخبرة المتولدة عن فشل أطروحة "أوسلو" في تحقيق أهدافها وكذا "خريطة الطريق"، بما حدا بكثير من الإسرائيليين لأن يبدوا تأييدًا للإجراءات الكبرى التي يتم اتخاذها خارج إطار الاتفاقات الثنائية إذا ما كانت ستجلب الأمن لإسرائيل. وقد يكون قرار بناء الجدار العازل عام 2003 وكذلك قرار رئيس الوزراء في ذلك الوقت "إريل شارون" بفك الارتباط بقطاع غزة ومساحات ضئيلة من شمال الضفة الغربية نموذج واضح على هذا الأمر.

لا ضامن لنجاح خطة أولمرت

رغمًا عن ذلك، من المتوقع أن تواجه خطة "أولمرت" معارضة على الصعيدين الإسرائيلي والفلسطيني في آن واحد. علاوة على ذلك فإنه لن يكون من السهل حماية خطة "أولمرت" من العراقيل الناشئة عن الأزمة القائمة حول الصورة التي ينبغي أن تستجيب إسرائيل بها إلى وجود حكومة لحماس على أعتابها. لقد سبق أن أوضح "أولمرت" رغبته في فرض العزلة السياسية على حكومة "حماس" دون التسبب في انهيار السلطة الفلسطينية، مما قد يترتب عليه عواقب سياسية تتناقض مع هدف فك الارتباط مع الفلسطينيين بأكبر صورة ممكنة.

ولا ينبغي بأي حال من الأحوال التقليل من تقدير مدى الجرأة التي اتسمت بها خطة "أولمرت" التي أعلن عنها قبل الانتخابات ليضع نفسه بذلك في مواجهة ليس فقط مع حركة المستوطنين، وإنما أيضًا مع من يعتقدون أن الانسحاب الانفرادي للمستوطنين الإسرائيليين يسبب الكثير من الألم والقليل من النتائج الإيجابية. منتقدو "أولمرت" على الصعيد الداخلي سينقسمون إلى فريقين: أولهما، من يؤمنون بأن الضفة الغربية إرث توراتي، وثانيهما، من يرون أن التوجهات الانفرادية تفتقر إلى الحكمة السياسية؛ لأن من شأنها تشجيع المتطرفين الذين سيصفون الانسحاب بأنه تراجع.

وعلى الصعيد الفلسطيني، فإن هذا الإجراء الانفرادي من جانب إسرائيل، سيُعَدّ محاولة لإحكام قبضة إسرائيل على التكتلات الاستيطانية خارج "الخط الأخضر"، دون تفاوض وتقديم تعويضات للفلسطينيين، بما يدفعهم إلى أن يقابلوا مثل تلك التحركات بشك وربما بعداء صريح.

وتبدو المفارقة العجيبة في أنه رغم تعدد أسباب الرفض الفلسطيني للخطة، والتشكيك في النوايا الإسرائيلية، فإن حركة حماس، وإن رفضتها ضمنيًّا، إلا أنها قد تكون المستفيد الفلسطيني الأكبر حال تنفيذ الخطة؛ لأن الخطة تتضمن انسحاب أعداد كبيرة من المستوطنين دون حاجة من حماس لأن تقدم تنازلات، علاوة على أن الخطة قد توفر إذا ما نفذت بطريقة صحيحة الهدوء الذي تبغيه حماس لتتمكن من تدعيم قبضتها على السلطة على مدار السنوات المقبلة، بل يجوز القول إن أيًّا من الفصائل الفلسطينية سيلجأ للتهدئة لدى الانسحاب عند تنفيذه، كما حدث لدى الانسحاب من قطاع غزة.

وعلى ذلك يرى الكاتب أن بمقدور الفلسطينيين اختيار الاكتفاء بدور المتفرج على تنفيذ إسرائيل لخطة الانسحاب مع استمرار شكواهم بأن إسرائيل تفرض عليهم مثل تلك الإجراءات وتترك قضايا جوهرية مثل وضع القدس واللاجئين من دون تسوية، أما إذا كان الفلسطينيون يرغبون حقًّا في تناول القضايا الجوهرية للصراع وأن يكون لهم كلمة في كيفية تسويتها، فإنه يتعين عليهم إذن الاضطلاع بما هو مطلوب منهم في إطار أي اتفاق يجري التفاوض بشأنه. وطالما ظلت "حماس" قادرة على ما يبدو على الحيلولة دون مشاركة الفلسطينيين في التفاوض أو الاضطلاع بأي من مسئولياتهم تجاه الإسرائيليين، لا يبدو هناك بديل عن خطة الفصل الإسرائيلية.

ويوضح "ماكوفسكي"، أن على الولايات المتحدة دورًا كبيرًا يتعين عليها الاضطلاع به، ففي حالة القيام بأي تنسيق، أو حتى إمكانية إجراء مفاوضات، ستكون الولايات المتحدة في حاجة لعقد مناقشات متوازية مع الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني حول توجهاتهم إزاء خطة الفصل. ويرى أنه كلما بذل الفلسطينيون قدرًا ضئيلاً من الجهود من جانبهم سيزداد سعي إسرائيل نحو المزيد من الدعم من جانب الولايات المتحدة. وفي حالة ما إذا تم تنفيذ خطة "أولمرت" مع عدم وجود حكومة "حماس" في السلطة، حينئذ من الممكن أن تتحول خطة "أولمرت" أحادية الجانب إلى اتفاق ثنائي مع "عباس" أو خليفته، مع وجود وساطة أمريكية.

وفي كل الأحوال سيتعين على إدارة "بوش" والحكومة الإسرائيلية اتخاذ قرارات صعبة. ورغم أنه من غير المتوقع أن يسارع أي من الجانبين في اتجاه اتخاذ مثل تلك القرارات فإن الحقائق التي يحملها عام 2008 من نهاية حكم إدارة "بوش" ستدفع كلاًّ الجانبين في اتجاه تلك القرارات. وبالنسبة لـ"إيهود أولمرت" فإنه ربما يشعر بأن في إمكانه تحقيق هدف تسوية قضية الحدود الإسرائيلية بحلول عام 2010 فقط إذا ما تمكن من التوصل إلى تفاهم بهذا الشأن مع إدارة "بوش" والتي ربما يعتقد أنها ستكون أكثر استجابة لمطالبه عن أي إدارة أخرى مجهولة له ستليها.

وعلى الجانب الآخر، فإن "بوش" قد يرى إمكانية أن تشهد إدارته قبل حلول نهاية فترة عملها انسحاب إسرائيل من معظم الأراضي التي تحتلها وإعلانها التزامها بالانسحاب من غالبية مناطق أراضي الضفة الغربية، مما قد يدفعه هو الآخر لاتخاذ قرارات صعبة.

ومما لا شك فيه أن موقف المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة، سيتميز بأهمية كبرى في هذا الشأن، فبدون وجود دعم سياسي واقتصادي نشط وضمانات من جانب الولايات المتحدة لإسرائيل، لن تكون هناك خطة لفك الارتباط. من ناحيتها ستميل إدارة "بوش" لتأييد خطة "أولمرت" مثلما فعلت مع الحكومات الإسرائيلية السابقة التي سارت على طريق إجلاء المستوطنين. ومن المعروف أن "أولمرت" حدّد نوفمبر 2008 باعتباره الوقت الذي ينبغي أن يكون تنفيذ خطته قد شارف على الانتهاء بحلوله.

وفي الوقت الذي يبدو فيه من المحتمل أن يثني المجتمع الدولي على قرار "أولمرت" بسحب المستوطنين، فمن غير المحتمل أن يقدم الاعتراف الدولي بالحدود الجديدة في المقابل، الأمر الذي قد يؤثر بالسلب على مكانة "أولمرت" السياسية على الصعيد الداخلي. ومن المحتمل أن تتجنب أوروبا، وربما الولايات المتحدة نفسها، تقديم الاعتراف الرسمي بإجراء أحادي الجانب لم يوافق عليه الفلسطينيون.


زميل ومدير مشروع عملية السلام بالشرق الأوسط بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.

*الدراسة نشرت على موقع المعهد في شهر مايو 2005، ضمن سلسلة Policy Focus، العدد رقم 55، تحت عنوان: "خيار أولمرت الأحادي: تقييم أولي". طالع أصل الدراسة

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات