|
دأبت الصحف البريطانية على نشر سلسلة مقالات حول أعمال العنف التي ترتكبها جماعات الاحتجاج السياسي ذات الخطاب الديني في الشرق الأوسط، وعادة ما تذهب هذه الصحف إلى حد توجيه تحذير شديد اللهجة لقرائها من أن القادة الغربيين يتزايد قلقهم من التهديد الذي تمثله الأصولية الإسلامية المتطرفة على الديمقراطية – على حد قولهم.
بالنسبة لمحرري هذه الصحف يبدو قتل المدرسين والكتاب والصحفيين والفنانين وكأنها أفعال إسلامية أو تكتسب الشرعية الدينية من وجهة نظر الإسلام، بل وتُعَبِّر عن مدى كراهية الأصوليين للقيم الغربية. وحين يصف أحد المحررين أفعال الكتابة والإبداع والتعليم والفن على أنها قيم غربية، فهو يقول – وإن كان بالتلميح – أن تلك الأمور لا يمكن اعتبارها جزءاً من الثقافة المحلية أو نظام القيم المحلي، ولكنها تنتمي لنظام القيم الغربي الذي يحاربه الإسلاميون.
تابع فى هذا المقال:
· "الإرهاب" أمر فطري في الإسلام
· تأطير الإسلام
· المسلمون مقلوب كل ماهو غربي
· الظاهرة الإسلامية رد فعل لكل ماهو غربى
"الإرهاب" أمر فطري في الإسلام
مثل هذا التوجه في تغطية موضوعات الإسلام السياسي يتكرر بصفة مستمرة في الصحف الغربية بوجه عام، والصحف البريطانية بشكل خاص، وبالتالي فإن الفرضية الرئيسية لهذا المقال هي أن التغطية الصحفية لموضوعات الإسلام السياسي في الصحف البريطانية قد أدت إلى إظهار بناء الظاهرة الإسلامية- في بعدها السياسي- على أنه مشهد سياسي يثير لدى القراء الغربيين مخاوف دائمة من الحملات الإسلامية ذات الصبغة الإرهابية في إطار عملية البناء تلك. فإن التوصيفات التي تم إلصاقها بالنظام الإسلامي قد تمَّ تقديمها وكأنها من طبيعة هذا النظام أو كأنها أمور فطرية لا تحتاج إلى تفسير، فالتقارير الصحافية التي تتناول الظاهرة الإسلامية أو حتى الإسلام ذاته لا تقدم على أنها تقارير تحوي وجهات نظر سياسية تمثل كاتب المقال أو أنها قد تحوي - أحيانًا في طياتها - آراء متحيزة، على العكس فهي تقدم وكأنها الحقيقة بذاتها لا تشوبها شبهة أو جهل بواقع الأمور، وبذلك تتخلل تلك "الحقائق" الخطاب اليومي للأفراد والدولة.
إن نظرة سريعة إلى بعض العناوين التي وردت في بعض الصحف الإنجليزية كمثال كفيلة بتبيان كيف أن التغطية الإخبارية قد نجحت في بناء صلة ما بين المسلمين وأفكار العنف والإرهاب واحتقار حياة الإنسان وحقوقه ولا سيما المرأة والأقليات:
"المسلمون البريطانيون يرسلون إلى معسكرات تدريب إسلامية".
"إيطاليا تشدد من إجراءات الأمن بعد تحذير بعمل إرهابي إسلامي".
"كلينتون يرأس قمة ضد الإرهاب الإسلامي".
"فرنسا تخشى من عملية إرهابية إسلامية طويلة".
"متعصبون إسلاميون يقتلون بريطانيًّا في إطار حملة إرهابية".
"المسلمون المتطرفون يتحدون الرؤية الأوروبية العلمانية للدولة".
تأطير الإسلام
الهدف إذن هو تبيان كيف أن الصحافة البريطانية على مدى العشر سنوات الماضية قد تمكنت من تأطير الإسلام، أي أنها رتبت مقدمًا - ومن خلال التوصيفات التي ألصقت به - ما ستكون عليه صورة الإسلام، بحيث أتت النتائج وفق ما رغبت. بمعنى آخر، أن الإسلام قدم من خلال إطار معرفي معين أهم خصائصه العنف والتطرف والتشدد ومشاعر العداء تجاه كل ما هو غربي. وبدلاً من تقديم توقعات صحيحة أو محاولة لفهم ما يجري، تم عمل دراما جعلت الخوف من تهديد دائم أمرًا محسوسًا. وقدم بالمثل من خلال ما يشبه الإخراج المسرحي لموضوع العنف السياسي من قبل الإسلاميين في الشرق الأوسط في إطار الأزمة التي من خلالها تشكلت العلاقة بين الإسلام والغرب في النصف الثاني من القرن العشرين.
ولمعرفة كيف تطورت هذه العلاقة في السنوات الأخيرة تظل دراسة الصحف والتقارير الصحافية أمرًا مهما؛ ذلك لأن أجهزة الإعلام قدمت الخطاب الإعلامي الذي استطاع تقديم تقارير جديرة بالتصديق من خلال تجميع للأحداث التي وقعت في المنطقة العربية، ولأن أجهزة الإعلام كانت الوسيلة الوحيدة التي تمتلك الأدوات التي تستطيع أن تجعل هذه الأزمة أمرًا محسوسًا وذا وجود حقيقي وملموس، وكذلك هي وحدها الكفيلة باستخدام أساليب السرد أو الحكي الذي يتناسب مع توقعات جمهور القراء، وبالتالي يمكن ملاحظة أن الإسلام من خلال تغطية أخباره في الصحف البريطانية قد تمَّ تحويله إلى نظام من الرموز Signs تتكرر بشكل مستمر من أشخاص ذوي لحى طويلة وكثَّة ونساء محجبات وقبضات أيدٍ مرفوعة غالبًا تمسك بشعارات الجهاد أو الشهادة أو الموت للشيطان والجماهير المتعصبة الجامحة.
تفكيك هذا الخطاب الإعلامي يثير جدلاً حول مدى التحيز في التصوير الذهني للإسلام في الصحف البريطانية، فالصحافة في الغرب دائمًا متهمة بتقديم صور ذهنية متميزة عن الإسلام والمجتمعات الإسلامية؛ غير أنه بالنسبة إلى الكثيرين يبدو أن موضوع التحيز bias أمر لا يخلو من المشكلات؛ لأن تلك الفرضية القائلة بالتحيز تحمل معنى ضمنيا بأن تلك الصورة المتحيزة يمكن أن تقارن بصورة أخرى من الحقيقة الموضوعية، كما أنها أيضًا تشير – ولو تلميحًا - إلى الاعتقاد بنظرية المؤامرة أو وجود دوافع داخلية لدى العاملين بأجهزة الإعلام الغربية، وهي أمور لا يمكن قياسها.
فالموضوعية دائمًا نسبية وترتبط بنظام مفاهيمي معين وقيم ثقافية، غير أنه مثلما تثير فكرة التحيز جدلاً شديدًا، فإن فكرة الموضوعية أيضًا لا تخلو من بعض المشكلات، حيث لا يستطيع أحد من العاملين بأجهزة الإعلام الغربية ادعاء الموضعية فيما يكتب عن الإسلام؛ لأن الموضوعية- كما أوضح كثير من الدارسين- تنتفي حينما يكون هناك صراع أو خلاف بين النظم والمفاهيم والقيم الثقافية السائدة في مجتمعين مختلفين. الموضوعية إذن وفق ذلك المنظور تصبح "فعلا سياسيا" لممارسة السلطة على الآخرين.
ربما نستنتج إذن أن دراسة التغطية الصحفية للإسلام في الجرائد البريطانية لا يجب النظر إليها ودراستها من مفهوم التحيز والموضوعية، بل من الأفضل دراستها من خلال عملية التأطير Framing. وهذه العملية يتم بموجبها التأكيد على أن التفسير الذي يقدم للحقيقة بواسطة الملاحظ - وهو في هذه الحالة الصحفي - إنما هو نموذج يمكن الدفاع عنه؛ وبالتالي من خلال هذه العملية يتم التأكيد على بعض الخاصيات، بينما يتم إهمال البعض الآخر بل وأحيانًا عدم ذكر خاصيات أخرى على الإطلاق. وتبدو الاعتبارات الأيديولوجية ذات أهمية قصوى في عملية اختيار الإطار الذي توضع فيها قصص إخبارية معينة، وتصير تلك الاعتبارات بمثابة القيم التي بموجبها يتحدد الخطاب العام فيما يتعلق بشأن معين وهو في هذه الحالة الإسلام.
وأكثر الإطارات شيوعًا لتوصيف الإسلام هو إطار الأزمة، التي تم اختصارها في فئات العنف والإرهاب والتطرف وكراهية الغرب.
مثل هذا الإطار يعطي أهمية أكثر للضحايا الأبرياء للعنف الذي يرتكبه المسلمون العرب ضد الإسرائيليين- دون أن يشير إلى العكس- أو العنف الذي يمارسه المسلمون المتطرفون ضد خصومهم سواء كانوا الدولة أو النساء أو الأقليات. ومن الصعب أن نجد قصة إخبارية في الصحافة البريطانية تقدم الصراع بين الإسلاميين وحكوماتهم على أنه نضال مشروع؛ وذلك لأن القصة الإرهابية تبدو مناسبة أكثر، لأنها تمد الصحفيين بطرق مختصرة في سعيهم للحصول على المصادر والصور والسياقات التي تصاغ فيها القصة الإخبارية. ووفقًا لما يقوله أحد النقاد فإن القصة الخبرية عن الإسلام تم وضعها بصورة حازمة في إطار أخبار الاضطرابات.
إذا أردنا فهما أعمق للبناء المفاهيمي المستخدم في الكتابة والتغطية لأخبار الإسلام في الصحف البريطانية، فلا بد وأن نتحرى بشكل أكثر تفصيلاً كيف أن القيم والمفاهيم الغربية كانت بمثابة الفيصل الوحيد الذي على أساسه تتحدد الموضوعية في التعامل مع القصة الإخبارية عن الإسلام. والغريب أن القيم الغربية لم تكن المعيار الذي يقاس عليه داخل الإطار الثقافي الغربي فقط، بل أيضًا كانت المعيار الذي تقاس عليه حتى القيم والأطر التي تقع خارج هذا الإطار، وينطبق هذا القول على الإسلام بطبيعة الحال.
المسلمون مقلوب كل ماهو غربي
خلال العشرين عامًا الماضية كان البناء المفاهيمي للإسلام في أجهزة الإعلام الغربية يُرَكِّز على المد المتزايد لظاهرة التدين، الذي بدأت واستمرت تباشيره مع ظهور الثورة الإيرانية التي تبنت خطابًا إسلاميًّا. بل يمكن القول إن نشأة الظاهرة الإسلامية كان مركبًا أساسيًّا في البناء المفاهيمي للصورة النمطية للإسلام في أجهزة الإعلام البريطانية، حيث تم تصوير المسلمين وكأنهم يمثلون كل ما هو معاكس للغرب، وبالفعل فإن بعض الكتابات الغربية – وحتى الإسلامية في بعض الأحيان - أدت إلى التركيز المطلق على أبنية مفاهيمية وقيم ثقافية لكل من الجانبين حينما تبنت النسق الغربي على أنه الإطار المفاهيمي الوحيد الذي يمكن من خلاله فهم الظاهرة الإسلامية والإخبار عنها. هذا الإطار قدم الأرضية التي تم فوقها بناء صورة للإسلام أصبحت في حكم التقديس أو موثوقا بصحتها على حد قول أدوارد سعيد. ولا بد من الاعتراف بأن الغرب قد احتل بالفعل مكانًا في الخطاب الإسلامي غير أن كل التقارير الصحافية الغربية - بل وبعض الكتابات الإسلامية - قدمت تصويرًا للظاهرة الإسلامية فقط من خلال علاقتها بالغرب والهيمنة الغربية وكأنها مضادة للقيم الثقافية الغربية. وقد أسقط تمامًا من حسابات هؤلاء الكُتَّاب أن فهم ودراسة الظاهرة الإسلامية لا بد وأن يتم في إطار منظومة من العلاقات، وأن الغرب لم يكن سوى عنصر واحد من عناصر عديدة ساهمت في تطورها، وليس بالضرورة العنصر الأوحد.
وعلى الرغم من وجود شبه إجماع أكاديمي على أنه لا يوجد غرب واحد أو ظاهرة إسلامية واحدة، فإن الخطاب الإعلامي حول الإسلاميين كان يجنح لاستخدام ثنائيات الإسلام والغرب. ويتم الإخبار عن هاتين الفئتين في إطار بناء للحقيقة يتم من خلاله تعريف الأمور الإسلامية والأمور الغربية على أنهما نقيضان، ويتم تقسيم العالم إلى غرب ولا غرب؛ بل ويمكن من خلال تلك التقارير تتبع منطق عمل على ترسيم الحدود بين عدد من السمات الإيجابية والسلبية بين الغرب والبقية الأخرى، وبالتالي نجد أن هناك تناقضًا بين الحداثة التي يمثل الغرب خلاصتها بالحضارة والديمقراطية والعقلانية والحرية، وبين اللاحداثة التي تمثل البربرية واللاعقلانية والعبودية.
وفي تقييمهم للعلاقة بين الغرب والظاهرة الإسلامية، أعطى الكثير من الكتاب أهمية قصوى لرفض الإسلاميين للنسق الغربي، وقدمت تلك الفكرة على أنها موضوع رئيسي في خطابهم؛ ويشير البروفسور أرنست جيللنر إلى أن محورية الخطاب العدائي للغرب في فكر الإسلاميين إنما ترجع بالدرجة الأولى لما وصفه بـالصدمة التي أحدثها التأثير الغربي على المجتمعات الإسلامية، وقد أدى ذلك بدوره إلى استفهام المسلمين أنفسهم عن مدى فائدة مفرداتهم الدينية والثقافية، وهذه العملية التي جعلت المسلمين يتناقشون حول المقدس، أدت بهم إلى ما وصفه الكتاب الغربيون بأنه عودة للنموذج المحلي المثالي والريبة في كل ما هو أجنبي.
في إطار هذا الخطاب كان الغرب يمثل إنكاراً للإسلام ورمزاً للإمبريالية، وقهر الدولة، وسوء الإدارة اقتصاديًّا وزوال القيم الثقافية المحلية.
بوبي سيد يعتبر أحد الكتاب الإسلاميين الذين يؤمنون بوجهة النظر تلك، ويرون أنها تفسر كيف تم بناء الصورة الصحفية للإسلام في الغرب على أنه الآخر المتطرف الذي لا يمكن قبوله؛ غير أن وجهة النظر تلك لا تخلو من مشكلات عديدة؛ لأنها تفسر الظاهرة الإسلامية من خلال علاقتها فقط بما يسمى إبطال مركزية الغرب، كما أنها تتجاهل تمامًا أن الظاهرة الإسلامية لا بد من تفسيرها كجزء من نسق من العلاقات والصراعات مع فاعلين آخرين، الذين تتصارع معهم للاستحواذ على السلطة وتحقيق إجماع الرأي. ورغم أن الإسلاميين قاموا بالفعل بترسيم بعض من حدودهم وخطابهم في إطار علاقاتهم بالغرب، لا سيما فيما يتعلق بالأخلاقيات، فإن جانبا عظيما من نضالهم وصراعهم كان دائمًا حول مدى سيطرة الدولة، وحدود نشاطها، وكذلك الميادين العامة والخاصة، وقد كان من تأثير تلك المناقشات أن الظاهرة الإسلامية قد تم إخراجها من النطاق الذي حدثت فيه، وتم اختزالها في كونها مجرد ردة فعل لعملية إبطال مركزية الغرب في فترة ما بعد الاحتلال.
الظاهرة الإسلامية رد فعل لكل ماهو غربى
الإخبار عن الظاهرة الإسلامية في الصحافة البريطانية تمَّ من خلال خطاب الأزمة، وتم اختصار تلك الظاهرة في كونها مجرد رد فعل للبناء المفاهيمي الغربي، وإذا توقفنا عند مفهوم الأزمة سنجد أنه لكي تكون الأزمة واضحة للرأي العام فالأمر لا يتوقف عند حدوثها فقط؛ وإنما يجب أن يتم إخراجها بشكل مسرحي، وهذه العملية- كما يقول أرماندو سلفاتوري- تتطلب حدثاً يمكن سرده وفقًا لنماذج متاحة وبسيطة ومفهومة ثقافيًّا، وحيث يتم الحصول على إجماع الآراء فيما يتعلق بمن يكون الشخص السيئ. وقد أوضح كثيرون بأن مثل هذا العمل لم يَعُد مقصورًا على الأعمال الفكرية ذات الصبغة الأكاديمية، ولكن يتطلب تحقيقه أيضا التقنيات والحيل التي تمتلكها أجهزة الإعلام.
ويمكن الاستنتاج من ذلك أن هناك حدثين كانا أساسيين لعملية الإخراج المسرحي للظاهرة الإسلامية وتقديمها في إطار الأزمة: وهما الثورة الإيرانية؛ وموجات العنف الدامي التي قامت بها حركات الاحتجاج السياسي في بعض بلدان "الشرق الأوسط" في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. وقد كان لهذا الإخراج المسرحي دور أساسي، حيث أدى إلى تغيرات مهمة في الطرق التي يتم بها استخدام الإسلام عبر الحدود الثقافية لتعريف الهوية الغربية.
ويمكن القول الآن إن اهتمام الغرب بتغطية الظاهرة الإسلامية لم يكن الهدف منه هو تقديم تأصيل وتوصيف محايد وموضوعي للأفعال السياسية التي ترتكب باسم الإسلام في المجتمعات الإسلامية، وإنما كان الهدف أن تمد هذه الظاهرة الغرب بصورة نقيضة تعيد تعريف الذاتية السياسية له في وقت تمر فيه هويته بأزمة، وبالتالي تصبح الظاهرة الإسلامية ظاهرة بالفعل حينما يشعر المراقب في الغرب – وهو هنا الصحفي وصنَّاع السياسة الخارجية – بأنه في حاجة إلى التفكير مليًّا فيها. وهو ينظر للإسلام إذن ليس على أنه حضارة مكونة من نص وقانون، ومنغلقة على نفسها، ولكنه يصبح موضوعًا عالميًّا يحتل مرتبة ذات أولوية في الأجندة السياسية الغربية.
وتمثيل الإسلام من خلال الدعاية المداومة لمجموعة معينة من الأفعال– العنف، الإرهاب، والتطرف - قد أثبت بالفعل فعاليته في التأثير على الرأي العام؛ وبالتالي منذ وقوع الثورة الإيرانية سيلحظ قارئ الصحف البريطانية أن أكثر العناصر مداومة في التغطية الإخبارية للمنطقة، هو ذلك الوجود المكثف لفكرة الأزمة كفئة مُسَلَّم بها.
التغطية الصحفية:
كانت هناك ثلاثة محاور رئيسية تكونت من خلالها الصورة النمطية للإسلام في الصحف البريطانية: خلال عقد التسعينيات.
أولاً: "العنف" الذي ارتكبته جماعات الاحتجاج السياسي في "الشرق الأوسط" مثل حماس في فلسطين والجماعة الإسلامية في مصر والجيا في الجزائر.
ثانيًا: الشبكة العالمية (المزعومة) للإرهاب الإسلامي الذي اجتاحت بعض موجاته أوروبا خلال التسعينات.
ثالثًا: الثورة الإيرانية، وما تلاها من ممارسات إيرانية داعمة "للإرهاب".
ويبدو التركيز على الظاهرة الإسلامية أمرا جوهريا لبناء هذه الصورة النمطية؛ لأنها أدخلت في نطاق التغطية مجموعة من الموضوعات المتعددة مثل الحريات المدنية، حقوق الأقليات، التعددية الثقافية، وحقوق الإنسان. ويبرز الدين كذلك كعنصر سائد، حيث يتم التركيز على صور من تاريخ الأديان سواء كان تاريخا إسلاميًّا أو مسيحيًّا، ويتم استدعاء تلك الصور وتوظيفها لتدعيم مقولات ووجهات نظر معنية.
والإسلام وفقًا للتغطية الصحفية كان لديه بعض الخصائص التي قدمت على أنها تهدد دوام النظام الليبرالي، وقد اعتمد البناء المفاهيمي للإسلام في الصحف على وجود مكثف في الخطاب الإعلامي لتصنيفات على شاكلة "الإرهاب الإسلامي"، "المحاربين الإسلاميين"، "الإرهابيين الإسلاميين"، "الديكتاتور الإسلامي"، "الهجمات الإسلامية"، و"الإرهاب الإسلامي المتشدد". وكان الخط الذي يربط بين معظم القصص الإخبارية هو اعتبار النموذج الغربي على أنه النموذج الأمثل والمرجعية التي توضع في مكان نقيض من تلك الخصائص المرتبطة بالنموذج الإسلامي، وبالتالي يتم التعامل مع العالم الإسلامي من جهة كيفية اختلافه عن وتعارضه مع الغرب بدلاً من اعتباره والحكم عليه وفقًا لمعاييره وقيمه الثقافية.
إذن تم بناء الظاهرة الإسلامية على أساس أنها موجة من موجات التشدد الغير قابلة للفهم في إطار النموذج الليبرالي العقلاني الغربي؛ وإحدى الخاصيات التي تستخدم في هذا الإطار لإقصاء الإسلاميين من التراث الإنساني الغربي هو تصويرهم على أنهم لا يُكِنُّون أي احترام على الإطلاق لقيمة الحياة الإنسانية، وهو الأمر الذي يتمثل في صور العنف الدامي التي لا يتورعون عن القيام بها من مذابح للنساء والأطفال والعجائز كما كان يحدث في الجزائر. وتأتي وجهة النظر تلك على خلفية الدولة الرؤوفة ضد الإرهاب الشيطاني، غير أنه يمكن دحضها بالإشارة إلى السلطة القهرية للدولة أو عنف الدولة المقابل، وبالتالي فالظاهرة الإسلامية لم يتم الإخبار عنها في إطار نسق من العلاقات، ولكن على العكس من ذلك تم إخراجها تمامًا من المحيط الذي وقعت فيه؛ وبتالي أصبح أحد معالم هذه التغطية الإخبارية هو الجنوح لتحقيق الفصل بين الحقائق الإخبارية والنطاق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي وقعت فيه، والذي أدى لظهورها بالأساس والذي لا يمكن فهم تلك الظواهر فهما صحيحًا إلا من خلاله، وبالتالي وفقًا لهذا المنهج في التغطية أصبحت حقيقة أن العنف السياسي الذي وقع في مصر أو الجزائر على سبيل المثال – والذي مرَّ بمراحل متفاوتة قبل أن يتحول إلى نوع من الاحتجاج السياسي السلمي أولاً ثم العنيف - أصبحت هذه الحقيقة تقابل بنوع من التجاهل التام.
تغطية الشأن الجزائري – على سبيل المثال - اختصرت إلى مجرد التركيز والإشارة إلى عدد ضحايا العنف ورد فعل الدولة ضد الضربات التي سببتها الجماعة الإسلامية وربما على أكثر تقدير يكون هناك جملة أو جملتين يتكرر ذكرها كمعلومات خلفية، وهي أن هذه الأفعال ترتكبها جبهة الإنقاذ الإسلامية والتي فازت بالانتخابات المحلية. وفي حالة الجماعة الإسلامية بمصر تكون العبارة التوضيحية المصاحبة عادة لتوضيح دوافع العنف مختصرة دائمًا في قلب نظام الحكومة العلمانية وإقامة دولة إسلامية.
هذه التغطية تسعى إلى إدخال شيئًا ما في ذهن القارئ أو ما يعرف بمنهج التلقيح، حيث يحتوي التقرير الإخباري على أخبار غير متوازنة: فبينما يشير إلى حوادث عنف لا يتحدث عن الأسباب التي أدت لوقوع تلك الحوادث. وهذا الإجراء من شأنه أن يقدم خطابًا إعلاميًّا خارج سياقه التاريخي Dehistoricise حينما ينظر إلى تلك الهجمات وهذا العنف على أنه جزء من الموروث الإسلامي لا يحتاج إلى تفسير أو أن يوضع في نسقه التاريخي والسياسي الذي أدى لظهوره، وبالتالي يصبح كون هذا العنف أو تلك الهجمات أو احتقار المرأة وحق الحياة إسلاميًّا أمرًا بديهيًّا. العنف إذن – كما تبرزه الصحف البريطانية - يرتكب لأن هذه الجماعات مسلمة تعتنق الإسلام، وبالتالي يتم الإخبار عن العنف وكأنه أمر محتم لتحقيق النظام الإسلامي.
والميل نحو تقديم تساؤلات حول نواحي معينة في الإسلام - ولا سيما فيما يتعلق بالمرأة - كانت سائدة في كثير من القصص الإخبارية، حيث تناولت إحدى التقارير على سبيل المثال موضوع حول وضع المرأة في مصر في ظل ما أسمته المحررة بـ الصعود المتنامي للمد الإسلامي.
تبدأ الجملة الافتتاحية بالمقال على هيئة اقتباسه على لسان إحدى ناشطات حقوق الإنسان في مصر والتي عرفت في المقال على أنها (قبطية)، وتقول بأنها "تألمت بشدة لما آل إليه حال النساء في مصر؛ فبينما كانت نساء مصر في وقت من الأوقات رائدات الحركة النسائية في العالم العربي أصبحن متخلفات بفضل موجات الإحياء الإسلامي". وتنتهي الاقتباسة على مدى التقرير، حيث تم تصوير الإسلام – من خلال كلمات هذه الناشطة وسيدتين أخرتين من المدافعات عن حقوق النسوة – على أنه السبب الرئيسي وراء إقصاء المرأة من العمل العام ومعاملتها كمخلوق من الدرجة الثانية. وصُوِّر الإسلام على أنه دين النسوة ذوي الخلفية الريفية المحافظة، وليس النساء اللائي ينتمين إلى الأوساط المتحررة المثقفة؛ ومن خلال التركيز على (الإحياء الإسلامي) تم تصوير الإسلام وكأنه العامل الوحيد الذي أدى لاضطهاد الفتيات القبطيات وأزال حقوق المرأة وأن النساء اللائي يطالبن بتلك الحقوق يقعن دائمًا تحت طائلة التهديد.
هذه التقارير مثيرة للمخاوف؛ لأنها ورغم حرص المحرر أو المحررة على التحدث إلى عناصر ومصادر محلية، إلا أنها وعلى الرغم من ذلك لا تقدم تقارير محايدة حينما تقوم بإقصاء الرأي السائد، وهو في مثل هذا التقرير يكون – على سبيل المثال – رأي النساء المسلمات اللائي يدور حولهن المقال في المقام الأول. ولك أن تلحظ أنه اختار ناشطة حقوق إنسان قبطية للتحدث عن الاضطهاد الذي تواجهه المرأة من جرَّاء الإحياء الإسلامي. لا بد أن نلحظ إذن كيف أن هناك مشكلة متعلقة بالمصادر التي توجد في تلك القصص الإخبارية، حيث تجنح معظم هذه التقارير إلى التحدث إلى أولئك الذين (يشبهوننا) أي يشبهون الغرب Those who are like us.
وهذا يثير قضية المصادر التي تُستخدم عند الكتابة عن الظاهرة الإسلامية، وهناك إذن استنتاج آخر: وهو أنه يمكن ملاحظة ميل العديد من الصحفيين للتحدث إما إلى أصوات متطرفة تدعم صورة الدين المعروفة كدين عنف وتطرف، أو مصادر محلية ولكنها "مُغرِّبَة" علمانية تقدم على أنها ضحية هذا التطرف والعنف وتعاني من غضبة الإسلاميين وغالبًا ما تكون هذه الفئات إما النساء أو الأقليات. وهذا يقودنا إلى الاستنتاج الأخير وهو أن سياسات الشرق الأوسط والأحداث التي تقع فيه قد تحولت بفعل التغطية الإخبارية إلى كونها حركة رجعية دينية مستعصية على الفهم بالنسبة للقارئ الذي يعيش في ديمقراطية غربية علمانية، وبالتالي ليس مستغربًا إذن كيف أن الغرب ما زال غير قادر على فهم كيف ظهر هذا العنف وتطور؟ وماذا يعني بالنسبة للمجتمعات التي ظهر فيها ؟
|