English

 

الاثنين. سبتمبر. 19, 2005

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » شؤون عالمية

 
أهم الأخبار  

في عامها الستين.. الأمم المتحدة في طريقها للتقاعد

محمد جمال عرفة

قادة وزعماء العالم يفشلون فى الاتفاق على إصلاح المنظمة الدولية
قادة وزعماء العالم يفشلون فى الاتفاق على إصلاح المنظمة الدولية
يبدو أن الأمم المتحدة شأنها شأن البشر، تستعد للإحالة إلى التقاعد في العام الستين من عمرها بعدما فشلت خطط إصلاحها في "القمة العالمية" التي عقدت بمناسبة مرور 60 عاما على نشأتها في سبتمبر الجاري 2005، نتيجة الهيمنة الأمريكية والغربية عمومًا على أعمال المنظمة الدولية، وإجهاض كافة مطالب دول الجنوب لصالح دول الشمال الغنية.

إن وثيقة إصلاحات المنظمة الدولية التي صدرت في ختام هذه القمة العالمية لن تجدي نفعًا في تمشيط شعر المنظمة الدولية المجعد نتيجة التدخلات الغربية بسبب الانقسامات الحادة بشأن كل مشكلة بين دول الشمال ودول الجنوب، وسعي الأقلية (الدول الكبرى الغنية التي تدفع قرابة 50% من نفقات المنظمة الدولية) إلى سد الطريق أمام رغبات الأغلبية في إصلاح حقيقي للمنظمة.

وبعد أن كان المتوقع هو إصدار "وثيقة ختامية" إصلاحية حقيقية تتضمن مطالب الأغلبية من الدول الفقيرة والصغيرة، فوجئ الجميع بوثيقة متواضعة أقرب للبيانات الصحفية تبخرت فيها أحلام الأغلبية من الصغار وبقيت مطالب الأقلية من الكبار هي المهيمنة؛ وهو ما اعتبره كثيرون علامة على فشل القمة؛ فآمال دول العالم الصغيرة والفقيرة قد تحطمت على صخرة رفض القوى الكبرى لأهم مطالبها، والموافقة فقط على ما يتوافق مع مصالح الكبار لحد إعلان دول مثل الولايات المتحدة أنها ليست ملزمة بما جاء في الوثيقة بشأن التزامات تراها غير مرغوب فيها مثل معاهدة "كيوتو" للسيطرة على الاحتباس الحراري.

إن الحاصل النهائي لهذه القمة بعد صدور وثيقة الإصلاح هو المزيد من الآمال الخائبة لدول الجنوب بعد أن غاب الاتفاق على أغلب القضايا الجوهرية مثل تعريف الإرهاب وحقوق الإنسان وإصلاح المنظمة الدولية، وعدم إلزام الدول الغنية الكبرى بمساعدة الدول الفقيرة؛ وهو ما يعيد بدوره طرح السؤال التقليدي عن كيفية إصلاح الأمم المتحدة مستقبلا في ظل سيطرة الدول الكبرى ورفضها أي مطالب جوهرية تتقدم بها غالبية دول الأمم المتحدة، وعلاقة هذا بالعدالة والديمقراطية العالمية واحترام الأقلية لمطالب الأغلبية بعيدا عن احتماء الغرب وراء القوة العسكرية والاقتصادية لرفض أي إصلاح حقيقي للأمم المتحدة خشية أن يسلب هذا منها نفوذها وسيطرتها على المنظمة الدولية.

رفض مساعدة الفقراء

كانت مسألة مكافحة الفقر وزيادة المساعدات الخارجية من الدول الغنية للدول النامية إحدى النقاط المهمة التي سعت الدول الفقيرة للتشديد عليها، ولكنها اصطدمت بعقبة الرفض الأمريكي الذي أغضب الدول النامية عندما تحركت واشنطن لتخفيف صياغة تحث الدول الغنية على زيادة المساعدات الخارجية إلى 0.7% من إجمالي الناتج القومي؛ وهو ما وعد به الأوربيون لتخفيف الفقر ووفيات الأطفال ووقف انتشار الإيدز بحلول العام 2015.

ورغم موافقة مندوبي الدول الأوربية بشكل عام على مجموعة الإصلاحات التي اقترحها الأمين العام للأمم المتحدة "كوفي عنان" بشأن الفقر وتخفيض نسبته إلى النصف خلال السنوات العشر القادمة وخفض مخاطر الحرب والإرهاب وتعزيز حقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين، فقد جاء الرفض الأمريكي ليعطل هذا المطلب المهم بعدما جرت مقاومة عبارات تحتم زيادة المساعدات الخارجية.

بعبارة أخرى: سعت واشنطن لحذف أي إشارة إلى أهداف "الألفية الإنمائية" التي اتفق عليها العالم بأسره في عام 2000 من أجل الحد من الفقر والأمراض. وإزاء حملة الاحتجاجات التي واجهتها، اضطرت الولايات المتحدة إلى تقديم تنازل "شكلي"؛ حيث وافقت على ذكر أهداف الألفية الإنمائية، وعلى تضمين النص إشارات إلى تعهد الدول الغنية برفع مستوى مساعدتها العامة للتنمية إلى نسبة 0.7% من إجمالي ناتجها المحلي بحلول عام 2015 والالتزام ببروتوكول كيوتو للحد من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري، ولكنها قالت في النهاية: "إنها لا تشعر أنها ملزمة بهذه التعهدات"!.

لا توسيع لمجلس الأمن

والأكثر دلالة على تحكم الدول الكبرى في الأمم المتحدة، ورفض أي إصلاحات تضر بقدرتها على تسيير المنظمة كأداة في يدها.. أن الوثيقة الختامية خلت من الحديث عن توسيع مجلس الأمن تماما بسبب الفيتو الأمريكي، رغم أن آخر توسيع للعضوية جرى عام 1965 عندما أضيفت أربعة مقاعد غير دائمة، وأصبح المجلس منذ ذلك التاريخ يضم 15 دولة في عضويته.

وعندما بدأت الأمم المتحدة في أكتوبر الماضي 2004 مداولاتها حول موضوع توسيع وإصلاح مجلس الأمن ضمن الإصلاح الشامل للمنظمة، ركزت بيانات الوفود على بحث مسألة إصلاح مجلس الأمن من زاويتين رئيسيتين:

(الأولى) هي ما إذا كان التوسيع سوف يمتد إلى فئتي العضوية الحاليتين، وهما العضوية الدائمة وغير الدائمة، وما يرتبط بذلك من قضايا مثل صلاحيات الأعضاء الدائمين الجدد، وما إذا كانوا سيحصلون على حق النقض (الفيتو) أم لا؟.

أما الزاوية (الثانية) فكانت السعي لتحسين نظام العمل بالمجلس، وجعله أكثر ديمقراطية وشفافية بحيث تكون قراراته معبرة بصورة أفضل عن توافق الآراء على الساحة الدولية.

لقد كانت هناك آمال لدول الجنوب أن تجمع الصفقة الجديدة بين عدالة توزيع المقاعد الجديدة ومراعاة تمثيل جميع المناطق الجغرافية، وتفعيل عمل المجلس وإكسابه الشفافية والحياد والموضوعية الذي كانت دول عديدة تحلم به، لكن جرى إهمال كل هذا ببساطة؛ لأن الدول الكبرى استشعرت أن التوسيع معناه انضمام دول مثل الهند وألمانيا ودول إفريقية وآسيوية ولاتينية أخرى للمجلس، وهي دول تعارض مصالح الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة.

وفي مقابل عدم الاتفاق على توسيع المجلس نصت الوثيقة على عزم الأسرة الدولية على التحرك عبر مجلس الأمن الدولي بما في ذلك استخدام القوة، إذا كانت أي دولة "عاجزة بوضوح" عن حماية سكانها المهددين بحملة إبادة أو جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو بعمليات تطهير عرقي. وهذا النص إيجابي بالطبع، لكن ثمة مخاوف من بعض الدول أن يكون ستارا آخر للمزيد من التدخل في الشئون الداخلية للدول، لا سيما أن هذا الأمر بيد الدول الأعضاء بمجلس الأمن دون غيرها.

المقاومة إرهاب

الولايات المتحدة تفرض وجهات نظرها على المنظمة الدولية 

أيضا انتهى الأمر عند بحث بند الإرهاب بتغليب وجهة النظر الغربية، وتجاهل وجهة نظر دول الجنوب التي شددت على استثناء "المقاومة" ضد الاحتلال والعدوان من أشكال الإرهاب؛ فرغم إجماع قادة العالم على إدانة الإرهاب "بكل أشكاله ومظاهره، أيا كان منفذوه ومكانه وغاياته" في الوثيقة، فإنهم اختلفوا على تعريفه وسبل مكافحته.

وقد فشلت المجموعة العربية في إدراج بند يؤكد على "حق الشعوب في مقاومة الاحتلال"؛ لأن التعريف الذي اقترحه الغربيون عام وفضفاض، ويدين مقاومة الاحتلال؛ حيث يشير إلى أن "قتل مدنيين من أجل تحقيق أهداف سياسية هو عمل إرهابي". وهو ما يعني إدانة أعمال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي في فلسطين والعراق مثلا، ومن ثم جرى استبعاد هذه القضية من البيان الختامي، وتم الاكتفاء بالدعوة إلى إبرام معاهدة شاملة حول الإرهاب قبل أيلول/سبتمبر 2006.

السلاح النووي للكبار فقط

والأغرب أن قضية السلاح النووي التي كانت وثيقة الأمم المتحدة الأصلية تسعى لمواجهة انتشاره، جرى خلاف حولها، حسمته واشنطن برفض التخلي عن سلاحها النووي رغم استعداد موسكو لهذا؛ فقد تبنت موسكو فكرة التزام القوى النووية بالتخلي عن سلاحها الذري أملا في السعي لوضع قيود على إنتاج دول أخرى للسلاح النووي مثل كوريا الشمالية وإيران.

ولكن هذا البند المهم اصطدم بالاعتراضات الأمريكية الرافضة التخلي عن سلاحها النووي، وتم التغاضي عن هذا البند في الوثيقة الختامية في نهاية الأمر؛ وهو ما دفع "عنان" للإعراب عن أسفه لفشل الدول الأعضاء في التفاهم على هذه القضية التي تعد واحدة من القضايا الكبرى في الوقت الراهن، قائلا: إنه "أمر شائن"، مشيرا إلى أن هذه هي المرة الثانية خلال العام نفسه التي تنتهي بالفشل في مناقشة هذه القضية بعد مؤتمر سابق حول منع الانتشار النووي عقد في مايو الماضي واستمر شهرا كاملا. كما أبدى رئيس الوزراء السويدي "غوران بيرسون" الرئيس المساعد للجمعية العامة للأمم المتحدة.. أسفه للفشل في الاتفاق على نهج مشترك لمنع انتشار الأسلحة النووية أو إستراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب.

أمريكا تنتقد الأمم المتحدة

الرئيس الفنزويلى هوجو شافيز يدعو إلى نقل مقر الأمم المتحدة من أمريكا 

الخلاصة أن مطالب الكبار كانت حاضرة وبقوة خصوصًا في إجهاض مشاريع توسيع مجلس الأمن الذي تهيمن عليه هذه الدول الكبرى، وتفرض من خلاله العقوبات على الدول الخارجة عن طاعتها. بيد أن الأغرب كان سعي واشنطن لاستغلال الحديث عن الإصلاحات لممارسة نوع من الضغط على الأمم المتحدة؛ فتحدثت الوثيقة عن ضرورة "تحسين ممارسة إدارة الأمم المتحدة التي تضررت سمعتها إلى حد كبير بفضيحة برنامج النفط مقابل الغذاء". وحرص الرئيس الأمريكي "بوش" على التشديد على "أمم متحدة حرة من كل فساد" دون أن يتطرق لسيطرة الدول الكبرى على المنظمة الدولية.

وتذكر مقولة "بوش" هذه بما أوجزه الكاتب الأمريكي "توماس فريدمان" في إبريل 2005 في صحيفة "نيويورك تايمز" حول وجهة النظر الأمريكية من إصلاح الأمم المتحدة عندما كتب "لا أهتم كثيرا بكيفية عمل منظمة الأمم المتحدة كجهاز إداري، لكنني أهتم فعلا بإمكانية مشاركتها في دعم ومؤازرة وتعزيز قوة الولايات المتحدة.. هذا على وجه التحديد هو ما يخدم مصلحتنا الوطنية".

وفي هذا الصدد تدخلت واشنطن في تفاصيل إنشاء "لجنة لترسيخ السلام"، وهي هيئة جديدة للأمم المتحدة ترمي إلى تجنيب البلدان الخارجة من الحرب الوقوع من جديد في أعمال العنف بسبب غياب المساعدة الدولية الملائمة.

ورغم أنه لم يتم الاتفاق على تشكيل هذه اللجنة أو تفاصيل عملها، فإن الوثيقة دعت إلى أن تبدأ عملها قبل نهاية 31 كانون الأول/ديسمبر المقبل، وأن تقدم كل سنة تقريرا إلى الجمعية العامة للمنظمة الدولية.

أيضا تدخلت واشنطن لتمرير فكرة تم تأجيلها إلى مرحلة قادمة هي إنشاء "صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية" والذي أقره الأمين العام للأمم المتحدة، إلا أنه لم تتضمنه الوثيقة النهائية. ويذكر أن هذا الاقتراح كان قد تقدم به "بوش" في ديسمبر 2004 ليكون للأمم المتحدة دور في تقديم الدعم للدول الساعية إلى إنشاء أو تعزيز مستوى الديمقراطية، على اعتبار أن هذا يتناغم مع المطالب الأمريكية الداعية لفرض الديمقراطية خصوصا في منطقة الشرق الأوسط بزعم أنها موطن الإرهاب الذي انطلق في سبتمبر 2001 ليضرب الولايات المتحدة.

انتقادات لاذعة

ما سبق يؤكد أن المطالب الإصلاحية للأمم المتحدة قد ذهبت سدى بعد أن تم تفريغ كل شيء من محتواه بناء على الرغبة الأمريكية، وما قيل عن توافق في الآراء ما هو في الواقع إلا انعكاس لأزمة استمرار الديكتاتورية الدولية التي تأسست عام 1945.

لهذا لم تكن مفاجأة أن ترفض غالبية الدول الفقيرة والدول الساعية إلى إحداث توازن دولي.. هذه الوثيقة الضعيفة. فمثلا أصدرت كوبا وروسيا البيضاء بيانات رافضة لنتائج القمة، كما أن هناك دولا أخرى رفضتها أيضا دون بيانات، وتحدثت عن منطق القوة الذي يدير إصلاحات الأمم المتحدة لصالح الكبار؛ فقد وصف رئيس البرلمان الكوبي "ريكاردو ألتركون" القمة بأنها "زيف لا يمكن غفرانه"، واتهم واشنطن بمحاولة تحويل الأمم المتحدة إلى أداة لدكتاتورية عالمية، كما اعتبر الرئيس الفينزويلي "هوجو شافيز" وثيقة الإصلاح غير شرعية، ودعا إلى نقل مقر الأمم المتحدة من الولايات المتحدة الأمريكية إلى إحدى دول الجنوب المحايدة؛ لأن واشنطن تتحكم في قرارات المنظمة، ولا تنفذ قراراتها، وترفض الإصلاحات التي تطالب بها أغلب دول الجنوب، فيما أعرب نشطاء في مجال مكافحة الفقر عن استيائهم من نتائج القمة أيضا؛ لأن واشنطن رفضت الالتزام بمد يد العون لفقراء العالم.

الأكثر من ذلك أن الولايات المتحدة صاحبة الحديث الذي لا يُمل عن حقوق الإنسان لم تكترث بتفعيل دور الأمم المتحدة في هذا المجال؛ حيث أعرب رئيس الوزراء الكندي "بول مارتن" عن خيبة أمل عميقة من فشل القمة في دعم مجلس جديد لحقوق الإنسان، ووصف مفوض الشئون الخارجية في الاتحاد الأوربي بينيتا فيريرو فالدنر هذه اللجنة بأنها مجرد تغيير في اسم مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة التي فقدت الثقة بها.

وأخيرا..

الأمم المتحدة تبدو في عامها الستين بالتالي، وكأنها في طريقها إلى التقاعد بعدما فشل إصلاحها بسبب السيطرة الغربية على مقاليدها، خصوصا أنه لم تجر إصلاحات حقيقية عليها منذ نشأتها إلا بما يتوافق مع مصالح الغرب دون الأغلبية من دول العالم الصغيرة والضعيفة.

والوثيقة الختامية التي صدرت كانت أشبه ببيان صحفي لتبرير فشل الدول الـ199 في الاتفاق على إصلاحات موحدة، وعكست سيطرة الكبار بقدر ما عكست ضعف الصغار؛ فهل تدخل المنظمة النفق المظلم قريبا؟ وهل تتمرد عليها دول صغيرة؛ لأنها لم تعد تعبر عن طموحاتها؟ وهل ينعكس هذا على حالة فوضى عالمية في القريب العاجل خصوصا في ظل حالة الرفض العالمي الظاهر والكامن للدور الأمريكي المنفرد؟ هل نحن في حاجة إلى منظمة جديدة على غرار فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تطلبت إنشاء منظمة دولية جديدة بدلا من عصبة الأمم؟!.  


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات