English

 

الجمعة. مايو. 25, 2001

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أفريقيا وأمريكا اللاتينية » إفريقيا

 
أهم الأخبار  

الإقليمية الجديدة في أفريقيا.. ومواجهة العولمة

خالد حنفي

Image
تشهد القارة الأفريقية اتجاهًا متزايدًا نحو إنشاء تجمعات إقليمية أو تفعيل القائم منها؛ لمواجهة التحديات الجديدة التي تفرضها حالة تهميش القارة من قبل القوى الكبرى، وكذلك التداعيات السلبية للعولمة اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا.

وفي هذا السياق شهدت أفريقيا محاولات لإنشاء تجمعات إقليمية وتطوير القديم منها؛ لتصبح ذات طابع اقتصادي، مثل:

الإيكواس ، السادك ، الإيجاد ، الكوميسا ، الكوميسّا

كما تم تطوير منظمة الوحدة الأفريقية لتصبح أكثر فعالية من خلال الاتحاد الأفريقي الذي تم إقراره في قمة "لومي" (يوليو 2000)، وإعلان قيامه في قمة "سرت الثانية" (مارس 2001).

ورغم الآمال التي انعقدت على هذه المنظمات الإقليمية في تقوية اقتصاديات القارة الأفريقية ومركزها التساومي في ظل نظام عالمي تتمحور اقتصادياته حول التكتلات وصراعاتها، فإن الإقليمية الجديدة في القارة الأفريقية شهدت تعثرًا، وعدم قدرة على تنفيذ المشروعات الاقتصادية والمالية التي تبنّتها هذه التجمعات، بينما البعض الآخر شهد تقدمًا نسبيًّا لم يتناسب مع الأهداف التي وضعها.

ملامح الإقليمية الجديدة

الإقليمية هي حالة وسيطة بين المحلية Localization التي تدفع بالأفراد والجماعات والمؤسسات لتضييق نطاق اهتماماتها، سواء السياسية أو الاقتصادية، والعولمة Globalization التي تستهدف تحطيم الحدود الجغرافية والجمركية، وتسهيل نقل الرأسمالية سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا عبر العالم كله.

وهذه الحالة الوسيطة تنصرف إلى التفاعلات الإقليمية، سواء على المستوى القاري أو على مستوى الأقاليم الفرعية، وتهدف إلى دعم التكامل والاندماج في مختلف المجالات بالدرجة التي تقلل من التبعية للعالم الخارجي دون الانعزال عنه، وتتسم هذه التفاعلات الإقليمية بأنها اختيارية كما تتضمن تنازلاً عن جزء من سلطة الدولة لقيادة عليا تمثل جماعة وتتصرف باسمها.

وفي ظل الحرب الباردة بزغت منظمات ذات طابع سياسي وأيديولوجي في إطار المواجهة بين الاتحاد السوفييتي الذي كان يتزعم المعسكر الشرقي والولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تتزعم المعسكر الغربي، ومن أهم هذه المنظمات: منظمة "الكوميكون"، "السوق الأوروبية" فيما مضى أو "الاتحاد الأوروبي"، منظمة "الدول الأمريكية"، "جامعة الدول العربية"، "حلف وارسو"، "حلف شمال الأطلنطي" (الناتو).

وعلى صعيد القارة الأفريقية، مع زيادة الاستقلال بدأت منظمة الوحدة الأفريقية تبزغ كإطار تنظيمي عام يجسد أحلام الأفارقة في مقاومة الاستعمار وتطوير استقلالهم، إلى تعاون جماعي يمكنهم إيجاد موطئ قدم لهم في العالم، عام 1963، وقبلها في عام 1958 تأسست اللجنة الاقتصادية الأفريقيةECA للأمم المتحدة. كما نشأت أيضًا قبل منظمة الوحدة الأفريقية منظمات إقليمية ذات طابع أيديولوجي وسياسي كمنظمة الدار البيضاء ومنروفيا وبرازافيل.

وقد اتسمت التجمعات الإقليمية والقارية في أفريقيا في هذه المرحلة التي امتدت إلى ما قبل انتهاء الحرب الباردة بغلبة الطابع السياسي، ورفض الدول المنضوية في الاتحادات الإقليمية التنازل عن جزء من سلطتها لصالح المنظمة، وكذلك وجود اختلافات أيديولوجية واقتصادية بين دول منظمة الوحدة الأفريقية؛ بسبب التبعية لقوى كبرى متناقضة أيديولوجيًّا واقتصاديًّا.

وقد أضعفت هذه الخلافات من قدرة المنظمات الأفريقية على تقوية نفوذها في النظام الدولي، غير أنه مع انتهاء الحرب الباردة وسيطرة النموذج الليبرالي سياسيًّا واقتصاديًّا على العالم، وتزايد تحرير التجارة عالميًّا، بدأت نزعة جديدة نحو الإقليمية ذات طابع اقتصادي أو ما أسماه البعض "بالإقليمية الجديدة" في كل أنحاء العالم ومنها أفريقيا.

ومن أبرز ملامح هذه الإقليمية الجديدة أنه يتم من خلالها تخصيص الموارد داخل المنظمة الإقليمية، يتم عن طريق قوى السوق وريادة القطاع الخاص في عمليات التنمية داخل الدول الأعضاء في التجمع الإقليمي، وتعميق الاندماج بين دول الاتحاد، عن طريق التنسيق بين السياسات المالية والاقتصادية، وتحقيق درجة أكبر من حرية الحركة والانسياب للعمالة ورأس المال، ومعاملة مماثلة لكافة الأطراف داخل المنظمة. كما يغلب على هذه الإقليمية سياسة التصدير بدلاً من سياسة إحلال الواردات.

مزايا الإقليمية الجديدة

1- يكفل الانضمام للإقليمية الجديدة مزايا عديدة، أبرزها سعة السوق التي تضم دور المنظمة؛ مما يؤدي إلى تحسن الإنتاجية، وزيادة رفاهية الدول الأعضاء بانتقال، وانتشار المعرفة الفنية، وحرية حركة الأفراد، ورأس المال والمصالح، وانتقالها إلى مجالات ذات كفاية إنتاجية أحسن.

2- وكذلك تحسين وضع ميزان المدفوعات بزيادة التجارة بين الدول الأعضاء، وهو ما يوفر العملات الأجنبية التي تستخدم في بناء مشروعات توسيع قاعدة الصادرات، وتقليص الاستيراد وبناء شبكة نقل واتصالات، والحصول على قدر كبير من تنويع الإنتاج، وتقليل الاعتماد على الدول المتقدمة، وتحسين المركز التساومي تجاه العالم الخارجي.

3- إضافة لذلك، فقد أقرت منظمة الوحدة الأفريقية معاهدة "أبوجا" 1991، التي تستهدف الوصول إلى اتحاد جمركي إقليمي عام 2014، وسوق مشتركة أفريقية عام 2020، وجماعة اقتصادية أفريقية AEC بما تنطوي عليه من اتحاد ووحدة اقتصادية عام 2034، كما تم إقرار الاتحاد الأفريقي كبديل لمنظمة الوحدة الأفريقية في قمة "سرت الثانية" في مارس 2001.

دوافع تبني الإقليمية الجديدة

أما الدافع وراء تبني القارة الأفريقية لتوجه الإقليمية الجديدة، سواء من خلال تطوير منظمات قائمة أو إنشاء منظمات جديدة؛ فيعود لعدة أسباب، أبرزها ما يلي:

- تمتلك قارة أفريقيا مقومات اقتصادية وسياسية وثقافية مشتركة، فأغلب اقتصاديات القارة خضعت للاستعمار، حيث نظّمت القوى الاستعمارية بعض الأنشطة الاقتصادية (التجارة والتمويل والمسائل النقدية، المسؤولية الإدارية والنقل) وشبكات الاتصال على أساس إقليمي، مثل تلك الترتيبات التي استمرت بعد الاستقلال في الروابط النقدية بين فرنسا والدول الفرانكفونية أو منظمة الخدمات المشتركة لسوق أفريقيا.

- تشابه المشكلات التي تواجهها دول القارة الأفريقية، خاصة الفقر والديون. وطبقًا لبعض التقديرات يصل إجمالي الديون الخارجية المستحقة على الدول الأفريقية حوالي 300 مليار دولار، وعلى الرغم من تعدد الجهود والمبادرات الرامية لتسوية أزمة الديون، فإنها جميعها باءت بالفشل الذريع.

- تُعاني غالبية الدول الأفريقية التداعيات السلبية للعولمة، فأغلبها لا يستطيع اتخاذ قرار في توزيع موارده بعد سيطرة الشركات المتعددة الجنسيات على اقتصاديات هذه الدول، وكذلك ضعف دور الدولة مع تطبيق برامج "الإصلاح الاقتصادي" التي أدت إلى بيع الشركات العامة والقطاع العام؛ مما أدى إلى فقدان هيبة الدول، وحدوث عدم استقرار سياسي مصحوب بانقلابات عسكرية، وهي ظاهرة مزمنة في الدول الأفريقية.

- يحتاج أغلب الدول الأفريقية للاستفادة من بعض الفرص التي تتيحها العولمة، وذلك بالانضمام لتجمع إقليمي يتيح لها زيادة استثماراتها، ورفع معدلات النمو الاقتصادي، وتخفيض التضخم وتوسعة السوق أمام صادراتها لخفض العجز المزمن في موازين المدفوعات، وتقوية مركزها التفاوضي مع التكتلات الغربية، وكسر التبعية للدول التي كانت تستعمرها.

عوائق أمام الإقليمية الجديدة

رغم وجود مقومات ودوافع قوية لنجاح وتفعيل التجمعات الإفريقية ذات الطابع الاقتصادي، فإن الملاحظ وجود ضعف في أداء هذه التجمعات، وعدم قدرة على تحقيق أية مشروعات مشتركة فيما بينها، فحجم التجارة البينية الأفريقية لا يكاد يصل إلى 6%، كما لم ينعكس ظهور هذه التجمعات بالإيجاب على اقتصاديات هذه الدول، فما زال أغلبها يعاني فقرًا مدقعًا وبطالة، كما شهد بعض هذه التجمعات استفادة من مزاياها لبعض الدول دون الأخرى، ومن أبرز العوائق التي تعثرت بسببها التجمعات الإقليمية في أفريقيا، ما يلي:

- تعتمد معظم الدول الأفريقية على حصيلة التعريفة الجمركية؛ لذلك تتردد كثيرًا في قبولها الانتظام في اتحاد جمركي أو إقليمي قد يحرمها من هذه الموارد أو يقللها، في الوقت الذي تكون فيه عاجزة عن انتهاج سبل قد تعوضها عن مثل هذه الخسارة؛ لعدم المعرفة أو الخبرة أو لعدم وجود مؤسسات وأجهزة كافية للقيام بهذه المهام.

- التباين في مستويات التطور الاقتصادي والاجتماعي في أغلبية دول التجمعات الأفريقية، وهو ما يؤدي إلى سيطرة دول قوية على الاتحاد، ويؤدي إلى نشوب مشكلة في اقتسام التكاليف المالية والعوائد المتحصلة من التعريفات الجمركية بين الدول الأعضاء.

- انعكاسات برامج "الإصلاح الاقتصادي" السلبية، فبعض جوانب وأهداف هذه البرامج المطبقة في أفريقيا تسير في اتجاه مضاد للتكامل الإقليمي، خاصة وأنها ذات توجه وطني وتهدف لزيادة فورية في الصادرات؛ مما يؤدي لازدياد دافع المنافسة بين الدول الأفريقية التي تسعى لتعظيم صادراتها من سلعة دولية واحدة، وهو ما يؤثر سلبًا على جهودها الإقليمية للتعاون.

كما أن برامج "الإصلاح الاقتصادي" المطبقة في البلدان الإفريقية تفتقر إلى قدر من الانسجام الإقليمي، فتحرير التجارة يفتح الباب أمام الواردات الرخيصة، وهو ما يضرّ بالصناعات الأفريقية الهشة، ويهدد أيضًا بإزالة قاعدة برامج التصنيع الإقليمي، كما أن تقليل الإنفاق العام - وهو أحد ملامح برامج "الإصلاح الاقتصادي" - يؤثر على الخطوط التنموية الإقليمية وعلى قدرة المواطنين الشرائية، ولا يسمح بتشجيع الواردات من الدول الشريكة في التكامل الإقليمي.

- ضعف الالتزام السياسي والتعددية في الانتماءات الإقليمية التي تؤدي إلى تعارض الأهداف وتعدد الولاءات؛ فهناك دول توجد في ثلاثة تجمعات، وهو ما يؤثر على التزاماتها تجاه التجمعات الثلاثة.

- التبعية الشديدة للدول الأفريقية للغرب، وأغلب هذه الدول ترغب في الاستفادة من مزايا التكتلات الدولية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية فيها؛ ولذا تسعى كل دولة أفريقية لعقد اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي مثلاً، وهو ما يؤثر على التزاماتها في التجمعات الإقليمية الأفريقية.

كيفية تجاوز العقبات

على الدول الأفريقية أن تتخطى العقبات التي تعترض تفعيل التجمعات الإقليمية، من أجل تقوية مركزها التساومي في عالم التكتلات الاقتصادية ومواجهة التداعيات السلبية للعولمة، ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال ما يلي:

- تحتاج الإقليمية الجديدة إلى تقوية اقتصاديات الدول الأفريقية ذاتها، من خلال إعطاء دور كبير في التنمية للقطاع الخاص، وتقليل الإنفاق العام، وتأسيس إطار قانوني ينظم الأنشطة الاقتصادية، والشفافية، وإصلاح الهياكل المالية وفتح الأسواق ومرونة في الهياكل المالية وتحسين الأداء الحكومي وتفعيل المجتمع المدني.

- رفع معدلات التبادل التجاري بين الدول الأفريقية، خاصة أنها انحدرت إلى 9.1 عام 1998، ودفع الاستثمار الأجنبي، من خلال إستراتيجية مشتركة للتجمعات الإقليمية، وتحسين معدلات النمو من 1%، وتخفيض التضخم والعجز في الموازنة العامة ومقدار نمو الناتج المحلي وصل إلى 2.4 عام 1998.

- دعم الحكومات الأفريقية للمنظمات القارية والإقليمية، واختيار أنسب البدائل لتفعيل العمل الإقليمي.

- ضرورة أن يتم التفاوض مع التكتلات العالمية كالاتحاد الأوروبي من خلال إستراتيجية موحدة للتجمعات الإقليمية الأفريقية، وليس من قبل كل دولة بشكل منفرد.

- ضرورة التركيز على قطاعات تنموية تربط الدول الأفريقية بعضها ببعض، مثل: الاتصالات، الطرق، الطاقة، والمياه.

- أهمية أن تتلاءم التزامات التجمعات الأفريقية ومستوى نمو اقتصاد كل دولة، كما ينبغي أن تتوازن المزايا والتكاليف للالتزامات بين دول التجمعات الإقليمية.


 

**باحث مصري في الشئون الأفريقية


 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات