English

 

الاثنين. مارس. 17, 2003

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » شئون عربية

 
أهم الأخبار  

حوار الحضارات.. هل يمكن تبني مبادرة عربية؟

أسامة مجاهد

هانتينجتون.. هل تبنى الغرب نظريته فعلا؟!
هانتينجتون.. هل تبنى الغرب نظريته فعلا؟!
القاهرة - لم يكن من تداعيات أحداث 11 سبتمبر البدء في فتح ملف حوار الحضارات؛ فقد كان بالفعل مفتوحًا، لكنها سلطت الأضواء على ذلك الملف الشائك. وبنظرة سريعة إلى الجهود السابقة لتلك الأحداث في مضمار حوار الحضارات تبرز إسهامات جديرة بالاهتمام منها إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة تبنيها قرارًا في عام 1998 باعتبار عام 2001 عامًا للحوار بين الحضارات، ومنها أيضًا استمرار حضور موضوع حوار الحضارات في الأجندات البحثية، خاصة بعد شيوع طرح صمويل هنتنجتون "صراع الحضارات"، وتعددت المبادرات من جانب المنظمات الدولية والإقليمية مثل اليونسكو ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومن جانب دول مثل إيران وغيرها، فضلاً عن المنظمات غير الحكومية.  

وإن كان طرح موضوع حوار الحضارات قبل 11 سبتمبر يمثل لدى البعض ترفًا فكريًّا، فإن طرح الموضوع بعده يمثل ضرورة واقعية ومنطقية، ذلك أن التفسيرات الرسمية الأمريكية لتلك الأحداث استخدمت مقولات حضارية جعلت من الاختلاف الحضاري سببًا للحقد والعدوان، وهو الأمر الذي أبرز وزن الأبعاد الثقافية الحضارية في العلاقات الدولية، ومن ثَم زاد جدال حوار الحضارات أم صراعها.

أما بخصوص طرح مبادرة حضارية عربية فقد برزت بشأنها ثلاثة اتجاهات فكرية لكل منها منطلقاته وتصوراته عن مضمون المبادرة وشروطها:

الاتجاه الأول: حتمية الحوار

ويبرر ذلك الاتجاه حتمية الحوار بمقولات، منها أن الحوار وقبول الآخر هو سنة الكون، وإن كان ذلك لا ينفي الاعتراف بأن الصراع موجود في الغرب والشرق، بحكم القانون الطبيعي.

ويضيف هذا الاتجاه إلى مبرراته غايات مصلحية؛ حيث يحقق الحوار عددًا من المنافع، أهمها توجيه الاهتمام إلى وضع الإسلام والمسلمين في الغرب؛ الأمر الذي لا بد أن يولَى من العناية حق قدره بالتعرف على وضع المسلمين ومعرفة مدى استيعابهم لمعنى كلمة الإسلام على اختلاف ثقافاتهم وأصولهم، خاصة أن عدد المسلمين في الولايات المتحدة لا يستهان به، حيث يبلغ تعدادهم حوالي 7 ملايين مسلم أمريكي.

وعليه فإن مبادرة جامعة الدول العربية للحوار الحضاري تلقى تأييدًا من هذا الاتجاه خاصة أن الجامعة تقوم على أسس ثقافية، فضلا عن أسسها السياسية، وإن كانت حركتها السياسية غير فاعلة لما يفرضه الواقع الدولي من قيود؛ فإن حركتها الثقافية تلقى من هذا الاتجاه تأييدًا ورفضا، وتمثل لديهم الممكن والمقبول.

ولا يجد هذا الاتجاه من الحرب عائقًا أمام الحوار الحضاري، ويستشهد بخبرة حرب الخليج الثانية،وما حدث إبانها من انتشار للإسلام؛ لذلك يرى هذا الاتجاه أننا إذا ما صدقنا نظرية المؤامرة فإننا ننسحب من معركة كنا فيها الفائزين، ولذلك يجب عدم التعويل كثيرًا على اعتبار خطاب الغرب بمؤسساته الرسمية وغير الرسمية خطاباً قائماً على ذهنية عامة يترسخ في إدراكها الصراع كأسلوب للتعامل بين الحضارات خاصة مع حضارتنا الإسلامية.

وينطلق مشروع هذا الفريق من ضرورة وضع المبادرة وتأكيدها وتعظيم فكرة الحوار وتجذيرها في الداخل؛ فلا مناص من جعل الداخل جزءًا من المبادرة باستنهاضه وتفعيله. ولا يكون ذلك إلا بالإصرار والمثابرة والمداومة على طرح الأفكار تلو الأفكار وتعميق قيم التعددية.

ولعل أهم ما يميز ذلك الطرح هو افتراضاته القائمة على ما يلي:

1- رفض نظرية المؤامرة كإطار تفسيري.

2- إدراك الأمور وفقًا لما تذيعه وكالات الأنباء وإعطاء مصداقية عالية لما يعلنه الطرف الأمريكي، وبناء على ذلك فإن هذا الاتجاه يرفض تبرئة أسامة بن لادن من تهمة التفجيرات؛ باعتبار أن تلك الهجمات خارج إمكاناته وفقًا لما يتصوره البعض، وبدلاً من ذلك يركز على ضرورة عدم تجاهل العمليات الإرهابية التي قام بها تنظيم القاعدة قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي تمت تحت ستار الدين، وبثقل فكري ومادي للتنظيمات الإسلامية.

3- يلقي هذا الاتجاه بعبء الإخفاق في الحوار على كاهل المسلمين والعرب، ويتساءل: هل المناخ الداخلي والتعليم الديني وما يقال في المساجد من خطب ومواعظ غير مسؤول عن إفراز مثل هذه النوعية من الإرهابيين؟ وتمتد مسؤولية الداخل إلى مساعدة الغرب في تكوين صورة السلبية المشوهة عن العرب؛ نظرًا لما يمارَس في الداخل من إرهاب.

أما المسكوت عنه في ذلك الاتجاه فيمكن تلخيصه فيما يلي:

1- إن التأكيد على قيمة الحوار هو محاولة للتنصل من فعل ارتكبته جماعات تنتمي إلى العالم العربي وباسم الدين؛ لذلك فالحوار يعزل هذه الجماعات، ويعيد تصحيح صورة العرب باعتبار أن مرتكبي الأحداث لا يحظون بقاعدة، بل إنهم ينطلقون من قيم مهجورة.

2- إنه لا بديل غير الحوار، باعتبار القيم الليبرالية هي قيم الحضارة والعالم، وأنه لا جدوى من الصراع معها، ورغم ذلك فإن هناك بعضًا من الرؤية في هذا الاتجاه ترى أن الإسلام كمحدد ثقافي يلقي بظلاله على السياسة الخارجية، لكن ذلك لا يقلل من الانعطاف العام في هذا الاتجاه نحو اعتبار الليبرالية هي حضارة ذلك العصر، وأنه لا بد من الالتحاق بها.

الاتجاه الثاني: لا جدوى من الحوار

هذا الاتجاه لا يرفض الحوار، لكنه لا يحبذ نتائجه لاعتبارات سيتم ذكرها، وهو موقف يقوم أيضًا على معطيات الواقع.

ولا يميز هذا الاتجاه بين مواقف الحكومات (أي المواقف الرسمية) ومواقف المفكرين (غير الرسميين). فحكومة الولايات المتحدة الأمريكية تريد تحقيق مزيد من السيطرة على العالم، وسياستها قائمة على ذلك وسابقة على 11 سبتمبر. أما المفكرون فإنهم ليسوا بأقل ضراوة من الحكومات في التأكيد على فكرة الصراع. فمثلا فوكوياما عندما يتساءل: هل سيبدأ التاريخ مجددًا بعد 11 سبتمبر؟ فإنه يُصِرّ على أن الصراع صراع حضاري وليس مجرد حدث عادي، ويأخذ على الرئيس الأمريكي بوش الابن تراجعه عن تصريحه بأن الحرب صليبية؛ لأنها بالفعل كذلك، ويعتب عليه استبدال اللغة السياسية باللغة الحضارية. ولا شك أن هذه الأفكار تخلق وعيًا عامًّا بالصراع.

ويرى هذا الاتجاه أن البيئة الشعبية في الغرب مهيأة لخطاب فوكوياما وأمثاله أكثر من تقبلها لرسائل المبادرات التي تمد جسور الحوار مع الآخر.

وكما أن الخارج ليس بريئًا بتوطيده لجذور الصراع وإضرامه نيران الخلاف وتهيئة بيئته الداخلية لتصبح أكثر قابلية لرفض ومصادرة المبادرات الحوارية وعدم العبء بها، فإن الداخل هو الآخر ليس بريئًا. ويتساءل هذا الاتجاه: هل لدينا ما نقوله؟ وما هو مضمون أطروحاتنا ومشروعاتنا التي ستملأ المبادرة المقترحة؟ ويرى أنه ليس هنالك من شيء نملأ به وعاء المبادرة، ليس هناك من فكر ولا نموذج ولا وحدة، بل هناك صدام داخلي؛ فاليساري يصطدم بالديني. كما لا يوجد إجماع حول شكل المبادرة.

فالمضمون إذن إما خاوٍ أو متصارع، ليس لديه وقت لطرح المبادرات؛ لأنه مستهلك في صراعاته. وحتى لو وجدت لديه مبادرة فإن ضعفه وعنصرية الآخر سوف يجعلان مبادرته بلا جدوى.

ومن الافتراضات الكامنة لدى هذا الاتجاه:

1- أن نجاح المبادرات يقوم بناء على توازنات القوى، وبالتالي فهو يرفض منطق المثالية كمفسر للعلاقات الدولية.

2- أن أسس الصراع قائمة في البيئة والتصور والإدراك، وأن فرصها أعلى في إمكانية الاستثمار من فرص الحوار.

3- ويرى فريق في هذا الاتجاه أن الصراع يمثل رغبة نفسية.

ورغم وجاهة هذه التفسيرات فإنها لا تطرح حلولاً وإنما مجرد التشاؤم.

الاتجاه الثالث: حوار رغم العقبات

يرى هذا الاتجاه أن معوقات الحوار الحضاري يمكن إلقاء اللوم فيها على الآخر الذي يبدأ بالهجوم الثقافي، ويتخذ من الصراع وسيلة للتعامل مع العالم العربي، ويرى أن الحاضر الغائب المتهم بعد 11 سبتمبر هو الإسلام، سواء في نظمه أو قيمه أو أفكاره أو في بعض الجماعات، بغضّ النظر عن زيف انتمائها إلى الإسلام أو حقيقة ذلك الانتماء؛ فالغرب -سواء كان بصفته الرسمية أو غير الرسمية- هو الذي يقدم خطابًا يحمل مضامين الصراع الحضاري، ويرى ذلك الاتجاه في الممارسات التي تنتهجها سياسات الولايات المتحدة دلالات واضحة تصبّ في المنحى الصراعي النابع من إدراك الغرب لمصدر التهديد.

وفضلا عن اعتبار الإسلام ومرجعيته ذاتها -وليس مجرد الحركات الإسلامية وفهم المسلمين– محلا للهجوم في الخطاب الغربي على مستوياته المختلفة (الرسمي – غير الرسمي) فإنه لم يتم الاعتذار من النخب الفكرية الشديدة الارتباط بالإدارة الأمريكية، ويقصد بذلك اليمين الأمريكي الذي يقود خطابًا يحمل محتوى صراعيًّا حضاريًّا، وله ثقل فكري واستشاري في كل مستويات الإدارة الأمريكية ابتداء من الأمن القومي إلى الدفاع. لكن ذلك لا ينفي الاعتراف بوجود بعض المفكرين المتوازنين في الغرب.

ويرى هذا الاتجاه أيضًا أن بيئة النظام الدولي ساعدت في العداء الذي يمارسه الغرب في خطابه وممارساته الساعية لإقصاء الآخر. فالعولمة في حقيقتها الراهنة تحولت إلى أمركة نهمة إلى الثأر وحب الانتقام وإعادة الهيبة والكرامة، ولم يَعُد أمام العالم من وجهة نظر تلك الأمركة إلا أن يكون معها أو ضدها؛ أي أن النظام الدولي يمر بمرحلة غير مسبوقة. وهنا فالغرب ممثلاً في الولايات المتحدة يمارس الصراع الحضاري مستغلاً إمكانات القوة لديه، ونقاط الضعف في الآخرين لفرض نماذج ثقافية وممارسة غرائز انتقامية.

ولكن مع ذلك التعدي الحضاري من قبل الغرب فإن هذا الاتجاه يطرح مشروعًا حواريًّا له مضمون، يتمثل في إعادة الاعتبار للوعي العربي أولاً قبل التحرك بالمبادرة، ويتفق مع الدعوات الأخرى التي تطلقها بعض الأقلام من أصحاب اتجاهات مغايرة، وتتمثل في مبادرة حضارية على المدى القريب، ثم بعد ذلك رسم إستراتيجية عربية على المدى البعيد، وذلك من خلال تكاتف الرؤى والجهود بغضِّ النظر عن الإطار الفكري كما يدعي، ولكن لا يعني بناء المبادرة والإستراتيجية إهمال قراءة المشهد الثقافي بأزماته (أزمة الشرعية – المشاركة – العقلانية).

وإن كان هذا الاتجاه يتفق مع ذلك الطرح الذي يأتي من اتجاه مغاير؛ فإن الأمر لا يخلو من مشكلات تتمثل في التوفيق بين منتجات الأنساق الفكرية المختلفة. فالطرح السابق لقراءة المشهد الثقافي يفترض ضرورة العلمانية، وهنا يجد هذا الاتجاه مخرجًا بإعادة تعريف المصطلح ويقبله إذا كان يعني التنمية، ويرفضه إذا كان يعني إقصاء الدين عن المساهمة في إنتاج المشروع الحضاري المقترح؛ لأن ذلك الإقصاء سيهدم أصلاً من الأصول التي تقوم عليها هوية الجماهير.

ولا تقف المبادرة عند هذا الحد، بل يحاول هذا الاتجاه تقعيد هذه المبادرة إلى أقصى مدى، (أي اعتمادها على القاعدة وليس فقط النخب)، فلا تقف المبادرة عند مجرد كونها مشروعًا فكريًّا يصوغه مفكرون ومسئولون. فإذا كانت الولايات المتحدة تستنهض الأطفال ومكاتبها الإعلامية وطلابها ودبلوماسييها في الخارج، وتطلب من كل فرد أمريكي أن يكون سفيرًا لقيم بلاده في الخارج، فإن ذلك جدير بنا أن نقوم به، وبناء على ذلك فإن الأمر يستدعي الاهتمام بمسلمي الغرب، وذلك الاهتمام من صميم فكر الأمة من جهة، ومن جهة أخرى فإن دواعي المصالح القومية والوطنية تستلزمه.

ولعلّ أهم الافتراضات الكامنة في هذا الاتجاه هي:

أن الحوار ينطلق من قناعة فكرية مستقلة، وهو رسالة موجهة للعالم، على حين أن الحوار في حالة الاتجاه الأول قوامه أننا جزء من العالم، بافتراض أن للعالم كله قيمًا واحدة، بغضّ النظر عن الخصوصيات الثقافية حيث يمكن التوفيق؛ لذلك فالحوار مفروض من أعلى باعتبار أنه قيمة في ذلك العالم القائم الذي نحن جزء منه، وقد تتغير قيم العالم بعد ذلك فتتغير المواقف.

وعليه فإن النموذج الثالث سيقدم تفسيرات مختلفة للأحداث لا تنطلق من تفسيرات أو مصطلحات جاهزة، وعليه فمن الوارد أن يقبل بنظرية المؤامرة في تفسير الأحداث؛ لأن المؤامرة واردة من وجهة نظره.  

تابع في هذا الملف:

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات