|
| اليورو حول حلم الوحدة إلى حقيقة معيشة |
لاهاي-قطع الوحدويون الأوروبيون في الفاتح من شهر يناير 2002م، شوطًا آخر على طريقهم إلى إقامة دولة فيدرالية أوروبية قادرة على تأمين مصالح شعوب أوروبا الغربية، في مواجهة باقي التكتلات الدولية، خصوصًا المحورين الأمريكي - الكندي، والياباني - الآسيوي.
ويعلِّق الوحدويون الأوروبيون آمالاً كبيرة على "اليورو" (العملة الأوروبية الموحَّدة التي دخلت حيِّز التداول مطلع السنة الجديدة)، في صنع الإنسان الأوروبي الموحَّد، أو الهوية الأوروبية الجامعة؛ حيث يعول منظرو الاتحاد على تمكن "اليورو" النقدي من صناعة "إنسان اليورو"، على غرار "إنسان الدولار" و"إنسان الين".
ويعتبر "إنسان اليورو" المنشود هو الضمان الأساسي لعدم انتكاس المشروع الوحدوي الأوروبي؛ فالأجيال الأوروبية الجديدة التي ستفتح أعينها على زمن العملة الأوروبية الموحَّدة، مطلوب منها أن تصوغ مشاعرها وأفكارها وطموحاتها على أساس اليورو بالدرجة الأولى، ومن هنا تجاوزها لكَمّ التناقضات التاريخية، واللغوية، والدينية، والثقافية الهائل الذي يسم الإنسان الأوروبي الحالي، أي "إنسان ما قبل اليورو".
وأمام هذا التخطيط والعمل الأوروبي الحثيث لصنع إنسان "اليورو" الجديد، يطرح مسلمو الاتحاد الأوروبي الذين يقدر عددهم بين 12 و15 مليون نسمة، أسئلة عميقة في هذه الفترة على أنفسهم، تتعلق في مجملها بمستقبل وجودهم في أوروبا، وعلاقتهم بالإنسان الأوروبي الجديد، وهويتهم الثقافية والحضارية، خصوصًا وأنهم لم ينتهوا إلا قبل سنوات قليلة جدًّا من حسم أسئلة شبيهة كانت قد طرحت عليهم أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، عندما تبين أن حلمهم بالعودة إلى أوطانهم الأصلية قد تبخر، وأن استقرارهم في مهاجرهم وانتقالهم من طور "الجالية" إلى طور "الأقلية" قد أضحى الأفضل بالنسبة لهم والأيسر.
المسلمون والوحدة الأوروبية.. علاقة سلبية
لقد كانت علاقة مسلمي الاتحاد الأوروبي بمشروع الوحدة الأوروبية، علاقة سلبية منذ البداية، تقوم على اقتصار المسلمين على المتابعة واستفراد المسؤولين الأوروبيين بتقرير مصير الأقليات وبيان الوجهة التي يتعين عليهم اتباعها، ولم يكن متاحًا بالرغم من الدعوات الكثيرة التي رفعت، وبعض المحاولات التي بذلت، تحوير طبيعة هذه العلاقة بتحويلها إلى علاقة مساهمة في صناعة المستقبل المشترك، أو حتى علاقة مواكبة يكون المسلمون معها قادرين على تكوين أقلية إسلامية كبرى على المستوى الأوروبي، مثلما أتيح للشعوب الأوروبية أن تقيم اتحادًا وتنشئ مؤسسات اتحادية.
وتعود جذور هذه العلاقة المختلَّة بين مسلمي الاتحاد الأوروبي ومشروع الوحدة الأوروبية الذي شارف على إدراك محطته الأخيرة بدخول "اليورو" حيِّز التداول، إلى عوامل كثيرة، منها: ما يتعلق بالمظاهر التي اتسمت بها طبيعة الوجود الإسلامي في أوروبا، ومنها أيضًا ما يتصل بطبيعة الوحدة الأوروبية نفسها، وما تتصف به من صفات لا يمكن تجاهل تأثيراتها السلبية على واقع المسلمين وقدراتهم.
خصائص الوجود الإسلامي في أوروبا
ويتصف وجود المسلمين في دول الاتحاد الأوروبي بخمس خصائص رئيسية، هي كالآتي:
1 - وجود غير مخطط له:
لم يكن وجود المسلمين في الدول الخمس عشرة المكوِّنة للاتحاد الأوروبي، نتاج عمل أو خطط مسبقة، بل كان حصيلة مجموعة من العوامل والأحداث الطارئة غير المتوقعة، الخارجة في كل الأحوال عن إرادة الأطراف المعنية بها، سواء القادمين أو المستقبلين.
ويصنّف الوجود غير المخطط له ضمن الخانة المقابلة للوجود المخطط له، ومن أنواعه الاستيطان والاحتلال والاستعمار، وسواه من الحالات التي ينتقل البشر معها من وضع معين إلى وضع آخر يعلمون كنهه، وطبيعته، والأهداف المرسومة له.
لقد جاء أغلب المسلمين (90% على الأقل) إلى غرب أوروبا، إما كعمَّال استقدموا من بلدانهم الأصلية للعمل لوقت محدد في ورشات إعادة إعمار أوروبا المخربة بفعل الحرب العالمية الثانية (مثال المغاربة في فرنسا أو الأتراك في ألمانيا)، أو كلاجئين ومهاجرين سريين دفعت بهم الأزمات السياسية والاقتصادية والحروب والفتن التي عصفت ببلدانهم في العقود الخمسة الأخيرة إلى المجهول، وأوصلهم قدرهم إلى دول آمنة متقدمة.
2 - وجود ضعيف:
ولئن كان الوجود الإسلامي في أوروبا الغربية، وجودًا طارئًا غير مخطط له، مرتبطًا في غالب الأمر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية التي ألَّمت بدول غرب أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، فقد اتسم منذ بدايته بالضعف، فمسلمو أوروبا كانوا في غالبيتهم على مر نصف القرن الماضي، مجموعة من العمال البسطاء واللاجئين أو طالبي اللجوء المعدمين والطلبة المعوزين، يشكِّلون في مجملهم الطبقة الاجتماعية الأدنى في مجتمعاتهم، ويسكنون الأحياء الأقل تنمية ونظافة في مدنهم.
ولا يزال الوجود الإسلامي في المرتبة الاجتماعية المتدهورة ذاتها، على الرغم من التطورات القانونية والسياسية الحاصلة، والتي صبَّ الكثير منها في اتجاه النهوض بأوضاعهم المعيشية، وتمكَّن عدد من المسلمين من تحقيق اختراقات ونجاحات واضحة في أكثر من دولة أوروبية، وعلى أكثر من مستوى.
وتعاني غالبية الأقليات المسلمة في دول الاتحاد الأوروبي المشكلات نفسها تقريبًا، فنسبة الجريمة بين أبنائها الأعلى مقارنة بباقي مكونات المجتمع، ونسبة الملتحقين بالجامعات والمعاهد العليا الأقل، ونسبة الفقراء بين المسلمين هي الأعلى، ونسبة الذين يشغلون مناصب عمل رفيعة هي الأدنى، وما يخلص إليه المتابع باستمرار هو أن الأقلية المسلمة هي الحلقة الأضعف في السلسلة الأوروبية، سياسيًّا، واقتصاديًّا، واجتماعيًّا.
3 - وجود غير مرغوب فيه:
يعاني المسلمون في دول الاتحاد الأوروبي بشكل عام، تنامي مشاعر العنصرية والعداء ضدهم، ويظل الاختلاف في كراهيتهم بين هذا البلد الأوروبي أو ذاك، نسبيًّا يتصل بالكم لا بالنوع، وبكيفية التعبير عنه لا بحقيقته الواضحة في الكثير من الممارسات والمناسبات.
وقد عرت الأزمات والحروب التي ألمَّت بأوروبا منذ بداية التسعينيات، حقائق العداء للمسلمين ولدينهم وثقافتهم، حيث عاشت الأقليات المسلمة في دول الاتحاد الأوروبي في غضون العشر سنوات الماضية فقط، ثلاث تجارب مريرة بيَّنت لهم الفجوة النفسية والثقافية العميقة التي تفصل بينهم وبين المجتمعات التي ظنوا أنهم أصبحوا يشكلون جزءاً لا يتجزأ من نسيجها.
لقد أبرزت حرب الخليج الثانية (1991م) وحرب البوسنة (1993م) وتداعيات أحداث 11 سبتمبر 2001م، مدى قابلية مجتمعات أوروبا الغربية لحمل مشاعر الحقد والكراهية للمسلمين، ومدى قابلية هذه المجتمعات لنكران الجميل ونسيان تضحيات ملايين العمال المسلمين الذين أفنوا شبابهم من أجل إعادة بناء أوروبا، التي هدمتها أيدي العنصريين من أبنائها.
وقد شهدت غالبية دول الاتحاد الأوروبي بعد التفجيرات الأمريكية الأخيرة، مئات حوادث الاعتداء العنصري على المسلمين، كما شهدت عودة قوية لأحزاب اليمين المتطرف، التي تزعم أن "أوروبا المليئة بالمسلمين والأجانب" لم تَعُد ملائمة للعيش، وأن الحل لمشاكل شعوبها والضامن لمستقبلها إعادة ما أمكن من "الغرباء" إلى بلادهم والتصدي بحزم لسيل اللاجئين منهم، فالمسلمون برأي اليمين الأوروبي المتشدد العدو الأول للحضارة الأوروبية، والسبب في جميع المشاكل التي تعاني منها المجتمعات الأوروبية.
4 - وجود متنام:
لم يكن عدد المسلمين في دول الاتحاد الأوروبي الحالية في منتصف القرن العشرين، يتجاوز مليون نسمة على أقصى تقدير، وقد تضاعف عددهم خلال نصف قرن ما يزيد عن عشر مرات، بل أصبح عددهم في بعض الدول كفرنسا وألمانيا يقدَّر بعدة ملايين.
وتشير الإحصائيات الرسمية في فرنسا وهولندا حاليًا إلى أن نصف المواليد الجدد من أصول مسلمة، كما تؤكد جل الدوائر المعنية في دول الاتحاد الأوروبي على أن الأقليات المسلمة هي الأكثر نموًّا عدديًّا بالمقارنة مع باقي مكونات المجتمع.
وإلى جانب التكاثر الطبيعي نتيجة كثرة الولادات، فإن ما لا يقل عن 80% من اللاجئين والمهاجرين السريين هم من المسلمين، وهو ما يعني زيادة عددية للمسلمين تقدر كمتوسط بمائة ألف شخص سنويًّا.
وتنتج عن الزيادة العددية المتواترة للمسلمين في أوروبا، انعكاسات ثقافية واجتماعية واضحة على أنماط الحياة السائدة في دول الاتحاد الأوروبي والقضايا المطروحة عليها، حيث تحولت مسألة اللاجئين والأجانب إلى أهم قضية مطروحة للمرافعة والمزايدة بين القوى السياسية، سواء خلال الحملات الانتخابية أو خارجها.
وبالقدر الذي ينظر فيه كثير من المسلمين لتزايد عددهم كعنصر قوة وضمانة مستقبلية، يستشعر عدد كبير من الأوروبيين في هذا العدد خطرًا على ثقافتهم، وحضارتهم، وطبيعة مجتمعاتهم، خصوصًا إذا ما وضع بعين الاعتبار حالة الصراع المستمرة بين الغرب والعالم الإسلامي، والحساسية البالغة التي يحملها الغربيون لكل من يمكن أن يروا فيه عنصر تهديد لتفوقهم أو مكانتهم.
5 - وجود محفوف بالمخاطر:
إن المتأمل في الخطوات التي قطعتها أوروبا الغربية، منذ توقيع اتفاقية الحديد والصلب في باريس سنة 1951م، والتي تطورت لاحقًا إلى اتفاقية روما 1957م، ثم الاتفاقيات اللاحقة التي انتهت بتوقيع اتفاقية الوحدة النقدية واتفاقية الاتحاد الأوروبي في ماستريخت الهولندية سنة 1992م، سيلاحظ بلا شك الثقة العالية التي ميَّزت سلوك القادة الأوروبيين، وهم يقودون شعوبهم إلى وحدة سياسية على مراحل، ووفقًا لأسس واضحة قائمة على منح المصالح الاقتصادية الأولوية، وترك القضايا الخلافية للزمن وللظروف السانحة لحلها.
وعلى الرغم من الضمانات الكثيرة التي تحملها اتفاقيات الوحدة الأوروبية للأقليات المسلمة، ومن أهمها أسس الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والتعددية الثقافية، والإثنية، والدينية التي ارتكز عليها البناء الأوروبي الموحَّد، فإن مؤشرات كثيرة أيضًا تثبت بأن الوجود الإسلامي في أوروبا سيظل وجودًا محفوفًا بالمخاطر.
والدوافع إلى اعتناق هذا الرأي متعددة، منها ما يتعلق بالشؤون الداخلية الأوروبية في حد ذاتها، وقد أشير إلى بعضها في السابق، من قبيل تصاعد مشاعر العنصرية والعداء للإسلام والمسلمين داخل المجتمعات الأوروبية، ومنها ما يتصل بالعلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي مع العالم العربي والإسلامي، وهي في مجملها علاقات غير عادلة وقائمة على رغبة دائمة في الاستغلال والهيمنة.
وتبقى التحديات المطروحة على الوجود الإسلامي في أوروبا، في زمن اليورو، لا تقل خطورة عن تلك التي كانت قائمة خلال العقود الماضية، إن لم تكن أمضى وأحدّ، فمسلمو أوروبا لم يواكبوا نسق الوحدة الأوروبية، على مستوى التوحد والتنظيم، وما زالت غالبيتهم العظمى محتاجة لسنوات أخرى لهضم التحول النوعي الذي أحدثته العملة الموحدة.
ويطالب المسلمون في الاتحاد الأوروبي لربح تحدي الوجود والاستمرارية المطروح عليهم، ربح تحديات أخرى لصيقة، من قبيل تحدي الوحدة؛ فالأقليات المسلمة منقسمة على ذاتها مذهبيًّا وطائفيًّا وعرقيًّا وحزبيًّا، وكذلك تحدي الفقر والأوضاع الاجتماعية الصعبة التي يعيشونها، فضلاً عن التحدي الذي تفرضه موجات العداء المتلاحقة لهم، وتحدي المشاركة السياسية الذي يفرض عليهم ضرورة التوجه بكثافة لصناديق الاقتراع والدفع بكفاءاتهم لعضوية الأحزاب السياسية، والترشيح لمقاعد المؤسسات السياسية على اختلاف أنواعها، وبالقدر الذي تتيحه القوانين المرعية.
خلاصة وتقييم
وبالقدر الذي يمكن القول فيه بأن وجود المسلمين في الاتحاد الأوروبي لم يكن مخططًا له، يمكن التأكيد على أن عددًا كبيرًا من بينهم قد أدرك أن المستقبل مطية التخطيط، وأن التحديات القائمة يمكن أن تعالج إذا ما توفرت العزيمة اللازمة والرغبة الأكيدة في معالجتها، وربح الأوروبيين لرهان "اليورو" قد يكون خير محفز لمسلمي أوروبا لربح رهان "الوجود" وتثبيت هويتهم الإسلامية.
** كاتب وصحفي تونسي متخصص في الشؤون المغاربية
|