English

 

الخميس. يناير. 4, 2001

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » البلقان

 
أهم الأخبار  

هل يصير البلقانيون عبيدًا في بلاط أوروبا؟

حمزة زوبع

Image
في عام 1995 نشرت إحدى الصحف الألبانية (كوها يونا - KOHA JONE) في دولة ألبانيا تحقيقًا مثيرًا عن تجارة البشر وتهريبهم من أوروبا الشرقية وأفريقيا وآسيا إلى أوروبا.. حيث يعتقد البعض أن الجنة ستكون في انتظاره على أبواب روما أو أثينا أو بروكسل أو حتى لندن.

ولم تكن المفاجأة في أن الصحيفة كشفت عن العصابات المتخصصة في ذلك والتي تتمركز في جنوب إيطاليا، وجزيرة كريت اليونانية، ومدينة فلورا الألبانية، ولكن المفاجأة كانت في أن بعض هذه العصابات كان يقوم بتهريب الأعضاء البشرية من الموتى حديثًا إلى بنوك الأعضاء في أوروبا المتمدينة، وذلك وفق بعض الروايات التى سردتها الصحيفة من خلال شق البطون وفقء العيون لأطفال وصبية وجدت جثثهم بدون أحشاء على شواطئ مدينة فلورا الساحلية الألبانية.

تابع في هذا المقال:

الطريق إلى أوروبا

وفي عام 1993 زارني أحد المصريين في مكتبي بتيرانا عاصمة ألبانيا، ولم يكن آنذاك سوى ضحية من ضحايا عصابات النَّصب على المصريين القادمين من ريف مصر والراغبين في فتح أسوار أوروبا، دفع صاحبنا ثلاثة عشر ألف جنيه مصري من أجل أن تلقي به العصابة على شواطىء إيطاليا، حيث يكون في انتظاره من يلتقطه ويرمي به في شوارع باري أو نابولي أو جنوة حسب ما تشاء الأقدار، لكن صاحبنا صاحب الحظ العسر لم يتمكن سوى من الوصول إلى ألبانيا، وكلما حأولت العصابة تهريبه باللنش إلى إيطاليا تقع مصيبة أو مشكلة، فاضطرت العصابة إلى التخلى عنه وإرجاع جزء من المبلغ إليه، على أن ينتظر قليلاً في تيرانا لحين فرصة جديدة، على أن الشاب الموتور وبذكاء ريفي أصبح ناشطًا في صفوف تلك العصابة، وبعد سنة تقريبًا أصبح صاحبنا واحدًا من أكبر رؤوس تهريب البشر، واحترف مهنة تهريب المصريين من خلال مجموعة مشتركة مصرية - ألبانية - تركية.

وكان خط سير تهريب البشر كالتإلى:

عبر مطار القاهرة الدولي وبتأشيرة دخول إلى بلغاريا، ثم إلى مطار ريناس- RINAS في ألبانيا (كان الدخول بدون تأشيرة)، ثم الاستقرار قليلاً في ألبانيا، ثم التوجه إلى باري (أحد شواطئ إيطاليا المقابلة لشواطئ ألبانيا)، وذلك من خلال لنشات سريعة تحمل عددًا يتجأوز ثلاثة أضعاف حمولتها، وتسير بسرعة فائقة، الأمر الذي يتسبب عادة في انقلابها أو اصطدامها، خصوصا إذا علمنا أنها تتحرك في الساعة الثانية بعد منتصف الليل؛ لتلقي بالشخص المهرَّب عند صخور الشاطئ، ليواجه مصيرًا معتمًا أما أن ينجو متسلقًا إلى البر ليجد سيارة في انتظاره أو يجد شرطيًّا من حرس السواحل ربما يتركه إن كان متعأونًا مع العصابة أو يقبض عليه ليعيده إلى بلده المحبوب مرة أخرى…

ونظرًا لأن بلغاريا كانت تطمح في تحسين صورتها أمام الاتحاد الأوروبي فقد كانت قضية تهريب البشر والمخدرات أهم النقاط التي طالب الاتحاد الأوروبي بلغاريا باتخاذ مواقف جادة تجاهها، الأمر الذي بسببه تحولت حركة نقل البشر من مطار صوفيا إلى مطار إسطنبول في تركيا، ومن هنا بدا وكأن الدنيا قد ابتسمت للمهربين، فبعدما كانت هذه التجارة تقتصر إلى حدٍّ ما على المصريين إذا بالطريق يفتح أمام جنسيات أوروبية شرقية ومن وسط آسيا وجنوبها، وأصبح الطريق يمر عبر إسطنبول إلى ألبانيا، ومنها إلى إيطاليا أو اليونان ومن الأخيرتين إلى باقي عواصم أوروبا الغربية مثل بلجيكا وفرنسا وسويسرا.

وبعد اندلاع حرب البوسنة والهرسك التي استمرت ثلاث سنوات (92 - 95) شهدت سوق تهريب البشر زيادة ملحوظة في المهرَّبين من دول البلقان إلى أوروبا الغربية، بفعل الحرب وبفعل الحملة الصربية للتطهير العرقى التي قادها سلوبودان ميلوسوفيتش الرئيس اليوجسلافي المخلوع.

أوروبا والبلقان وتجارة الرقيق

منذ انهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية، حدثت انفراجة كبيرة على مستوى الحركة بين دول البلقان ودول أوروبا الغربية، وعلى سبيل المثال فإن دولة مثل البانيا كانت حتى عام 1992 لا تسمح لمواطنيها بالسفر إلى خارجها إطلاقًا إلا من خلال بعثات عادة ما تتجه إلى بعض بلدان أوروبا الشرقية، كما أنها لم تكن تسمح حتى بالتنقل بين محافظاتها إلا بإذن أمني مسبق، كما ساهمت المقاطعة الغربية لبعض دول البلقان والحصار السياسي المفروض على هذه الدول في تقليل عدد النازحين أو المهاجرين إلى أوروبا الغربية (آنذاك).

ومع بداية التسعينيات وانهيار سور برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار النظم الشيوعية في رومانيا وبولندا وبلغاريا وألبانيا والمجر والاتحاد اليوجسلافي الذي تفكك على مراحل بدءًا من عام 1991 وحتى عام 1995 بعد إعلان اتفاقية دايتون وإعلان دولة البوسنة والهرسك، ثم انتهاء بعام 1999 حين وضعت كوسوفا تحت الإشراف الدولي، منذ ذلك الحين وأوروبا الغربية تشهد نزوح عشرات الألوف من المهاجرين من دول البلقان إليها سواء بفعل الحروب التى شهدتها المنطقة، خصوصًا البوسنة والهرسك وكوسوفا أو بسبب الجوع والفقر الناجم عن سنوات الحكم المركزي الذي أدى إلى تخلف على كافة الأصعدة، أو بسبب الرغبة في البحث واكتشاف النصف الآخر من أوروبا والذي كان ممنوعًا عليهم مشاهدته حتى عبر الفضائيات أو الإذاعات، وإلا عُدَّ الأمر خيانة عظمى كما حدث في ألبانيا إبان حكم الديكتاتور أنور خوجا ومن بعده رامز عليا.

ووفق الإحصاءات الرسمية للاتحاد الأوروبي يبلغ عدد المهاجرين بطرق غير شرعية إلى أوروبا سنويًّا 400 ألف أجنبي معظمهم من أوروبا الشرقية.

- ففي إيطاليا يوجد قرابة 1.5 مليون مهاجر منهم 400 ألف مسلم من شمال أفريقيا ومسلمي البلقان.

- وقد شهدت ألمانيا أكبر عدد من طالبي اللجوء السياسي من الفارين من يوجسلافيا بسبب الحرب في البوسنة وصل إلى 438191 في عام 1992 قبلت منهم 5% فقط، والباقى استقروا حتى حين، ثم أعيدوا إلى حيث أتوا.

- وحين وقعت حرب كوسوفا في عام 1999 هاجر قرابة 95 ألف ألباني إلى ألمانيا باحثين عن العيش في أمان مع أقارب لهم كانوا قد فروا من كوسوفا إبان حكم جوزيف بروز تيتو ومن بعده سلوبودان ميلوسوفيتش.

- وفي فرنسا قرابة 100 ألف مهاجر غير شرعي سنويًّا من بينهم 22375 طالبًا للجوء السياسي.

- وفي اليونان رغم فقرها النسبي مقارنة ببقية دول الاتحاد الأوروبى تم إلقاء القبض على 4256 مهاجر غير شرعي عام 2000، ويعتقد أن هذا الرقم يمثل عشر من يقومون بمحأولة الهروب إلى أوروبا عبر اليونان.

- وفي أسبانيا حوالي 750 ألف مهاجر غير شرعي من 90 دولة، وقد زاد عدد المهاجرين وطالبي اللجوء مع انهيار الشيوعية واندلاع الحرب في البوسنة والهرسك خصوصًا في عام 1993

- وفي سويسرا التي تضم ثاني أكبر جالية ألبانية في أوروبا بعد ألمانيا ينتظر 200 ألف مهاجر غير شرعي قرارات بقبولهم كلاجئين سياسيين.

- أما بلجيكا فيصل عدد طالبي اللجوء شهريًّا إلى قرابة ألف معظمهم من أوروبا الشرقية والبلقان، وقد قلَّ الرقم كثيرًا عن ذي قبل؛ إذ كان قد وصل إلى 3 الآف مهاجر شهريًّا.

وفي بلجيكا حوالي 100 مهاجر غير شرعي يعملون فيما يعرف (السوق السوداء للعمالة).

وفي المقابل فإن شعبًا مثل الشعب الألباني يعيش حوالي نصفه (3.5 مليون) خارج حدود وطنه الأم ألبانيا، من بينهم مليونان في كوسوفا اضطر إلى الهجرة منهم قرابة مليون إبان حرب كوسوفا الأخيرة، عاد معظمهم والباقي ما زال هاربًا في أوروبا يبحث عن لقمة عيش كريمة بعد سنيّ العذاب تحت حكم الشيوعية الصربية، وكذلك الحال بالنسبة لمسلمي البوسنة والهرسك، فهناك حوالي 2.1 مليون مهاجر ما زالوا في أوروبا، كما يوجد قرابة 150 ألف صربي مهاجرون، ناهيك عن الأعداد التى لا يمكن حصرها من الأعراق البلقانية الأخرى والتي تُهرَّب أو يتم تهريبها إلى أوروبا عن طريق مافيا التهريب، ويصعب حصر الأرقام الحقيقية للمهاجرين من البلقان إلى أوروبا؛ نظرًا لانخراط معظم المهربين في سوق العمل السوداء والتى يصعب ملاحقتها في العديد من دول أوروبا.

المهاجرون في خدمة أوروبا

كثيرًا ما يصرخ المسؤلون الأوروبيون من زيادة أعداد المهاجرين، خصوصًا بطريق غير شرعي، والحقيقة أن أوروبا تحتاج إلى عمالة رخيصة غير مكلفة؛ لأن مواطنيها يستحون من القيام ببعض الوظائف، وعلى سبيل المثال:

ففي اليونان وإيطاليا وألمانيا وفرنسا تقوم العمالة البلقانية، وخصوصًا الألبانية منها في مجال الزراعة، وتحديدًا موسم جني العنب الذي يجيده الألبان بشكل مميز منذ عصر الديكتاتور أنور خوجا والذي جعل من زراعة العنب المصدر الرئيسى للدخل؛ نظرًا لاستخدامه في صناعة الخمور.

كما أن العمالة البلقانية تقوم بالعمل داخل البيوت (خدم - ربّات بيوت) في معظم الدول المجأورة مثل اليونان وإيطاليا.

إضافة إلى أن المطاعم والفنادق (الرخيصة) والمقاهى تعتمد اعتمادًا كليًّا على العمالة الوافدة من البلقان وذلك لملامحهم الأوربية التي بالطبع يفضلونها على الألوان الأخرى.

على أن المصانع والمعامل الكبرى في أوروبا، وخصوصًا في ألمانيا تكاد تعجُّ بالمهاجرين من تركيا وألبانيا ومقدونيا وصريبا وكوسوفا.

وتحتاج أوروبا إلى هذه العمالة ليس بسبب العامل الاجتماعي الذي يحول بين مشاركة أبنائها في هذه الأعمال، بل بسبب العامل السكاني الذي ينبئ بخطر عظيم يلاحق أوروبا خلال النصف قرن المقبل، فخبراء السكان الدوليين (الصندوق العالمي للسكان التابع للأمم المتحدة) يرون أن أوروبا تعاني حاليًا من ارتفاع نسبة كبار السن (أكثر من ستين عامًا) وتصل النسبة إلى 20% وسترتفع إلى 35% بعد خمسين عامًا، وأن الهرم السكاني الأوربي تتجه قاعدته نحو الأعلى وهو ما ينذر بكارثة إنتاجية كبيرة، وهذا وفق المعادلة المعروفة باسم نسبة الدعم المتوقع في مجال العمل، وهي حاصل قسمة عدد من هم في سن 15 - 64 على من هم فوق سن 65 سنة، وكلما كان الناتج كبيرًا كلما كان عدد المتوفر في سوق العمل كبيرًا أيضًا، وستصل النسبة في أوروبا والدول المتقدمة إلى نصف ما هي عليه الآن.

ولا تقتصر حاجة أوروبا إلى العمالة والهجرة عند حدود الحاجة الاقتصادية، بل إن هناك عوامل سياسية تدفع ببعض دول أوروبا إلى السماح بالهجرة الشرعية وغير الشرعية إلى أراضيها خصوصًا من دول البلقان، فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي والشيوعية اتجهت معظم دول البلقان إلى الولايات المتحدة الأمريكية كقبلة أولى وأخيرة لإنقاذها من الدمار الذي لحق بها، وهذا ما أزعج أوروبا التى رأت في اتجاه هذه الدول إلى أمريكا ضربًا لمصالحها الإستراتيجية في أوروبا الشرقية، وتحجيمًا لدور الأوروبيين حتى داخل أوروبا؛ لذا فقد بادرت دول أوروبا الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا وحتى إيطاليا إلى استيعاب بعض المهاجرين من هذه الجنسيات من أجل استعادة مكانتها لدى هذه الدول، فألمانيا استطاعت أن تجد لها قدمًا في ما تفكك من الاتحاد اليوجسلافي، واستطاعت أن تجعل من المارك الألماني عملة رئيسية في سلوفينيا وكرواتيا ومقدونيا، وفرنسا تبحث عن دور ثقافي وسياسي في هذه الدول، وهذا ما شجعها على لعب دور سياسي في أعقاب حربي البوسنة وكوسوفا، وليس عقد مؤتمر رامبوييه في عام 1999 لتوقيع اتفاقية بين الصرب والكوسوفيين إلا محاولة لتثبيت قدمها في البلقان.

كما أن دولة مثل اليونان والتي تفتح أبوابها للمهاجرين الأرثوذكس من ألبانيا وكوسوفا ومقدونيا وصربيا، إنما تفعل ذلك لهدف سياسي وديني تهدف من ورائه إلى تدعيم قيادتها للأرثوذكسية في العالم من ناحية، ومن ناحية أخرى يمكنها العبث في السياسة الداخلية لدول مثل ألبانيا بحجة الدفاع عن الأقلية اليونانية والتي هي في الواقع ألبانية – أرثوذكسية، ولكنهم منحوا الجنسية اليونانية من أجل توسعة نفوذ اليونان في جنوب ألبانيا، ومن هذا المنطلق فإن نوعية المهاجرين الألبان إلى اليونان معروفة ومحصورة في الأرثوذكس أو من يقومون بتغيير أسمائهم إلى أسماء يونانية أرثوذكسية، حتى يسمح لهم بالعيش في اليونان ولو كانوا قد جاءوا عبر الهجرة غير المشروعة.

الجريمة المنظمة

تقف المافيا خلف معظم عمليات تهريب البشر إلى أوروبا عبر تجارة تُدِرُّ مليارات الدولارات سنويًّا، حتى أنها أصبحت تنافس تجارة المخدرات والسلاح. وهذه العصابات قد انتشرت بشكل كبير في البلقان وخصوصًا في اليونان وألبانيا وبالطبع إيطاليا بحكم العلاقة التاريخية لنشأة المافيا في جنوبى إيطاليا.

وإذا ما نظرنا إلى كلفة نقل مهاجر من آسيا أو أفريقيا إلى أوروبا عبر ألبانيا، سنجد أن الأمر يتكلف أكثر من ألف وخمسمائة دولار يحصل عليه الوسيط، مقابل نقل المهاجر إلى شواطئ إيطاليا أو حدود اليونان، ومن هناك إما أن يتخذ قرارًا بالاستقرار أو الهجرة إلى دولة أوروبية مجاورة عبر حدود إيطاليا مع سويسرا وفرنسا…

ولا يقتصر نشاط المافيا على تهريب البشر من أوروبا الشرقية أو من شمال أفريقيا إلى أوروبا، بل يمتد ليحدد مهام ووظيفة بعض هؤلاء المهاجرين، وخصوصًا تجنيد الفتيات في أعمال الدعارة، وحسب إحصائيات رسمية نشرت في ألبانيا عام 1995 فإن عدد الفتيات الألبانيات العاملات في مجال الدعارة في إيطاليا يصل إلى 15 ألفًا، ويزعم مسؤولون ألبان أن هذه النسبة كبيرة ومضاف إليها جنسيات أخرى؛ إذ أنه حين تقع إحداهن في قبضة الشرطة تقول إنها ألبانية وقد تكون أوكرانية أو روسية أو غيرها من الجنسيات، وتمثل الدعارة أو تجارة الرقيق قلقًا كبيرًا لدى الإيطاليين، وقد عبَّرت عضوة البرلمان الإيطالى كارول بيبي تارانتيللي عن تجارة الرقيق في إيطاليا بقولها (النساء أصبحن عبيدًا - إنهن مرعوبات.. من المافيا ولا يستطعن الفكاك من أيدي العصابات التي تدير النشاط، فإما الطاعة وإما الموت).

ومن أساليب إسقاط الفتيات في هذا العمل الشائن التغرير بهن عن طريق الزواج الوهمي الذي يتم في إحدى محافظات ألبانيا النائية مع عريس إيطالى يختار بنفسه الفتاة، ويقوم باستخراج التأشيرة لها من السفارة بتيرانا، ثم يصطحبها معه وهناك يقوم بتسليمها إلى المافيا مقابل مبلغ يتراوح بين 3000 - 5000 دولار على الرأس الواحدة.

وبنفس الفكرة ولكن بطرق مختلفة يتم تهريب النساء من صربيا وكرواتيا ومقدونيا وبلغاريا إلى إيطاليا، ومع دخول الإنترنت أصبحت هذه التجارة أسرع وأربح؛ إذ من خلال المراسلات يتم اصطياد الراغبات في السفر إلى أوروبا ويتم إرسال التأشيرة بحجة العمل في شركات كبرى، ثم ينقلب الأمر إلى دعارة بمجرد وصولهن إلى إيطاليا أو بريطانيا أو بروكسل.

المخاوف الأوروبية وكيفية مواجهتها

برزت مخاوف أوروبية متنوعة من تدفق المهاجرين عليها، ويمكن إجمالها فيما يلي:

1- الاختلال العرقي - الديني:

تخشى أوروبا من المهاجرين رغم حاجتها إليهم، وهذه الخشية دفعت بها إلى انتقائية واضحة في التعامل مع الأعراق التي تنتسب تاريخيًّا إلى الإسلام، مثل الأتراك والألبان والسنجق والبوشناق، فعلى سبيل المثال فإن دولة مثل اليونان لا تمنح تأشيرة دخول للألبان المسلمين إلا بعد تغيير أسمائهم، وهكذا يفعل الإيطاليون الذين يفضلون مهاجرين من الكاثوليك من ألبانيا ومقدونا وكرواتيا وسلوفينيا والبوسنة، وأوروبا رغم أنها مكوَّنة من مزيج عرقي متباين، إلا أن المعاملة الخشنة لم تظهر إلا عندما يبدو في الأفق تفوُّق عدد المهاجرين المسلمين، ويمكننا ملاحظة ذلك في حدثين اثنين اخترناهما للتدليل وليس للحصر:

1 - تصريحات الكاردينال الإيطالي "جياكومو بيفي" والتي دعا فيها السلطات الإيطالية إلى تفضيل الكاثوليك على المسلمين، وقال: (إن معظم المسلمين الذين جاءوا أوروبا لم يحاولوا الانصهار في مجتمعاتنا أو تقليدنا، بل جاءوا على أمل أن يجعلونا مثلهم)، وهذه التصريحات أثنى عليها سيلفيو برلسكونى إمبراطور الإعلام ورئيس الوزراء السابق.

2 - تصريحات عمدة مدينة نيس الفرنسية (بلد العدل والمساواة والإخاء) جاك بيرات حين رفض إعطاء تصريح ببناء مسجد، وقال: (إن الجوامع لا يصح أن تقام في دولة علمانية)، وحين طلب منه فريق من الأطباء مساعدات للكوسوفيين، قال: (إنه من الأولى تقديم المساعدات للمسيحيين في أوروبا).

2 - المشكلات السياسية:

ويلاحظ أن الهجرة إلى أوروبا رغم فوائدها الاقتصادية، إلا أنها جلبت المشكلات السياسية داخل دول أوروبا الكبرى مثل فرنسا التي يقف اليمين المتطرف بالمرصاد لكل حكومة متسامحة، ونفس الشيء يحدث في ألمانيا التي ترفض أحزاب الحكم فيها منح الجنسية لمستحقيها خصوصًا الأتراك والأكراد، رغم أنهم يمثلون الجزء الأكبر من القوة العاملة المنتجة في الميادين الصناعية المختلفة، أما في إيطاليا فتلعب كافة الأحزاب بورقة المهاجرين من أجل إحراز تفوق سياسي في بلد لا يحصل أي حزب فيه على أغلبية مطلقة.

هذا ناهيك عن المشكلات العرقية الناجمة بين الأعراق المهاجرة ذاتها، أو وجود تجمعات سياسية معارضة لبلاد تربطها بأوروبا أو بنظم الحكم فيها علاقات طيبة.

3 - انتشار الفساد:

ونعني به هنا كل تجارة محرمة ومن بينها المخدرات والسلاح، فتجارة البشر حملت إلى أوروبا أنماطًا شريرة وهذا مما لا شك فيه، كما وجدت هذه العصابات في الدول الأوروبية مسؤولين مستعدين للربح والانخراط في عملياتهم، وليس اكتشاف عمليات فساد في إيطاليا وألمانيا وحتى فرنسا بالأمر البسيط، وهناك من يعتقد أن بعض المسؤولين الأوروبيين يقفون خلف تجارة البشر ويدعمونها لمصالحهم ومصالح الشركات الكبرى التى تعتمد على العمالة الرخيصة في عملياتها الإنتاجية أو الخدمية، وهذا ما يفقد أوروبا مصداقيتها أمام العالم، فبينما تريد محاصرة الظاهرة؛ إذ بها تجد أن كبار القوم فيها متورطون.. وهذا يثبت أن الفساد ليس مرهونًا بجنسية ولا حكرًا على أمة بعينها.

4 - انتشار الأمراض المعدية:

وقد يبدو ذلك سببًا مضحكًا إلا أن الأوروبيين يعتقدون أن المهاجرين السود من أفريقيا يحملون الإيدز والأمراض المعدية الأخرى مثل التيفويد والملاريا، ولكن بالنسبة للمهاجرين من البلقان فإن الأمر يختلف؛ إذ إن معظم هذه الدول لا تعاني من أمراض متوطنة بقدر ما تعاني من أمراض جنسية مثل الزهري وغيره، وهذا ما يكلف الخزينة الأوروبية مليارات الدولارات، علاوة على الكلفة الناجمة من انتشار هذه الامراض بسبب الاختلاط الجنسي المباح في هذه الدول.

ولمواجهة هذه المخاوف، قامت الدول الأوروبية بالإجراءات التالية:

1 - دعم قضائي وإداري لدول المنبع:

وعلى رأسها في البلقان ألبانيا والتي يعتقد الأوروبيين أنها الثقب الذي يتسرب منه المهاجرون غير المرغوب فيهم، ويتمثل هذا الدعم في برامج تدريبية وتعليمية وأخرى أمنية وقضائية لملاحقة مهربي البشر من ناحية، ومن ناحية أخرى المساعدة في إبقاء سكان ألبانيا داخلها، ولم تتمكن أوروبا من فعل شىء؛ لأنها ارتكزت في برامجها على محاولة سدِّ ذلك الثقب دون النظر بعين الحقيقة إلى المشكلات التي يعاني منها البلقان، وخصوصا الاقتصادية وبدلاً من الدعم الاقتصادي المباشر، راحت أوروبا تقدم دعمًا استشاريًّا لا يسمن ولا يغني من جوع.

2 - مراجعة قوانين الهجرة وحق اللجوء السياسي، وهذا قد حدث في معظم دول الاتحاد الأوروبي، وهناك مراجعة تتم حاليًا لمعاهدة شنجن بعدما اشتكى الأوروبيون من ثغرات بها تمكن المهربين من استمرار عملياتهم، وهذا ما حدث في سويسرا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا.

3 - الطوق الأمني أو السياج الحديدي، فأسبانيا وفي محاولة منها لوقف تسرب المهاجرين إلى أراضيها تقوم بعمل أكبر مشروع مراقبة حدودي إلكتروني سينتهى العمل به في 2004، ويتمكن من رصد كافة التحركات على كافة الشواطئ الأسبانية عبر سلسلة من الرادارات المزروعة على طول الشواطئ الأسبانية، كما أن الاتحاد الأوروبي أوكل إلى كل من اليونان وأسبانيا وإيطاليا مهمة حراسة حدود أوروبا الجنوبية من المهاجرين.

4 - الاحتواء السياسي من خلال التشجيع على الديمقراطية والتحول إلى دولة المؤسسات كسبيل للإصلاح الاقتصادى ونيل الدعم الأوروبي الحقيقي، ومثال ذلك ما حدث في سلوفينيا وكرواتيا وما يتم حاليًا في صربيا، وما تمّ سابقًا في بولندا والمجر وبلغاريا ورومانيا، أو على شكل اتفاقيات وبرامج شراكة، مثلما حدث بين الاتحاد الأوروبي ودول البلقان، وبين الاتحاد الأوروبي والمغرب، يتم بموجبها إقامة مشاريع استثمارية واقتصادية وبرامج تدريب وتأهيل للعمالة الوطنية بدلاً من اضطرارها للهروب إلى أوروبا.

5 - الاحتواء العسكري ضمن حلف الأطلسي أو البرامج المرتبطة به مثل الشراكة من أجل السلام، ومن خلالها يمكن رفع مستوى الأداء العسكري والأمني في برامج مشتركة لمكافحة الجريمة المنظمة، وتستفيد هذه الدول من الخبرة الأمنية المتراكمة لحلف الأطلسي

وفي الختام:

6 - فإن من يتابع برامج التلفزيونات الغربية يجد أنها تعجُّ بقصص ومآسي المهاجرين من البلقان إلى أوروبا، والذين كانوا ضحية السكوت الأوروبي على ما يحدث في هذه الدول منذ الخمسينيات وحتى اليوم، ولعل المثال الصارخ هو سكوت أوروبا على الشره الصربي لدماء المسلمين، وسكوتها على ما حدث للمسلمين في بلغاريا ورومانيا واليونان إضافة إلى يوجسلافيا، واليوم ورغم الشكوى الأوروبية، إلا أن أوروبا ليست معنية بقضية الهجرة غير الشرعية بقدر اعتنائها بانتقاء من يسمح لهم بهذه الهجرة، وبقدر البحث في وسائل تجعل من المهاجرين عبيدًا وخدمًا في بلاط أوروبا الموحدة ليس إلا…

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات