|
| متظاهرون يهود يزعمون أحقيتهم في إقامة الهيكل |
غزة- إن كان هناك من يبحث عن دليل على اختلاف تعاطي حكومة شارون الحالية مع ملف القدس والأقصى خصوصا عن الحكومات الإسرائيلية التي سبقتها، فإن السماح لما يعرف بـ "منظمة أمناء جبل الهيكل" اليهودية المتطرفة بوضع حجر الأساس "للهيكل المزعوم" الأحد الماضي هو خير دليل على ذلك. فقد حرصت هذه المنظمة - طوال أكثر من عقد - على أن تتقدم بطلب لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية للقيام بهذه الخطوة. وكانت المحكمة تشترط في كل مرة الحصول على إذن الشرطة للقيام بذلك، إلا أن الشرطة - وبناء على تعليمات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة - رفضت السماح بالقيام بهذه الخطوة، ولكن حكومة شارون أوحت للشرطة بإعطاء المنظمة هذا الإذن.
وبإمكان المراقب للأحداث أن يرصد معالم توجه جديد لحكومة شارون تجاه الأقصى؛ مدعوما بتأييد واضح؛ ولأول مرة من أقطاب معسكر الوسط ويسار الوسط واليسار الصهيوني في الدولة العبرية. فممثلو اليمين والأحزاب الدينية - الذين يشكلون أغلبية وزراء شارون - يتنافسون فيما بينهم في دعوتهم لشارون لكي يتخذ قرارا "جريئا" بالسماح لليهود بزيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه؛ إذ يزعمون أن هذا المكان يمثل "أقدس مكان لليهود؛ لأنه مقام على أنقاض الهيكل".
وزير البنى التحتية الإسرائيلية وصل إلى حد أن طالب المسلمين بأن يتقدموا بالشكر لإسرائيل؛ لأنها تسمح لهم بالصلاة في المسجد الأقصى!!. وقال ليبرمان في تصريحات للإذاعة الإسرائيلية باللغة العبرية بتاريخ 3-7-2001: "إن على المسلمين أن يتفهموا قوانين اللعبة بشكل أفضل، فهذا المكان (الأقصى) لليهود، ونحن نسمح لهم بالصلاة في مكان نحن نعرف أنه لا يحق لهم أن تطأه أقدامهم"؛ ويواصل ليبرمان التنظير لمنطقه قائلا: "إن دولة إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي، وقد قامت لكي يستطيع اليهود في كل أنحاء العالم أن يتعبدوا بحرية في أماكنهم المقدسة، وأهم هذه الأمكنة هو هذا المكان".
أما وزير الأمن الداخلي الليكودي عوزي لانداو فقال - في أعقاب اجتماع عقدته الهيئة القيادية للشرطة -: إن إسرائيل لا يمكنها أن تمنع اليهود للأبد من الوصول للمسجد الأقصى والصلاة فيه على اعتبار أن هذا حق طبيعي لهم. وأضاف بنيامين بن أليعازر وزير الحرب الإسرائيلي، أحد قادة حزب العمل: أن على حكومة إسرائيل أن تتصرف بحكمة في كل ما يتعلق بالمسجد الأقصى، لكن عليها أن تعمل في الوقت ذاته على أن يعي الفلسطينيون والعرب والمسلمون أن الوضع القائم حاليا في المسجد وضع لا يمكن أن يستمر إلى الأبد ، ويضيف بن أليعازر في تصريحات للتلفزيون الإسرائيلي بتاريخ ( 25-7-2001) أن اليهود "يتعرضون لتمييز عنصري" واضح في كل ما يتعلق بالصلاة في المسجد الأقصى! ويدعي بن أليعازر أنه كان من المفترض أن تتم تسوية مسألة صلاة اليهود في الأقصى منذ عام 67.
"معسكر السلام" مع تهويد الأقصى!
وإن كان من غير المستغرب أن تصدر مثل هذه التصريحات عن ممثلي اليمين المتطرف في حكومة شارون، فإن الذي يبدو غريبا بعض الشيء أن يجنّد أقطاب اليسار في إسرائيل أنفسهم -وهم الذين يقدمون أنفسهم للعرب كدعاة سلام- للتشكيك في حق المسلمين في المسجد الأقصى.
وقد يكون من المفارقات أن يبادر الشاعر والكاتب أ . ب يهشوع - رئيس اتحاد الكتاب الإسرائيليين، أحد منظري اليسار في إسرائيل، وهو من رؤوس حركة السلام الآن - لتشكيل رابطة تضم مفكرين وأدباء وصحافيين وجنرالات متقاعدين وفنانين وأكاديميين منت اليهود لمطالبة الحكومة بوقف أي أنشطة لدائرة الأوقاف الإسلامية داخل المسجد الأقصى، على اعتبار أن ذلك يهدد الآثار اليهودية في المكان، والتي تدعم مزاعم اليهود بأن المكان يضم آثار الهيكل المدمّر.
واللافت للنظر أن أغلب الذين استجابوا لدعوة يهشوع هم من قادة مفكري اليسار؛ ومن أبرزهم الشاعر حاييم غوري. بل إن الرابطة طالبت شارون بأن يعمل كل ما في وسعه من أجل ضمان وقف الأنشطة التي أسمتها بـ "التخريبية"، التي تقوم بها الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر بقيادة الشيخ رائد صلاح ودائرة الأوقاف الإسلامية في المدينة. وأشارت إلى أن هناك إجماعا صهيونيا يدعم العمل على حفظ الطابع اليهودي للآثار في المكان عن طريق منع المسلمين من إجراء أي خطوات من شأنها أن تؤثر سلبا على هذا الطابع، هذا مع أن أكثر من مؤرخ يهودي شكك في حقيقة وجود الهيكل في هذا المكان.
فالمؤرخ اليهودي يهودا رايمان مثلاً أكد أنه لم يتم العثور على أي دليل أثري يمكن أن يكون أساسا للاعتقاد أن المسجد الأقصى قد أقيم على أنقاض جبل الهيكل، بل إن رايمان يشكك في حقيقة أن يكون هناك أصلا هيكل في المكان.
برنامج شامل لاستهداف الأقصى
إذا كان أقطاب اليسار يدعون لتهويد الأقصى، فإن المنظمات اليهودية المتطرفة تعكف على إعداد خطط شاملة من أجل هدم وتدمير المسجد الأقصى. فيهودا عتصيون - أحد أقطاب منظمة "حاي فكيام " اليهودية المتطرفة - قال أثناء برنامج "بوليتيكا" الذي بثه التلفزيون الإسرائيلي بتاريخ 18-7-2001: إن على الحكومة القيام بتدمير المسجد الأقصى، وأن تقوم بتدمير ما أسماه "التدنيس المتواصل الذي يقوم به المسلمون للمكان منذ مئات السنين".
وعتصيون - الذي كان يتحدث وبجانبه وزير الاتصالات الإسرائيلي روفي ريفلين- أضاف قائلا: "إن أحدا لا يمكنه أن يضلل نفسه؛ فالمسلمون لا يمكنهم أن يقبلوا أن يستمر هذا الوضع، فإذا لم يتوقف المسلمون عن تدنيس المكان (!)، فإن علينا أن نتحرك نحن. وأنا أعتقد أن الكثيرين من اليهود يفكرون بأن يقوموا بذلك في حال عدم اتخاذ الحكومة قرارا شجاعا وتاريخيا بهدم المسجد الأقصى". واكتفى الوزير ريفلين بأن ربت على كتف عتصيون مستحسنا لكنه لم يعلق.
أما التقارير - التي تقدمها المخابرات الإسرائيلية العامة "الشاباك" للحكومة - تؤكد أن هناك مجموعات يهودية قد وضعت بالفعل مخططات عملية لتدمير المسجد الأقصى. بعض السيناريوهات التي وضعها المتطرفون اليهود - كما أشارت إليها تقارير "الشاباك"- تشير إلى إمكانية التسلل إلى المسجد الأقصى وتفجيره عبر استخدام تقنيات متقدمة في ذلك.
ويشير التقرير إلى أن عناصر المنظمات اليهودية داخل إسرائيل يجرون اتصالات مع أنصارهم داخل الولايات المتحدة للحصول على معدات تسمح بالحفر تحت جدران المسجد الأقصى، حيث ينوي هؤلاء الانطلاق في عمليات الحفر من دخل عقارات فلسطينية متاخمة تماما للمسجد، استطاعت المنظمات اليهودية شراءها خلال الأعوام الماضية عبر سماسرة أراضٍ فلسطينيين.
أيضا تحذر تقارير الشاباك من مخطط أكثر خطورة تعكف عليه عناصر المنظمات اليهودية المتطرفة، وهو أن يقوم عناصر من هذه المنظمات - ممن يعملون كضباط في سلاح الجو الإسرائيلي - بقصف المسجد الأقصى من الجو. والذي يزيد إمكانية حدوث هذا السيناريو هو حقيقة أن العديد من عناصر هذه المنظمات يخدمون كضباط في سلاح الجو الإسرائيلي؛ ومنهم من يخدم في وحدات مختارة في الجيش الإسرائيلي، وهؤلاء بإمكانهم أن يحصلوا على المواد المتفجرة من مخازن الجيش الإسرائيلي.
والذي يساعد المنظمات المتطرفة في تنفيذ هذا السيناريو هو الجهود التي تبذلها في دفع عناصرها للانضمام للوحدات المختارة في الجيش، مثل وحدة "سرية الأركان" و"دوفيديفان" و"إيجوز" والمظليين. والعامل الذي يساعد هذه المنظمات على تجنيد أنصار لها من بين منتسبي هذه الوحدات -هو حقيقة أن جميع أتباع التيار الديني الصهيوني يتجهون للخدمة في هذه الوحدات.
وهناك سيناريو كشفت عنه صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية الأسبوع الماضي؛ ووفقه يخطط عناصر المنظمات اليهودية المتطرفة لقذف مواد مشعة ذات فاعلية كبيرة جدا تؤدي إلى قتل المصلين المسلمين؛ وفي نفس الوقت تؤثر مع الوقت على تماسك جدان المسجد، وقد عُلم أنه قد تم الحصول على هذه المواد من الولايات المتحدة.
ليست منظمة واحدة.. بل منظمات
إن كانت الأضواء قد سُلّطت على منظمة "أمناء جبل الهيكل" لقيامها بوضع حجر الأساس للهيكل المزعوم بالقرب من باب المغاربة خارج أسوار البلدة القديمة، فإن عناصر هذه المجموعة لا يضطلعون بدور كبير في المخططات لتدمير المسجد الأقصى- حسب كل التقارير الاستخبارية الإسرائيلية - حيث يقتصر دورها على الجانب الإعلامي، ومعظم عناصرها من المتقدمين في السن. لكن إلى جانب هذه المنظمة، يوجد هناك منظمة "حاي فكيام" التي يرأسها يهودا عتصيون؛ وهو بالمناسبة من مؤسسي التنظيم الإرهابي اليهودي في الضفة الغربية أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، والمسؤول عن استهداف عدد من رؤساء البلديات الفلسطينيين المنتخبين، وهو ما أدى إلى بتر أطراف عدد منهم نتيجة قيام عناصر هذا التنظيم بوضع عبوات ناسفة بالقرب من منازلهم.
كما أن عناصر هذا التنظيم مسؤولة عن تنفيذ مذبحة استهدفت طلاب الجامعة الإسلامية في الخليل، والتي أدت إلى مقتل عدد من الطلاب وإصابة العشرات. وقد انتقل عتصيون - بعد أن قضى فترة في السجن - إلى الاهتمام بتحقيق هدف واحد ووحيد وهو: العمل على بناء الهيكل المزعوم من جديد على أنقاض المسجد الأقصى. وتنظيم "حاي فكيام" من التنظيمات التي تأخذ على نفسها وضع مخططات عملية لتدمير المسجد الأقصى . وهناك منظمة "عطيرات كوهنيم" التي جعلت رسالتها الأساسية العمل على تهويد البلدة القديمة من القدس، والتي تحظى بدعم الملياردير اليهودي الأمريكي "أورفينغ ميسكوفيتش". وعلى الرغم من أن مهمة هذه المنظمة الأساسية هي العمل على الاستيلاء على أكبر عدد من البيوت والعقارات العربية وبناء المدارس الدينية في القدس الشرقية، فإنه تبين أن عناصرها متورطون في التخطيط لتدمير المسجد الأقصى.
السماح لليهود بالصلاة.. أخف الضررين!
وأهم ما في الأمر هو أن حكومة شارون تعتقد - مثل جميع الحكومات الإسرائيلية السابقة - أنه لا يوجد أمر كفيل بتوحيد المسلمين والعرب ضد إسرائيل مثل المسجد الأقصى، كما يقول وزير الثقافة الإسرائيلي "متان فلنائي". وقد أقر الوزير الليكودي "داني نافيه" بأن كل اعتداء يمس بالمسجد الأقصى، سيعقبه موجة من العمليات الفدائية التي ستستهدف إسرائيل.
وقال: "سيكون لها بداية لكن لن يكون لها نهاية"، ولم ينس التذكير بأن عمليات الانتقام العربية والإسلامية والفلسطينية ستشمل ضرب أهداف إسرائيلية ويهودية في جميع أنحاء العالم.
وقد أشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى أن الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية قد نصحت شارون بأن يصدر تعليماته للسماح باليهود بزيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه، على اعتبار أن مثل هذه الخطوة من شأنها أن تقنع عناصر المنظمات اليهودية المتطرفة بعدم المساس بالمسجد الأقصى؛ حيث إن المخابرات تزعم أنها تجد صعوبة كبيرة في تعقب آثار أنصار المنظمات اليهودية المتطرفة وإحباط مخططاتهم؛ ومن ثم ترى أن السماح لليهود بالصلاة في الأقصى هو أخف الضررين، مع أنها تدرك ردة الفعل الفلسطينية والعربية والإسلامية على هذه الخطوة!. وقد اتخذ شارون خطوة عملية في هذا الجانب، عندما أمر قيادة الشرطة بالاستعداد لضمان أمن اليهود الذين يزورون المسجد الأقصى ويؤدون الصلاة فوقه.
"البلدوز" شارون يسعى بالتالي بكافة السبل لإقرار أمر واقع جديد في المسجد الأقصى، كما سبق أن فعل أسلافه في الحرم الإبراهيمي، عبر السماح لليهود بالصلاة في ساحة المسجد الأقصى، ويطلق للمتطرفين الصهاينة ولقواته العنان لترهيب المسلمين، ويستفيد في هذا من الدعم غير المحدود الذي يقدمه له كل الصهاينة على اختلاف توجهاتهم السياسية.
وإذا كان يخشى ردود أفعال الشعوب العربية والإسلامية في العالم كله على المصالح اليهودية في العالم، فهو على الأقل يسعى لتوصيل رسالة مفادها أنه غير قادر على لجم المتطرفين اليهود الذين يريدون هدم الأقصى، ويسعى لخطب ودهم؛ ومن ثم فليس أمامه إلا أخف الضررين وهو السماح لهم بالصلاة في الأقصى.
أما ما لم يقله شارون، فهو أن السماح لهم بالصلاة في ساحة الأقصى معناه وضع يدهم تدريجيا على أجزاء من المسجد والتوسع فيها - بدعوى منع الصدام مع المسلمين - ثم بناء المعبد المزعوم.
باحث في الشؤون الإسرائيلية، كاتب متخصص في الشؤون الإسرائيلية ، مراسل إسلام أون لاين.نت للشؤون الإسرائيلية- غزة.
|