English

 

الثلاثاء. أغسطس. 28, 2001

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » البلقان

 
أهم الأخبار  

حصاد السلاح.. الأطلسي يثبت قدميه في البلقان

حمزة زوبع

دبابات الأطلسي تنتشر في مقدونيا
دبابات الأطلسي تنتشر في مقدونيا
قبل أيام، بدأت عملية عسكرية جديدة لحلف شمال الأطلسي في مقدونيا.. هذه المرة اختلف الدور عن المرات السابقة في البوسنة وكوسوفا.. فكما أعلن المسؤولون في الحلف، فإن المهمة هي تجميع أسلحة المقاتلين الألبان -وليس نزعها- وفى ظرف زمني لا يتجاوز شهرا واحدا.

لكن الواقع السياسي والجغرافي والأمني في المنطقة وآراء الخبراء - حتى من الحلف الأطلسي نفسه- يشير إلى أن الحصاد قد يطول؛ وربما يضطر الأطلسيون إلى البقاء لحين موسم الزراعة الجديد في مقدونيا وكوسوفا، وربما صربيا.

لماذا جاء الأطلسيون؟

لا يمكن فصل المحطة المقدونية لقطار الأطلسي عن محطات سابقة في البلقان، ربما تكون كوسوفا أشهرها، إلا أن الحلف له قواعد (مسرح خلفي) في معظم بلدان البلقان الرئيسية؛ مثل ألبانيا العضو في برنامج الشراكة من أجل السلام مع الحلف، واليونان وإيطاليا العضوين بالناتو. وتقدم كل من رومانيا وبلغاريا تسهيلات للحلف وعملياته.

وعلى هذا الأساس، فإن وجود قوات الناتو في مقدونيا لم ولن يكون من أجل جمع أسلحة متمردين؛ فهناك العديد من السبل التي يمكن للغرب اتخاذها للضغط على الطرفين لوقف القتال، أو بمعنى آخر لإقناع حكومة مقدونيا منذ وقت طويل بتعديل مسارها السياسي قبل تفجر الأوضاع على النحو الذي شاهدناه.

ولا يُتصور أن يبقى الحلف بحوالي خمسة آلاف من جنوده لجمع ثلاثة آلاف قطعة سلاح.

وبكلمات أخرى، فإن ما حدث في مقدونيا -منذ شهر فبراير وحتى اليوم- هو أشبه بالعملية المدبرة بشكل دقيق من أجل أن يضع الناتو قدميْه في مقدونيا ليتمدد تواجده في البلقان، ويترسخ بشكل يتيح له حركة عسكرية وسياسية أوسع في ظل النهج الجديد الذي اختطه الحلف لنفسه.

وهذه بعض الشواهد للتأكيد على صحة هذه المقولة:

1- لقد تدخل الأطلسي عمليا في ألبانيا عام 1997 (لم تكن هناك حرب أهلية -بل فوضى) تحت مظلة القوات متعددة الجنسيات، ولم يدخل تحت اسم الناتو.

2- ثم حاول التدخل عسكريا في البوسنة، وفشل في تحقيق نصر عسكري.

3- تدخل عسكريا في كوسوفا وبقرار من مجلس الأمن، بعد أن فشل في التدخل دون إذن من المجلس، وهذه خطوة متقدمة.

4- اليوم يدخل مقدونيا سياسيا وعسكريا ودون إذن من المجتمع الدولي ومنظماته؛ فمقدونيا ليست عضوا بالناتو حتى يهب لنجدتها، كما أنه لا توجد دولة من الدول الأعضاء مهددة بخطر يتطلب التدخل الدفاعي، كما ينص ميثاق الحلف.

5- المشكلة الألبانية المقدونية قديمة، وليست وليدة هذه الأيام، وتدخُّل الحلف هذه الأيام جاء بعد أن أوجد لنفسه موقعا مريحا داخل كوسوفا يمكنه من التمدد والتوسع من خلاله.

6- تصاعد العمليات العسكرية في مقدونيا؛ ففي فترة زمنية قصيرة سمعنا عن جيش التحرير الوطني (NLA) وعن عملياته العسكرية، وفى نفس الوقت أشار المقدونيون إلى أن الجيش الجديد "مسنود" من جهات أخرى تم تحديدها في قوات الناتو الموجودة في كوسوفا، التي اتُهمت بأنها سمحت بتسريب أسلحة للمقاتلين. وعلى الجانب الآخر، فقد شجع الحلف والولايات المتحدة مقدونيا على الحسم العسكرى منذ البداية، وهما يعلمان أنه ليس بمقدور أي جيش منظم أن يقهر جماعات مسلحة (عصابات) في مناطق شديدة الوعورة جغرافيا مثل مقدونيا.

7- أعلن الحلف أنه سيتدخل بقوة محدودة ولفترة محدودة، ثم ارتفع سقف عدد القوات يوم 25 أغسطس ليصل إلى خمسة آلاف بحجة أن القوة التي ستقوم بجمع السلاح تحتاج إلى قوة لحمايتها (ممن؟ لا أحد يدري).

وبالتالي، نتوقع أن تمتد المدة لأطول من الشهر المحدد؛ فوصول هذا العدد يستغرق على الأقل ما بين 5-10 أيام؛ ومغادرته تحتاج إلى نفس الوقت. وبالتالي، فإنه عمليا لن يتبقى لهذه القوة سوى عشرة أيام لتحدد أماكن الأسلحة وطريقة إعدامها. وهذا غير ممكن عمليا، وهذا ما أشار إليه القائد الأطلسي في حرب كوسوفا (ويسلى كلارك ) -في تصريح للـ"بي بي سي" 17 أغسطس-، وقال فيه: "إن فترة الثلاثين يوما قد لا تكون كافية"، وعقب هذا التصريح أو التحذير زاد الحلف من عدد قواته.

إذن جاء الحلف ليبقى مدة أطول من المدة المعلنة، ومن أجل اختبار نظام عسكري جديد من نظمه العسكرية التي بدأ في انتهاجها منذ تراجع المنظمات الدولية عن أداء دورها في فضِّ النزاعات، أو الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين.

اتفاقية اقتسام السلطة الجديدة

على مدار قرابة شهر من المفاوضات، فرض الحلف -عبر مفاوضيه الأوربي والأمريكي وعبر مكوكه السياسي النشط خافيير سولانا- اتفاقية أطلق عليها اتفاقية "السلام" لاقتسام السلطة أو الشراكة في السلطة Power – Sharing Peace Agreement وهي صيغة توفيقية تمنح الألبان حقوقا سياسية لا ترقى إلى الحكم الذاتي في مناطق تمركزهم، وتنقذ الساسة المتعصبين في الحكومة وقادة الجيش المقدوني من فضيحة فشلهم في القضاء على المقاتلين.

وتنص الاتفاقية على ما يلي:

1- تسليم المقاتلين الألبان سلاحهم إلى القوات الأطلسية في ظرف شهر مقابل عفو عام.

2- تعديل الدستور لتصبح دولة "مقدونيا" مجتمعاً مدنياً لكل الأعراق، تتضمن وضعا متساويا لمعتنقي الأديان المختلفة في مقدونيا.

3- تعديل النظام البرلماني بحيث يسمح للأقلية الألبانية بأن يكون لها دور في الموافقة أو الاعتراض على قرارات الأغلبية (نظام الأغلبية المزدوجة).

4- السماح باستخدام اللغة الألبانية في المناطق التي يزيد نسبة السكان الألبان فيها عن 20%.

5- أن تصبح اللغة الألبانية لغة رسمية في البرلمان.

6- ضمان تمثيل الألبان في المحكمة الدستورية العليا.

7- تمثيل ألباني مناسب في الحكومة والمحليات والشرطة عموما.

8- صلاحيات محلية كبيرة في مناطق ذات الأغلبية الألبانية.

9- السماح للألبان في مناطقهم بتعيين رؤساء البوليس وفق طريقة تسمح للمقدونيين بالموافقة على واحد من بين مجموعة مرشحين.

10- إجراء إحصاء تعداد سكاني قبل نهاية العام الحالي.

إضافة إلى تعهد الأطراف الوسيطة بعقد مؤتمر للمانحين؛ بهدف إعادة إعمار ما خربته الحرب مؤخرا، وبالطبع السماح بدخول القوات الأطلسية لكي تجمع أسلحة المقاتلين!.

الاتفاقية في الميزان

الجانب المقدوني

يرى الساسة المقدونيون أن الحلف وأمريكا قد خدعَاهم حين أقنعاهم بالحسم العسكري وبأن مقدونيا ستلقى الدعم الكافي، ولكن ما حدث أثبت أن التحريض الغربي كان الهدف منه إيجاد مبرر لدخول الأطلسي إلى مقدونيا، وإدارة ملف البلقان بأكمله من الداخل، وليس من الخارج، كما كان إبان حرب البوسنة.

لكن البعض يرى أن التخلص -ولو مرحليا من ملف المقاتلين والحرب شبه المستمرة التي تكلف ميزانيتهم العامة ما لا تطيق في ظل اقتصاد متراجع ومحدود- يمثل انتصارا سياسيا كبيرا خصوصا للرئيس المقدوني "ترايكوفسكى" الذي يواجه معارضة شديدة من المتعصبين الأرثوذكس في الحكومة، وعلى رأسهم رئيس الوزراء جورجفسكى وقادة الجيش.

بيد أن هذه الاتفاقية -بما منحته للألبان من بعض الحقوق- قد أثارت الرأي العام المقدوني الذي يحركه تيار ديني متعصب على غرار صربيا. ويرى غالبية القادة الدينيين والأحزاب المقدونية المدعومة من الأقلية الصربية أن منح الألبان بعض الحقوق لن ينهي الموقف، وأن الألبان مثل النار كلما أعطيتها قالت: هل من مزيد؟ وهم يرون أن الاتفاقية ليست إلا بداية لطريق طويل من التنازلات قد تنتهي بتقسيم أو فيدرالية، وبكلمات أخرى: انتهاء عصر الحكم المقدوني للألبان، وهذا ما لا يرغبون فيه لخوفهم من قيام ألبانيا الكبرى.

لكن هذا الاتفاق سيضمن للساسة الحاليين الاستمرار في أماكنهم، وسيضمن حكم أغلبية مقدونية سلافية، وستبقى بنود هذه الاتفاقيات رهينة المزاج السياسي لهذه المجموعة. فإن هذه الاتفاقية ستُحسب -بلا أدنى شك- لتيار السلام في مقدونيا، الذي يرأسه الرئيس "ترايكوفسكي" الذي يتحمَّل ضغوطا شديدة قد تنتهي بعزله.

الجانب الألباني

انتزع الألبان بعض الحقوق الشرعية لهم، وتعلموا جيدا من درس كوسوفا، وأدركوا أن الكفاح السلمي السلبي أكذوبة لا يصدقها أحد ولا تعيد الحقوق. كما انتبهوا إلى لعبة الصراع والسيطرة ودور الأطلسي؛ ويرى بعض المراقبين أنهم كرروا دور جيش تحرير كوسوفا نفسه الذي ألقى بنفسه في أحضان الأطلسي، ونجح في أن يعود إلى الحياة السياسية كحزب بدلا من اتهامه بالإرهاب. وقد قام متحدث باسم جيش التحرير الألباني –وهو جيش جديد نتج عن تحالف بين جيش التحرير الوطني وفصائل مسلحة تابعة للأحزاب السياسية الألبانية- بتصريح لمعهد "تقرير الحرب والسلام" في لندن (I WPR) نُشر في (24/8) قال فيه: "إننا امتداد لجيش تحرير كوسوفا، ونسعى إلى العودة إلى الحدود الألبانية قبل عام 1912".

وتُعد الاتفاقية انتصارا سياسيا ومعنويا وأدبيا وقانونيا وعسكريا على النحو التالي:

1- سياسيا؛ لأنهم –الأحزاب وفصائل المقاتلين- أداروا مفاوضات، انتهت بتلبية جزء كبير من مطالبهم لأول مرة منذ خمسين عاما، كما أنها ستعيد إليهم الوضع السكاني الصحيح على اعتبار أن إجراء الإحصاء السكاني سيؤكد أنهم أقلية كبيرة (حوالي40%) لا يمكن إنكارها. كذلك، فإن الألبان سيشاركون في الحكومة كشريك كامل، له كل الصلاحيات بعد أن كانوا يشاركون (تفضلا) من المقدونيين.

2- معنويا؛ لأن الألبان في مقدونيا كانوا يعيشون في ظروف نفسية ومعنوية غاية في الإهانة، ويمكنهم الآن أن يرفعوا رؤوسهم في سائر البلقان –وليس في مقدونيا وحدها-.

3- وأدبيا؛ لأن اللغة التي حُرموا منها ستعود -وعلى أعلى المستويات- وسيتمتعون بالتعليم العالي بلغتهم الأم.

4- وقانونيا؛ لأنهم سيمثلون في المحكمة الدستورية؛ وهى أعلى مرجعية قانونية في مقدونيا.

5- وعسكريا؛ لأن الجيش لم يُهزم، واستطاع تحريك قضية نامت لنصف قرن، وتحريك المجتمع الدولي.

وفى المحصلة، فالصورة العامة للألبان على الصعيد الدولي ستشهد تحسنا كبيرا بعد أن نجح الصرب في تشويهها لفترات طويلة؛ وهذا غاية في الأهمية في المرحلة المقبلة.

هل يتم تنفيذ ما اتفق عليه؟

هذا هو السؤال المطروح وبقوة، وفى ظل عدم الرضا المقدوني والتأهب الألباني والإعلان عن تكوين الجيش الجديد.

يعتقد الكثيرون أن الوضع الراهن هو وضع مؤقت تماما مثل الوضع المؤقت في كوسوفا، وأن كل طرف سيسعى للتصعيد؛ فعلى الجانب المقدوني، سيتلكأ المقدونيون في تطبيق الاتفاقية بحجة عدم تجميع سلاح المقاتلين وفق الحصر الموجود لديها. أما الجيش الألباني فسيعمد إلى التصعيد في كل مرة يتلكأ فيها المقدونيون في تنفيذ الاتفاقيات.

وفى رأيي، فإن الخطر على قوات الأطلسي لن يكون من طرف المقاتلين الألبان، ولكن من العصابات المسلحة المقدونية التي ستسعى إلى إحراج الأطلسيين وإجبارهم على الخروج؛ لأنهم يعتقدون أن الأطلسي منحاز للجانب الألباني، ولعل هذا ما يخيف الحلف وما دفعه إلى زيادة عدد القوات.

وعموما، فإن تجربة مقدونيا أثبتت أن الحلف قد أوجد لنفسه مقاما طيبا، ويمكنه تكرار التجربة. لكن الشيء المؤكد أن الصرب والمقدونيين لن يتركوه يهنأ في مقدونيا؛ لأن الأغلبية ليست ألبانية كما هي في كوسوفا. وفى اعتقادي أن الاتفاق، كما أنه محطة أطلسية، فهو جولة جديدة في الصراع الألباني المقدوني.. وفى انتظار جولات جديدة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات