English

 

السبت. مارس. 9, 2002

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » البلقان

 
أهم الأخبار  

في كوسوفا.. مرحبًا أيتها الحرية

حمزة زوبع

روجوفا.. لماذا فشل؟ وكيف نجح؟
روجوفا.. لماذا فشل؟ وكيف نجح؟
قبل شهر ونيّف اختير الدبلوماسي الألماني "مايكل شتاينر" كحاكم دولي لإقليم كوسوفا؛ وكان عنوان اختياره الوصول إلى اتفاق يمنح الكوسوفيين حق الحكم الذاتي، باعتبار ذلك هو السقف السياسي الأعلى الذي سيسمح به شتاينر للألبان الكوسوفيين في مرحلة وجوده كمسؤول دولي عن الإقليم.

وصل شتاينر إلى كوسوفا بعد مضي قرابة ثلاثة أشهر على الانتخابات البرلمانية التي انتهت لصالح "حزب الرابطة الديمقراطي الكوسوفي" الذي يتزعمه الزعيم الألباني الكاثوليكي "إبراهيم روجوفا"؛ والذي حصل على 47 مقعدًا من جملة مقاعد البرلمان البالغ عددها 120 مقعدًا، وتلاه الحزب الديمقراطي الكوسوفي (وريث جيش التحرير الكوسوفي) بزعامة "هاشم ساتشي" الذي حصل على 26 مقعدًا، ثم حزب التحالف من أجل المستقبل الذي يرأسه زعيم عسكري من قادة جيش تحرير كوسوفا (قبل انشقاقه على هاشم ساتشي) بزعامة "راموش هارديناي" بثمانية مقاعد، مع العلم أن للصرب عشرة مقاعد، وللأقليات الأخرى عشرة؛ وقد تم الاتفاق على تركها لتمثيلهم، إضافة إلى أي مقاعد يحصلون عليها في الانتخابات.

كما وصل شتاينر إلى كوسوفا؛ وقد فشل إبراهيم روجوفا في الحصول على أغلبية أصوات النواب في البرلمان من أجل انتخابه رئيسًا للإقليم. وقد فشل روجوفا في ذلك ثلاث مرات متتالية، ووجد العالم نفسه أمام مأزق سياسي جديد، للأسباب التالية:

1- فعدم انتخاب رئيس للإقليم يعني استمرار حالة الفراغ السياسي التي حاول الصرب ترسيخها في الإقليم بعد خروجهم على يد قوات الأطلسي في عام 1999.

2- وعدم انتخاب رئيس للإقليم يعني توقف أو تجمد عملية الدعم الاقتصادي الموعود بها للكوسوفيين منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام ولم تتحقق بسبب غياب إدارة شعبية تعبر عن الناس، وتسعى في مصالحهم الحياتية، بعيدًا عن المسار السياسي الذي أخذ وقتًا طويلاً.

3- وعدم انتخاب رئيس يعني إعادة رسم الصورة السلبية عن الكوسوفيين في الأوساط السياسية الدولية؛ ويمنح الصرب فرصة جديدة للانقضاض السياسي على الإقليم في ظل أجواء دولية ليست في صالح الألبان الكوسوفيين.

4- وعدم انتخاب رئيس للإقليم وتأخره جاء في وقت صعَّد فيه ميلوسوفيتش من اتهاماته للألبان الكوسوفيين، بوجود علاقة لهم بتنظيم القاعدة أثناء محاكمته بجرائم الحرب التي ارتكبها في البوسنة، وكرواتيا وكوسوفا.

لماذا فشل روجوفا ثلاث مرات؟

يعتقد قطاع كبير من ألبان كوسوفا أن إبراهيم روجوفا –وإن كان له دور كبير في بدء مسيرة النضال السياسي ضد الصرب- قد فشل في المرحلة الأخيرة في الوقت الذي نجح جيش التحرير في ذلك النضال.. وبالتالي فإن قضية انتخابه رئيسًا قد تجاوزها الوقت.

كما أن ديانة إبراهيم روجوفا (مسيحي كاثوليكي) قد تكون من الأسباب التي تقف عائقًا غير معلن لانتخابه رئيسًا لبلد تكاد تصل نسبة المسلمين فيه إلى أكثر من 98% من الألبان، الذين تتجاوز نسبتهم في الإقليم 90% على أقل تقدير (95% هي النسبة المعلنة من الجانب الألباني).

كما أن فشل إبراهيم روجوفا في نيل ثقة الأحزاب الأخرى لترشيحه رئيسًا ربما يرجع إلى فشله في تقديم معادلة جديدة للحكم، أو ما يعرف بصيغة اقتسام السلطة مع الآخرين في ظل مرحلة جديدة وحاسمة، حيث يتخوف القادة الألبان من قيام روجوفا بالتخلي عن المطلب الرئيسي للألبان -وهو الاستقلال- حتى وإن أعلن روجوفا تمسكه بهذا المطلب، فالبعض يرى أن هذه التصريحات للاستهلاك المحلي.

فشل إبراهيم روجوفا لأن الأحزاب الجديدة -التي خرجت من رحم جيش التحرير- تتخوف من أن يبتلع روجوفا بخبرته السياسية هؤلاء القادة، ويحتويهم في بوتقة حنكته وتمرسه وعلاقاته الممتدة بطول أوربا وعرضها، مما يجعلهم عرضة للزوال في المرحلة الجديدة.. لذا فقد قدم جيش تحرير كوسوفا الدكتورة "فلورا بروفينا" -طبيبة الأطفال والنشطة الكوسوفية والشاعرة التي احتجزها الصرب وقدموها للمحاكمة بسبب نضالها في كوسوفا-، لتكون منافسة لإبراهيم روجوفا في المرات الثلاثة التي جرى فيها التصويت داخل البرلمان؛ وفشل روجوفا في الحصول على النسبة المطلوبة 66.6% (ثلثا أعضاء المجلس) للوصول إلى منصب الرئيس.

لماذا نجح روجوفا الآن؟

إن اختيار "شتاينر" لتولي هذا المنصب يعنى الكثير؛ فالرجل ذو تاريخ حافل، وهو مشاغب سياسي قديم؛ وعرف عنه تطرفه في آرائه، الأمر الذي حرمه من تولي منصب الممثل الدولي في البوسنة إبان وجود المستشار "هيلموت كول" في حكم ألمانيا.. وقد عمل مستشارا للمستشار الألماني الحالي "شرويدر".. ويرى أنه يتعين على ألمانيا أن تلعب دورا أكبر في الساحة الدولية.

ويرى كثيرون أن الرجل مثير للجدل، وأنه مصمم على عمل شيء في كوسوفا كخطوة جديدة تثبت أهليته السياسية.

وقد تزامن وصول مايكل شتاينر مع التحرك الأمريكي الحاسم بقيادة رئيس البعثة الأمريكية في كوسوفا "جزن مينزيز"، الذي أعلنها صريحة: "نحن نفد صبرنا إلى حد ما، فقد استغرق تشكيل الحكومة وقتًا طويلاً". كما أعلن قُبيل عملية التصويت الأخيرة: "نأمل أن يتم انتخاب الرئيس اليوم، وأنا متأكد من أن ذلك سيحدث اليوم". وبالفعل تم انتخاب روجوفا رئيسًا.. ولكن على أي أساس تم انتخابه؟

صيغة جديدة للحكم في كوسوفا

بذلت البعثة الأمريكية والمبعوث الدولي جهودًا كبيرة في إقناع الأطراف الثلاثة (حزب الرابطة - الحزب الديمقراطي – التحالف من أجل مستقبل كوسوفا) بضرورة التوصل إلى اتفاق يضمن لكل حزب حقه وفق ما حصل عليه من مقاعد؛ ويضمن بالتالي عدم حدوث انقلاب على منجزات هذه الأحزاب.. وكانت هناك رغبة في إقناع روجوفا بالتخلي عن الترشيح للمنصب؛ وقد قام "هاشم ساتشي" بسحب ترشيحه للمنصب في خطوة فُهم منها رغبة الكوسوفيين في إفساح المجال لأجيال جديدة للتقدم.. ولكن يبدو -وكما ذكرنا- أن جملة من العوامل جعلت روجوفا يصرُّ على البقاء في مضمار الترشح.

ورغم أن الحكومة الجديدة ستكون مهمتها الرئيسية هي إعمار الإقليم وبناء مؤسسات الدولة كما أنها ليست مخولة –وكذلك البرلمان– باتخاذ أي خطوة نحو الاستقلال، فإن الجميع متفق على أنها الخطوة الأولى التي تثبت أحقية الكوسوفيين في إدارة شؤونهم مباشرة، وتخلي الأمم المتحدة عن إدارة الإقليم بشكل تدريجي لحين حسم مسألة الاستقلال لاحقا.

ورغم أن الحكومة الجديدة سوف لا يتجاوز عدد أعضائها تسعة وزراء لشعب يصل عدده إلى مليونين! فإنها حكومة "تقنوقراط" ستساهم في التنافس الحزبي النزيه حول أحقية الأحزاب، وستدفع في اتجاه تطوير العمل الحزبي، وتفعيل أدواته لشعب حُرم ممارسة دوره في الحياة لفترات طويلة.

وعلى قاعدة تقسيم السلطة -ووفق رؤية واضحة فرضتها الظروف الدولية بعدم طرح موضوع الاستقلال، والانتباه إلى الوضع المحلي، وتنمية المجتمع من أجل الحصول على الدعم الدولي- تم التوصل إلى اتفاق بين كافة الأحزاب.. وبموجب هذا الاتفاق، يصبح روجوفا الكاثوليكي رئيسًا لإقليم كوسوفا ذي الأغلبية المسلمة، ويتم اختيار "بيرام رجبي" رئيسًا للوزراء، وهو طبيب جراح في صفوف جيش تحرير كوسوفا، وعمدة الجزء الألباني من مدينة ميتروفيتسا (مدينة المناجم المنقسمة بين الصرب والألبان) شمال الإقليم، وأصبح عضوًا في الحزب السياسي الجديد الذي يرأسه "هاشم ساتشي"، على أن يحظى حزب روجوفا بأربع حقائب، وكل من الحزب الديمقراطي، والتحالف من أجل المستقبل بحقيبتين لكل حزب، وتُترك حقيبة واحدة للأقلية الصربية.

الاتفاق الجديد حظي بردود فعل إيجابية من جانب كوفي عنان -سكرتير عام الأمم المتحدة- الذي اعتبره فرصة يجب التمسك بها من أجل الانصراف إلى هموم الناس وشؤونهم.. وبالطبع لم يتطرق إلى مستقبل الإقليم.. كما أن الدول الأعضاء في مجلس الأمن أصدرت بيانًا أشادت فيه بالاتفاق وبتشكيل الحكومة الجديدة؛ وأعلنت رغبتها في لقاء القادة الكوسوفيين الجدد، وهذه إشارة إلى عودة النشاط إلى لقاءات الدول المانحة، وبدء ضخ الدماء في شرايين اقتصاد كوسوفا المتجمدة منذ حين.

الاتفاق والطريق نحو الانعتاق

قبيل الاتفاق، أعلن شتاينر أن الأمور لا تسير بالسهولة التي يراها البعض، ولكنه بمثابة خطوة أولى مفيدة.. وهذا يعني أن الطريق قد بدأ، وأن كوسوفا ستنتقل من مرحلة إلى أخرى.

وبمقدور قادتها المنتخبين أن يخرجوا إلى العالم ومؤسساته، ويلتقوا، ويجتمعوا بدوائر صنع القرار وبمتخذيه في كل دول العالم.. ولم لا وهم منتخبون من شعبهم وقد اعترف العالم بهم؟

يمكن لروجوفا وبيرام رجبي رئيس وزرائه أن يتحركا نحو العالم، ويناشداه بتقديم الدعم لشعبهما، كما يمكن للأحزاب والمؤسسات الكوسوفية أن تلقى دعمًا من منظمات أوروبا على اختلافها.

كما يعني الاتفاق الجديد أن لكوسوفا رئيسًا وحكومة؛ وهو الأمر الذي لم يكن معترفا به قبل ذلك.. حتى وإن كان روجوفا رئيسًا مسيحيًّا لشعب مسلم، إلا أن الوقت سيبرهن على أن المسلمين في البلقان قادرون على التعايش في ظل وجود حرية، والتفاعل الإيجابي من أجل بناء دولتهم. وما حدث في كوسوفا ليس بناء على اتفاق مكتوب- لا يمكن تغييره- بل الأمر متروك لإرادة شعب بحث عن الحياة وسط ركام الحروب، وها هو يعاود التنفس في ظل الحرية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات